لا شكَّ في أنَّ الانتخابات الصوريَّة القادمة في العراق ما هي إلاَّ عمليَّة تكريس لاحتلال العراق، ولا تشكِّل سوى خطوة تضليليَّة هدفها تثبيت الاحتلال البشع ومؤسَّساته وتحقيق أهدافه السياسيَّة والاقتصاديَّة، وضمان السيطرة الأمريكيَّة المطلقة على مقدَّرات العراق، وجعله قاعدة الانطلاق والتوسُّع الاستعماري الأمريكي في هذه المنطقة الحيويَّة.
الإدارة الأمريكيَّة ومناصروها، وفي مقدَّمتهم وعَّاظ المحتلِّين يصوِّرون الانتخابات كإنجاز سياسيٍّ واجتماعيٍّ متميِّز، وكخطوة متقدِّمة نحو بناء المؤسَّسات الديمقراطيَّة وتأسيس الممارسات الانتخابيَّة وصولاً لبناء "العراق الجديد" - البلد النموذج الذي يمكن أن تستثمر تجربته لنشر الحريَّة والعدالة والديمقراطيَّة في المنطقة العربية!
لا نروم هنا مراجعة الرصيد الأمريكي واستعراضه على صعيد البناء الديمقراطي في دول العالم الفقير. ولا نودُّ إن نتوقَّف أمام بنود السجل المخجل للإدارات الأمريكيَّة المتعاقبة في دحض التجارب الشعبيَّة الديمقراطيَّة وإجهاضها خلال العقود الخمس الماضية، لكنَّنا نرى من الضروري إن نذكِّر بخلوِّ سجل هذه الدولة الإمبريالية ممَّا يشير إلى قيامها بنشر أسس العدل والديمقراطيَّة ومبادئها، بل على العكس من ذلك تمامًا. ولعلَّ أفضل دليل على مواقفها اللإنسانيَّة والمعادية لحقِّ الشعوب في الحريَّة وتقرير المصير هو الدعم المطلق للدولة العنصريَّة العبريَّة في فلسطين المحتلَّة.
إنَّ رفضنا، ورفض قطاعات عراقيَّة واسعة للانتخابات لا ينطلق من عدم الإيمان بالمبادئ الديمقراطيَّة والتعدُّديَّة الحزبيَّة أساسًا وإطارًا للعمل السياسي، ولا نتيجة لانتفاء قناعتنا بضرورة إرساء الممارسات الانتخابيَّة السليمة في المجتمع العراقي، وفي أهميَّة صناديق الاقتراع كآليَّة حسم الخيارات الأفضل للمجتمع، وإنَّما يستند على جملة عوامل، لعلَّ أهمُّها كونها انتخابات مفروضة ومعدَّة من محتلٍّ همجيٍّ تتقاطع مصالحه مع مصالح شعب العراق والأمَّة العربيَّة. ولكونها انتخابات تتناقض وتتعارض مع كلِّ الأسس والمعايير والمفاهيم الديمقراطيَّة وإلاجراءات الانتخابيَّة السليمة. انتخابات نرفضها ونتائجها لكونها انتخابات عبِّدت طرقها بدماء العراقيِّين وعمِّدت بشهاداتهم. ديمقراطيَّة بوش والسيستاني وانتخاباتهم ستجري، بينما جثث الأبرياء ما تزال تنتظر الدفن في الفلوُّجة ومدن العراق الأبيَّة الأخرى. انتخابات مهَّدت لها دبَّابات الحقد العنصري بنشرها الموت والدمار ليس في مدن الفلوُّجة وسامراء والموصل فحسب، بل في كربلاء والكوفة والنجف ومدينة الثورة.
قبل الولوج في طرح أسباب رفضنا للانتخابات واستعراض مخاطرها على مستقبل العراق وأمن شعبه، نرى من الضرورة تثبيت نقطتين أساسيَّتين:
الأولى، ثمَّة محاولات واضحة من أنصار الاحتلال ومؤسَّساته الإعلاميَّة لتشويه الموقف الرافض للانتخابات وتقديمه كموقف مستند على عوامل ومبرِّرات طائفيَّة وعنصريَّة، وتقديم الإطراف الرافضة على إنِّها إطراف خسرت مكاسبها ومواقعها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة إثر احتلال العراق. من الواضح أنَّه لا يوجد طرح أبعد عن الصواب من هذه الطروحات المشوَّهة والمنطلقة بدورها من مواقف طائفيَّة وعنصريَّة ضيِّقة غير مسؤولة.
