في معرض تصريحات أدلى بها إلى صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانيَّة يوم أمس، قدَّم مجرم الحرب، وزير الخارجيَّة الأمريكيَّة السابق كولن باول، كعادته وعادة الساسة الأمريكان، جملة من التصريحات المتناقضة والشاذَّة. مجرم الحربين النفطيَّتين البشعتين، عرض في مقابلته حنكته السياسيَّة بتقديمه النصائح التحذيريَّة لسيِّده، وعدَّد رصيد الإنجازات المخجلة للاحتلال الأمريكي البشع للعراق.
ولعلَّ أكثر ما في هذه التصريحات صفاقة إبداء باول أسفه لتقدميه عرضًا في مجلس الأمن "مبنيًّا على استخبارات كاذبة".
الصفاقة لا تكمن في اعتذاره على تقديم أكاذيب قادت إلى شنِّ حرب غير قانونيَّة وغير أخلاقيَّة، بل لقلقه لأنَّ التاريخ سيدون كونه الشخص الذي قدَّم ذلك الشرح المغالط والكاذب!
لم يأسف كولن باول على تقديم معلومات كاذبة قادت إلى استباحة دولة كاملة العضويَّة في الأمم المتَّحدة بشكل لا مسوِّغ له، وأدَّت إلى قتل مئات الآلاف من الأبرياء، وتشريد الملايين من السكَّان، وإنتزاع أمنهم واستقرارهم، وإلى تهديم مدن مأهولة بالسكَّان، وانتهاك الأعراض واختزال تاريخ شعب من أعرق شعوب الدنيا، وحرق نفائس تاريخيَّة، ونهب متاحف غنيَّة بمحتوياتها وكنوزها، وإجهاض آمال شعب وقتل العقول العراقيَّة المبدعة وتصفيتها وتشريدها.
لم يأسف كولن باول لأنَّ احتلال دولته العدوانيَّة والاستعماريَّة قد أدَّى إلى تأسيس ممارسات سياسيَّة شاذَّة لم يألفها شعب العراق، وتسليم إدارة العراق إلى سماسرة دوليِّين، ولصوص في أدنى درجات الانحطاط الخلقي والوطني، وادت إلى رهن سلامة شعبه في أيادي ميليشيات طائفيَّة وعصابات عرقيَّة. لم يأسف لأنَّ ممارسات إدارته الخرقاء قد خلقت مناخًا ملائمًا لسيطرة أكثر الفئات الاجتماعية والسياسية تخلُّفًا على صناعة القرار السياسي والاجتماعي، بشكل يقود إلى دفع شعب العراق قسرًا إلى بؤر الظلام والتخلُّف!
لم يأسف كولن باول لأنَّ الاحتلال البشع الذي ساهم في التخطيط له وتنفيذه قد جعل من العراق ساحة لنشاط الحركات الإرهابيَّة التي خلقتها وموَّلتها واشنطن!!!. وما تزال، وحقلا لاختبار فعاليَّة فرق القتل والموت والدمار وأدائها!
كولن باول الذي سبق للفنَّان الأمريكي المبدع ديلا فونتي أن وصف تصرُّفاته بـ: "العبد في بيت سيِّده" لم يأسف لِما ألحقه بشعب العراق من كوارث إنسانيَّة، بل لأنَّ العالم سوف يتذكَّره على أنَّه الشخص الذي قدَّم تلك المعلومات الكاذبة. فيا لها من صفاقة!
ما أزال أذكر تفاصيل ذلك العرض الباهت والمزيَّف، إذ يومها كانت هيئة التلفزة الكنديَّة قد استضافتني وأستاذ قانون آخر في جامعة أوتاوا لمشاهدة عرض باول وإبداء الرأي فيه. ذكرت حينئذ: "أنَّ كلَّ ما سمعناه اليوم مجرَّد أكاذيب رخيصة وافتراءات هشَّة، ومعلومات استخباريَّة مفبركة من الدرجة العاشرة.
محاولة باول الرخيصة هذه، لن تنطلي على شعب العراق وعلى الأسرة الدوليَّة. فمحاولته التنصُّل من مسؤوليَّة هدر دماء أبناء الشعب العراقي، وإلقاء تبعات ذلك الدم النقي الطاهر على أخطاء معلوماتيَّة واستخباريَّة كاذبة، أو إرجاعها إلى أخطاء في تفسير المعلومات وتقديمها، تبقى محاولة رخيصة ومرفوضة.
أراني مضطرًّا هنا لأوَّل مرَّة أن أعطي لنفسي حقَّ شرف الدفاع عن دماء أبناء العراق وحقوقهم المهدورة. أقولها إلى كولن باول بملء الفم، اعتذارك الصفيق غير مقبول، مؤكِّدًا لك أن شعب العراق وقواه السياسيَّة الوطنيَّة ستقاضيكم أنت وكافَّة المجرمين الذين أهدروا دماء شعب العراق، ودمَّروا بنيته التحتيَّة ونسيجه الاجتماعي من خلال شنِّ حربين بشعتين غير قانونيَّتن على شعبه المسالم، ومن خلال فرض حصار اقتصادي جائر. وسوف يسعون جاهدين إلى تقديمك وأركان الإدارتين اللتين خدمت في تنفيذ مشاريعها الاستعماريَّة إلى القضاء الدولي، وليس لدينا شكٌّ في أنَّكم ستنالون قصاص ارتكابكم جرائمكم البغيضة.
تاريخ الشعوب لا تصنعه عصابات القتل والإجرام، ولن تلغيه أكاذيب تجَّار الحروب.
- آخر تحديث :




التعليقات