إنهم يقتلون الطيور، يذبحون العصافير، يسلخون الحمائم، ويقضون على الأحلام الجميلة، لذا ممنوع علينا أن نحلم بعد اليوم.

حتى في اليوم الذي ينادي فيه الجميع بالحب، لم يرحموا الحب بل ذبحوه على عتبة داره وأحالوا الأعراس إلى جنائز، كأن هذا الوطن الصغير جداً بمساحته لا يستأهل أن يعرف الفرح الحقيقي.

إغتالوه ليس فقط لأنه كان رئيس وزراء سابق وزعيماً شعبياً، بل لأنهم يدركون أهمية قيمته كرجل حمل لبنان في قلبه وعقله وفي حقيبته إلى المحافل الدولية وكبار الزعماء والشخصيات، ليدعوهم جميعاً إلى أحضان "الأخضر الصغير" الذي لطالما احتضنهم قبل اندلاع الحرب المؤسفة في السبعينيات التي مضت. أولئك الذين لا يريدون للأوطان أن تُبنى ولا للشعوب أن تحيا بسلام، أولئك خفافيش الظلام الذين يخشون ضوء الشمس، الرابضون على أنقاض الأمم وأحلامها، الساعون دوماً لأن تُخرب الديار على رؤوس قاطنيها لأن الإستقرار يقضَ مضاجعها.

العيد في وطني شهيد، والثلج الأبيض الذي غمر سفوحه في الأونة الأخيرة تلطخ من كثرة الدماء.. اللون الأحمر في الورود خجل من مسيرة النعوش، مسيرة اعتدنا عليها نحن اللبنانيون منذ بداية حربنا الأهلية وحتى انتهائها.

سكتت بيروت فجأة على غير عادتها وهي المدينة التي تعلَم بقية المدن ما معنى الحياة وكيف تكون الحياة وكيف تحيا الحياة.. مدينتنا غارقة في الحزن كالأم الثكلى على وحيدها.. لبنان يتيم هذا اليوم، وكل يوم تسقط منه ورقة مورقة ليبقى اليباس.

وأنا في المهجر، لا أعرف إن كان الحزن والغضب اللذين أبديتهما كافياً بحق هذا الرجل الحريري الذي أرسلني، كغيري من طلبة لبنانيين درسوا على حسابه، إلى الجامعة الأميركية في بيروت لإنهاء دراستي الجامعية.. لك اليوم يا من علمتني حرفاً، أطوَع قلمي لكَ عبداً ليرثيك ويقول: رحمك الله يا رفيق.

إرحمونا إما بتركنا على الأقل نتقبل العزاء في موتانا بهدوء وسكينة، نعيش كما اعتدنا دوماً وأبداً معاً نحل مشاكلنا ونتقاسم الحياة بحلوها ومرها، أو اطلقوا رصاصة الرحمة علينا من مبدأ أنه "آن للجثة أن تُدفن".

جمانة الصباغ - دبي