إنَّ الموقف الوطني الرافض للانتخابات ينطلق بدون شك، من فهم الإطراف الرافضة لطبيعة المخطط الأمريكي وأهدافه، ولا سيَّما إدراكها لمخاطر مخطَّط تغيير هويَّة العراق الوطنيَّة والقوميَّة، وفهمها لمحاولات بعض الإطراف لفرض استحقاقات غير مشروعة عن طريق تغيير التركيبية السكانيَّة للعراق باستخدام الوسائل غير المشروعة، ولعلَّ أكثرها قذارة وخطورة استقدام مئات الآلاف من المتسلِّلين الإيرانيِّين والأكراد الترك إلى مدن جنوب العراق وشماله. إنَّ موقف الإطراف الرافضة لإجراء الانتخابات باختصار موقف منطلق من المسؤوليَّة الوطنيَّة، وهو الموقف الوطني السليم الوحيد.
الثانية، إنَّ إصرار بعض الإطراف على أجراء الانتخابات بالمقابل لا يعني إطلاقًا إيمانها بالخيار الديمقراطي وبصناديق الاقتراع كبرنامج وآليَّة عمل سياسي واجتماعي. معظم المُصرِّين على أجراء الانتخابات في الوقت الذي حدَّدته سلطة الاحتلال. واستنادًا إلى تجاربهم السياسيَّة وتجارب الحركات السياسيَّة، هم أكثر الإطراف بعدًا وأقلَّها إيمانًا بمبادئ العمل الديمقراطي وأسسه.
ما هو الرصيد الديمقراطي للمجلس الإسلامي الأعلى، أو لحزب الدعوة أو الأحزاب الكرديَّة؟ ما الذي يجعل من أشخاص كعبد العزيز الحكيم، وإبراهيم الجعفري والربيعي وقاسم داود وفلاح النقيب وحازم الشعلان والطالباني والبرزاني والزيباري رموزًا ديمقراطيَّة؟
كيف تحوَّل أبطال ديمقراطيَّة الحبال ومردِّدي شعار: "إعدم إعدم"، وممارسي سحل الغريم السياسي في الشوارع العامة، ومعلِّقي الجثث على أعمدة النور، أولئك الذين تقمَّصوا رداء الشيوعيَّة زورًا، ورفعوا شعارات منافية لكلِّ ما هو إنساني وديمقراطي، ما تزال تحتفظ بها الذاكرة العراقيَّة، أبطالاً ودعاة مبشِّرين بالديمقراطيَّة؟
كيف يتسنَّى لشخصيَّات مهزوزة كالجلبي ومشعان الجبوري وإياد علاَّوي وفريد أيَّار وغيرهم من الأقزام الذين سلَّموا مقاديرهم الشخصيَّة رهينة قرار سياسي أجنبي، وتعاملوا مع كلِّ دوائر المخابرات الأجنبيَّة ضدَّ مصالح شعبهم فرسانًا للديمقراطيَّة، وأنصارًا لصناديق الاقتراع؟
إنَّ هذه المجاميع المتحالفة مع أقذر قوَّة استعماريَّة عرفها المجتمع الإنساني في العصر الحديث لتدمير شعب العراق ونهبه غير مؤهَّلة سياسيًّا أو أخلاقيًّا لتقديم إيِّ نموذج ديمقراطي وإنساني متقدِّم وسليم، لأنَّها أصلاً غير مؤمنة بالديمقراطيَّة كمبداء، وإنَّما إصرارها على إجراء الانتخابات في نهاية الشهر القادم ينطلق من موقف سيِّدها في واشنطن.
هنالك خلاف واضح دوليًّا وعربيًّا ومحليًّا في توقيت الانتخابات. وهنالك قناعات مبنيَّة على معطيات واقعيَّة بأنَّ العراق غير مهيَّأ فنيَّا وسياسيًّا للانتخابات في الموعد الذي تصرُّ الإدارة الأمريكيَّة على إجرائها فيه. لعلَّ أهم تلك المواقف، موقف الأمم المتَّحدة التي أبدت قلقها بشكل واضح، وعبَّرت عن ذلك القلق من خلال مساهمتها الرمزيَّة في إدارة نتائج الانتخابات ومتابعتها. لماذا هذا الإصرار الأمريكي الأهوج إذًا على أجراء الانتخابات! ما هي دوافع الإصرار الأمريكي على إجراء الانتخابات، وعلى فرضها على الإطراف العراقيَّة الرافضة لمثل هذه الخطوة الخطرة!
