احتفلت مجتمعات الرفاهية الاثنين المنصرم بعيد الحبِّ!
احتفلوا بعيد الحبِّ، في زمن لم يعد الحبُّ فيه غير كلمات جوفاء ومشوَّهة، وبعد أن أفرغ من كلِّ معانيه الإنسانيَّة الجميلة والأصيلة.
احتفلوا، والآلاف من أطفال العالم وفقرائه يلاقون حتفهم جوعًا ومرضًا في عالم التخمة
والإنفاق الاستهلاكي المتفاقم.
أهدوا إلى محبِّيهم زهورًا وعلب حلوى وهدايا كان يمكن لمجمل أثمانها إن توفِّر حلولاً لمشاكل الأشقياء والمحرومين، أو ثوبا لعارية محرومة، رغيفًا لجائع بائس، أو جرعة دواء لعليل موجوع.
احتفلوا ييوم الحبِّ، وقوَّات الحقد العنصري، فرسان الكراهية تمارس أبشع أنواع البطش والإرهاب في مدن العراق وفلسطين ومناطق أخرى من هذا العالم الذي غدا رهينة رغبات أديولوجيَّات شرِّيرة وأطماع إمبراطورعاري جديد.
عالم تُدمَّر فيه مجتمعات وتدكُّ فيه مدن ويذبح الأبرياء قربانًا لمشاريع نشر "الديمقراطيَّة والحرية وتعزيز قيم العدالة والإنسانيَّة".
احتفلوا بعيد الحبِّ في عالم أمسى الرجال يعبِّرون عن صبابتهم بوصف قصور وهميَّة، وإغراء الحبيبة عن طريق توفير سبل الرفاهية الماديَّة بديلاً من كلمات رقيقة تلامس ثنايا قلب الحبيبة، أو بباقة ورد تعبِّر عمَّا يجول في فكر الحبيب. عالم اختفى فيه النبل والرجولة والأيمان بالقيم الفكريَّة والأخلاقية الراقية.
يوم الحب هذا، وعلى الرغم من أبعاده وأهدافه التجاريَّة، إلاَّ أنَّه وفَّر فرصًا لقلوب شقيَّة متعطِّشة للحظات التلاقي وبلوغ قمم الصفاء. أرواح أثقلها البحث عن حلول لأزمات نفسيَّة لا حلول لها، وأنهكها السير نحو أفق متغيِّر، وأتعبتها مطاردة أحلام لم تولد أصلاً. يوم الحب الهامشي هذا، وفَّر لنفر فسحة وإن كانت قصيرة لاسترداد بعض ما فقدوه من إنسانيَّتهم، وللآخرين فرصة التمتُّع بأرق مباهج الحياة وأكثرها سموًّا. فرصة للتعبير عن مشاعرهم وطموحاتهم والتخلُّص من آلامهم وإرهاصاتهم.
لكن هذا اليوم لم يخلُ من المعاناة والحرمان والدموع، إحباط من حبيب لم يطرق الباب في ليلة الحبِّ، ويأس حبيبة لم تقوى على ملاقاة حبيبها خشية من بطش سرَّاق الحياة. يومًا عانت فيه القلوب من وحشة الانتظار القاتل، نساء ارتدين فساتين السهرة الحمراء والسوداء في انتظار الفارس المتعب، قلوب حائرة انتظرت بطاقة تهنئة، باقة ورد، أغنية مهداة، مكالمة هاتفيَّة أو مجرَّد حلم عابر في زمن يبغض الأحلام.
في يوم الحب غابت السعادة عن الكثير من نساء العالم القاسي، ولا شكَّ في أنَّ أكثر نساء الدنيا حرمانًا في عيد الحبِّ كانت نساء عراقنا المحتل. وأكثرهن حزنًا، كنَّ أسيراتنا المحتجزات في أقفاص المحرِّرين الديمقراطيِّين وفي سجون دولة "العراق الجديد".
أيَّة وحشة تلك التي عانين منها في يوم الحب اللعين؟
إيُّ حزن استباح تلك القلوب الحائرة؟
في عيد الحب، احتفلت نساء الدنيا بأنوثتهنَّ إلاَّ نساء العراق، فقد احتفلن به خوفًا وارتعادًا وحسرة وانكسارًا.
احتفلن بعيد الحبِّ وهنَّ يسرن رعبًا وخجلاً وهربًا من وقاحة نظرات المحتلِّين من أصحاب العيون الزجاجيَّة. خجلاً من رجال خانتهم الرجولة فاختاروا الجلوس على عتبات المساكن يجترُّون حكايات بطولات أجداهم، ويراقبون دوريَّات جنود المحتل المغتصب وهي تجوب شوراعهم ومدنهم مؤكِّدة حضورها الحضاري.!
احتفلن بعيد الحب وصراخ شقيقاتهنَّ المغتصبات تعزف أنغام موسيقى يوم الحب.
احتفلن به والخوف على أطفالهنَّ من الخطف والقتل والاغتصاب والموت سحقًا تحت سرف دبابات "المحرِّر"النبيل" يهيمن على قلوبهنَّ كلَّ لحظة.
احتفلن بعيد الحبِّ في ظلِّ خوف رهيب من مستقبل مظلم، مستقبل يحدِّد مساره أصحاب اللحى الفلينيَّة، الديمقراطيُّون الجدد، وأصحاب نظريَّة "المرأة العورة"، خائفات من قوانين جائرة وممارسات حقيرة، من قيود التخلُّف والظلام.
نعم، هكذا احتفلت الكثيرات من نساء العراق بعيد الحبِّ. ولكن هنالك أيضًا اللواتي احتفلن به بطريقة أخرى، جميلات احتفلن وهن يزوقن أناملهنَّ الرقيقة فرحًا بحنَّة الشهداء.
عاشقات احتفلن وهنَّ يزغردن لحبيبهنَّ المغادر لمقاومة بطش المحتلِّين ورموز الخيانة.
كريمات احتفلن وقلوبهنَّ تغمرها السعادة لشجاعة الزوج المحبِّ، والأب الرحيم، والشقيق الوفي، وابن الجار الوسيم.
في يوم الحب هذا، كان كلُّ شئ في العراق المحتل غائبًا ولا سيَّما الحبُّ.
فإلى نساء العراق الماجدات الأبيَّات، إلى شقيقاتنا رمز العفَّة والنبل والطهارة، إلى أمَّهاتنا الوفيَّات، وإلى زوجاتنا وحبيباتنا، إلى جاراتنا ورفيقاتنا، إلى واحة قلوبنا وضمائرنا المتيَّمة بعشق الوطن الأجمل، وطن مغامرات العقل والجمال والحبِّ الأولى.
إلى واحة الناصريَّة، الواحة الأعذب بين كلِّ واحات الكون.
إلى يقين السعادة ومعانيها الكبيرة.
إلى أسيراتنا اللواتي غدون رمزًا لكفاح شعبنا الصابر المجاهد.
لكنَّ منَّا كلُّ عهود الحب والوفاء.
لكنَّ منَّا عهد على حفظ وصون كرامتكنَّ وكرامة الوطن.
لكنَّ منَّا عهد على ألاَّ نحتفل بعيد الحبِّ قبل تحرير أرضنا.
وعهدٌ على أن يكون يوم اندحار المحتلِّين وأعوانهم عيد حبِّنا الأزلي لوجوهكنَّ العذبة.
نعاهدكن ونقف لكنَّ احترامًا وإجلالاً.