إيلاف من تل أبيب: في استعارة ذكية لعنوان الفيلسوف الأندلسي الشهير موسى بن ميمون (الرامبام) وكتابه المرجعي "دلالة الحائرين" الذي ألفه في القرن الثاني عشر، يطرح الباحث والكاتب شموئيل روزنر كتابه الجديد "لماذا أنا يهودي؟.. دليل معاصر للحائرين".
الكتاب، الذي جاء بطلب من قيادة "متحف الشعب اليهودي" (ANU)، لا يستهدف المتدينين كما فعل ابن ميمون سابقاً للتوفيق بين النص الديني والفلسفة الأرسطية، بل يتوجه بالأساس إلى اليهود العلمانيين أو "غير الممارسين"، الذين يعيشون تمزقاً بين يهوديتهم وبين القيم الغربية الحديثة.
تشريح الهوية: دين أم قبيلة؟ يغوص روزنر، الزميل الأول في "معهد سياسة الشعب اليهودي"، في حقل ألغام من الأسئلة الوجودية: من هو اليهودي؟ هل نحن "شعب الله المختار" أم نتاج تاريخي؟ ولماذا يكرهنا العالم؟. في محاولته للإجابة، يقسم المؤلف تعريف اليهودية إلى ثلاث دوائر:
دين أم قومية: هي دين (يناسب حياة الشتات)، وهي قومية (تناسب قيام الدولة في إسرائيل).
أفكار أم ممارسة: هي مجموعة "أفكار"، وهي أيضاً "أسلوب حياة" وعادات يومية.
العهد: إما عهد إلهي قائم على الإيمان والوصايا، أو عهد تاريخي قائم على وحدة المصير واللغة والإثنية.
العصر الحديث هو "العصر اليهودي" من أكثر النقاط إثارة للجدل التي يستعرضها الكتاب، اقتباسه لنظرية يوري سليزكين بأن "العصر الحديث هو العصر اليهودي"؛ مبرراً ذلك بأن العالم الحديث يتطلب صفات هي في صلب التكوين الاجتماعي اليهودي: "التمدن، الحركة المستمرة، التعليم العالي، والفصاحة". ويرى أن الحداثة، بمفهوم السعي وراء الثروة من أجل العلم والعلم من أجل الثروة، جعلت العالم كله "يتحول لليهودية" بهذا المعنى السوسيولوجي.
نقد: أين "الروح" في كل هذا؟ رغم الجهد التوثيقي، تواجه مقاربة روزنر انتقادات جوهرية. تشير المراجعة النقدية للكتاب إلى أنه وقع في فخ "العقلانية المفرطة" على حساب الروحانية. ففي فصل "كيف ننجو؟"، يستنتج روزنر أن الشريعة اليهودية لم تعد ذات صلة لأن معظم اليهود لا يلتزمون بالطقوس اليومية، وهو استنتاج اعتبره نقاد "قفزة غير منطقية" تتجاهل البحث عن المعنى والارتباط بالإلهي الذي لا يزال يحرك الكثيرين.
في النهاية، يترك الكتاب قارئه أمام حقيقة واحدة: في عالم ما بعد سبينوزا وداروين، حيث يصعب الدفاع عن الإيمان المجرد، يبقى سؤال "لماذا تكون يهودياً؟" سؤالاً بلا إجابة بسيطة، وما قدمه روزنر هو "دليل سياحي" للأفكار، وليس "خريطة طريق" لليقين.
أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن مراجعة نقدية نشرت في "جيروزاليم بوست".













التعليقات