إنَّ هدف الإدارة الأمريكيَّة من إجراء الانتخابات يقوم على تحقيق جملة من العوامل غير المرتبطة بأيِّ شكل من الإشكال بعمليَّة البناء الديمقراطي في العراق.
الهدف الأوَّل، يتمثَّل في أنَّ إجراء الانتخابات في الوقت المحدَّد يمنح الإدارة الأمريكيَّة إنجازًا سياسيًّا معنويَّا وإن كان هامشيَّا في العراق، هي بأمسِّ الحاجة إليه، ولا سيَّما بعد اتِّضاح زيف المبرِّرات التي ساقتها لشنِّ حربها العدوانيَّة واللأخلاقيَّة ضدَّ شعب العراق، وفشلها الكبير في إدارة الوضع فيه. إنَّها باختصار، في أمسِّ الحاجة للحصول على أيِّ أنجاز سياسي مهما بلغت هشاشته، ومهما بلغت تكلفته عراقيًّا بعد اتِّضاح فشل كلِّ المشاريع السياسيَّة المفروضة لترويض هذا الشعب عنيد المراس.
الدافع الثاني، إنَّ الانتخابات مصمَّمة بشكل يضمن قيام سلطات تنفيذيَّة وتشريعيَّة موالية لسلطة الاحتلال، ومهيَّأة لتوقيع الاتفاقيَّات الاقتصاديَّة والسياسيَّة والأمنيَّة وتصديقها وتمريرها لضمان بقاء الجانب الأمريكي وسيطرته وهيمنته المؤدِّية إلى إبقاء القوَّات الأمريكيَّة والبريطانيَّة المحتلَّة على الأراضي العراقيَّة لآماد طويلة جدًّا.
الدافع الثالث، يتمثَّل في أنَّ قيام حكومة عراقيَّة منتخبة عن طريق انتخابات، وإن كانت صوريَّة سيغيِّر من طبيعة الصراع في العراق، من مقاومة احتلال أجنبي إلى مقاومة موجَّهة ضد حكومة عراقيَّة منتخبة! وبالتالي، ينهي شكليًّا، كما أشار إليها جورج بوش الثاني مؤخَّرًا: "أسطورة مقاومة العراقيِّين للقوَّات الأجنبيَّة."
هذا التحوُّل سيساعد الإدارة على تسويق ما تطلق عليه "الحرب ضدَّ الإرهاب"، ويبرِّر بقاء القوَّات الأمريكيَّة والأجنبيَّة الأخرى في العراق لضمان أمن "التجربة الديمقراطيَّة" وسلامتها في العراق!. إذًا، في الإطار العام، هدف الإدارة الأمريكيَّة من إجراء انتخابات، هو: إضفاء الشرعيَّة الشكليَّة على غزوها العراق والتواجد فيه أراضية، وقمع أبنائه وتقتيلهم من خلال علاقة مصطنعة بحكومة عميلة، ستصفها بِـ "المنتخبة" من الشعب العراقي.
لماذا نرفض الانتخابات؟
إنَّ الخيار الوطني السليم للمواطن والمواطنة العراقيَّة المؤمنة بالعراق الحرِّ المستقل بعيدًا عن الأفكار والأطر الطائفيَّة والعرقيَّة الضيِّقة هو رفض الانتخابات ونتائجها، والعمل على إلغائها بكلِّ الوسائل المتاحة. أنَّ رفضنا للانتخابات تحت جزم القوَّات المحتلَّة، وفي ظلِّ التغلغل الإيراني وابتزاز الحركات الكرديَّة الخطر، يستند على جملة من العوامل التي سبق وطرحها العديد من الإطراف الرافضة، غير أنَّه من المفيد جدًّا إن نذكِّر المواطنين العراقيِّين بها:
1. الانتخابات، كما سبقت الإشارة إليها، تسعى لتحقيق أهداف أمريكيَّة، ولا ترتبط بأيِّ شكل من الأشكال بعمليَّة البناء الديمقراطي في العراق. إنَّها تتعلَّق أساسًا بالبرنامج السياسي لسلطة الاحتلال، وتشكِّل جزءًا من المشروع الأمريكي الهادف إلى تغيير الخارطة السياسيَّة والتركيبة الاجتماعيَّة للمنطقة العربيَّة، وبشكل يتلاءم ومتطلَّبات المشروع الصهيوني. إنَّها حلقة من حلقات عمليَّة إحكام السيطرة السياسيَّة والاقتصاديَّة لا على العراق فحسب، بل على المنطقة العربيَّة برمَّتها.
2. إنَّ الهدف الحقيقي للانتخابات ليس بناء مؤسَّسات ديمقراطيَّة أو إقامة نظام تصويت حرٍّ في العراق، بل الهدف النهائي هو ضمان سيطرة عملاء الإدارة الأمريكيَّة الذين مهَّدوا للاحتلال وخدموه على حساب المؤسَّسات التشريعيَّة والتنفيذيَّة في العراق، ضمانًا لإبقاء المصالح الأمريكيَّة. فنتائج الانتخابات مقررَّة ومحسومة سلفًا، والأدوار والمقاعد تمَّ توزيعها بين الأحزاب العراقيَّة العميلة للإدارة الأمريكيَّة، تلك التي ساعدت على تسويق الحرب ومهَّدت وعملت على احتلال العراق وتدميره وإيصال شعبه إلى الوضع المأساوي الذي هو فيه اليوم.
3. من المسلَّم به أنَّ العراق غير مهيَّأ فنيَّا وسياسيَّا لممارسة انتخابات سليمة ونزيهة وضمانتها. لا شكَّ في إنَّ أيَّة انتخابات سياسيَّة في العراق ستترتَّب عليها تغييرات سياسيَّة مؤثِّرة في مستقبل العراق ووحدة شعبه، وعليه فالمسؤوليَّة الوطنيَّة تتطلَّب ضمان جميع العناصر والظروف المؤدِّية إلى خلق مناخ سليم وملائم لإجراء الانتخابات. إنَّ المتَّفق عليه بين جميع الخبراء والمراقبين السياسيِّين عدم توفُّر إحصاء سكَّاني يمكن الاعتماد عليه لتثبيت المواطنين العراقيِّين وعددهم وتوزيعهم باستثناء البطاقة التموينيَّة التي كان معمولاً بها أثناء مدَّة الحصار، يضاف إلى ذلك عدم توفُّر القدرات الفنيَّة القادرة على إدارة الانتخابات وضمان الوصول إلى نتائج نزيهة.
من المعلوم أنَّ التركيبة السكانيَّة العراقيَّة منذ استباحة التتار الجدد لبغداد العروبة تعرَّضت إلى أكبر عمليَّة تغيير منظَّمة وغير شرعيَّة من خلال دفع مئات الآلاف من العوائل الإيرانيَّة والكرديَّة التركيَّة للنزوح إلى مدن العراق تحت ذرائع عودة المهجَّرين وغيرها من البرامج المشبوهة الهادفة إلى تغيير الهويَّة الوطنيَّة والقوميَّة للعراق العربي.
4. إنَّ نزاهة الانتخابات وشفافيَّتها تتطلبان إشراف جهة رسميَّة مشهود لها بتجربتها ونزاهتها واستقلاليَّتها. "الهيئة الوطنيَّة المستقلَّة" الجهة المسؤولة عن إدارة الانتخابات والإشراف والسيطرة عليها تبقى في أفضل حالاتها، وعلى الرغم من اسمها التضليلي جهة غير مستقلَّة، أعضاؤها غير معروفين ومرتبطون ومعيَّنون بشكل مباشر من سلطات الاحتلال.
5. الإجراءات الانتخابيَّة التي ينظِّمها ما يطلق عليه "القانون الأساس" بعيدة كلَّ البعد عن الأسس والمعايير الانتخابيَّة المتعارف عليها، ولا تتضمَّن عناصر الشفافيَّة والرقابة. "قانون الأساس" يسمح بإعادة تدوير أعضاء مجلس الحكم الفاشل والمنحل إلى المؤسَّسات التنفيذيَّة والتشريعيَّة دون شرط حصولهم على الأصوات اللازمة، أو المرشَّحين الآخرين! ثمَّ أيَّة انتخابات هذه التي توزَّع بطاقاتها الانتخابيَّة في محلاَّت البقالة، وتُباع وتُشترى من العناصر المموَّلة من إيران لاحتكار وصول أسماء معيَّنة إلى عضويَّة المجلس والحكومة!
6. إنَّ رفضنا للانتخابات مزوَّرة النتائج مقدَّمًا لا يقتصر على النقاط الواردة أعلاه، بل الأهم إنَّ رفضنا القاطع لها يقوم على النتائج الخطرة التي قد تترتَّب عنها، وبسبب تداعياتها المدمِّرة لوحدة شعب العراق ومستقبله.
من المتَّفق عليه أنَّ موقف شعب العراق مقسَّم حاليًّا من موضوع إجراء الانتخابات وتوقيتها، وإنَّ هناك شريحة سكَّانية واسعة، لا نبالغ إذا قلنا إنَّها تتجاوز نصف سكَّان العراق، ترفض إجراء الانتخابات في ظلِّ وجود القوَّات الأجنبيَّة المنحازة لعملائها، والمصمِّمة على فرض الانتخابات ونتائجها بالقوَّة المفرطة.
من المؤكَّد أنَّ الجهات الرافضة للانتخابات لن تشارك في هذه المهزلة، وستقاطعها كلِّيًا، وبالتالي فإنَّها لن تكون معنيَّة بالنتائج المترتِّبة عليه، وهنا تكمن الخطورة. الأطراف التي فرضت الانتخابات ستحاول فرض نتائجها، وبالتالي تنفيذ الصفحة التالية من مخطَّط الاحتلال وجباية استحقاقات غير مشروعة وفرض برامجها السياسيَّة والاجتماعيَّة التي تتضمَّن تغيير هويَّة العراق وإقامة كيان سياسي يمثِّل امتدادًا للنظام الإيراني. في ظلِّ الظروف الحاليَّة السائدة في العراق، وغياب القوَّة المركزيَّة القادرة على فرض سيادة القانون ومتطلَّبات الأمن الوطني، وفي ظلِّ غياب آليَّات ديمقراطيَّة يمكن الرجوع إليها في حسم الخلافات الوطنيَّة، وانتشار الميليشيات المسلَّحة، فإنَّ الخيار الوحيد للإطراف المتنازعة هو اللجوء لمنطق القوَّة والسلاح لحسم المواقف المتباينة من نتائج الانتخابات. ولا شكَّ لدينا في أنَّ المحتل الأمريكي وحلفاءه الأجانب والمحليين سيغذُّون مثل هذا الصراع.
فأيَّة انتخابات تلك التي يمكن أن تقود إلى الاقتتال الداخلي؟ ولماذا يصرُّ السيستاني وحلفاء إيران وعملاء المحتل الأمريكي على إجرائها، وعلى تجاهل المخاطر السياسيَّة التي قد تترتَّب عنها؟
من الواضح جدًّا أنَّ هنالك تحالفًا واتِّفاقًا غير مقدَّسين لتدمير شعب العراق وتهميش العراق كقوَّة إقليميَّة. ويبدو أنَّ تدمير العراق غدا القاسم المشترك لإطراف دوليَّة وإقليميَّة عديدة، وأمسى نقطة الالتقاء الوحيدة للإطراف المتناقضة في كلِّ المواقف لتدمير شعب العراق. ويحقُّ لنا أن نتساءل عن سرِّ الالتقاء الأمريكي الإيراني لإجراء الانتخابات في التوقيت الأمريكي!
من المؤكَّد أنَّ أيَّ برنامج سياسي لا يوفِّر لشعب العراق مقوِّمات الحريَّة والاستقلال والسيادة، ولا ينطلق من الإرادة الجمعيَّة لشعب العراق، ولا يحظى بموافقة جميع فئاته ومساندتها، ودعم الأغلبيَّة المطلقة، ولا يستند على القوانين والأعراف الدوليَّة، ولا يحمِّل المحتلَّ الأمريكي وشركاءه تبعات الجرائم البشعة التي ارتكبت بحقِّ شعب العراق، وتبعات التكاليف السياسيَّة والبشريَّة والماديَّة لمشروع الاحتلال تبقى حلولاً ناقصة ومرفوضة ومتقاطعة مع مصالح شعب العراق.
إنَّ الانتخابات الصوريَّة المزمع أجراؤها تحت جزم المحتلِّين تعتبر الخطوة الأكثر خطورة على مستقبل شعب العراق ووحدته، وعلى كينونة العراق كدولة. فعليه، فمقاطعتها وإفشالها يعتبران واجبًا مقدَّسًا على كلِّ عراقيَّة وعراقي غيور. ونشدِّد عل كلِّ عراقيَّة وعراقي حرٍّ غيور.
- آخر تحديث :




التعليقات