سمية درويش من غزة: يتزاحم العديد من أهالي مخيمات قطاع غزة للبحث عن مترا أو أكثر بقليل ، تحت جدران العيادات والمساجد أو على ناصية الطرقات العامة ، ليحظى بعضهم بهذه البقعة من المكان ، ويفوز بمكان يضع فيه شئ يشبه الكرسي ليجلس جوار لوحا خشبيا أو قطعة قماش صانعا بذلك بسطة ينثر عليها أشياءه البسيطة ، في محاولة لقتل الفقر الذي أغرقهم به الاحتلال منذ سنوات طويلة.
خميس السيد لم يتمالك أعصابه عندما قضى يومه الطويل ولم يعد في جعبته إلا بضعة شواكل رزق بها بعد عناء مرير ، حيث اخذ يلملم بضاعته المنثورة على قارعة الطريق ، أمام المحلات قائلا بصوت مخنوق ، " كنت اعمل في إسرائيل باجرة يومية لا تقل عن 200 شيكل ،وها أنا اليوم لا يزيد ربحي طوال اليوم عن 5 شواقل ، متسائلا هل يشتري بها عشاء لأطفاله، أم يوفرها لدفع أجرة بسطته، خاصة وان الشهر قارب على الانتهاء ، وعليه دفع 100 شيكل لصاحب المحل كأجرة المساحة التي يضع بها بستطه ؟ .
ولم يكن حال المواطن خميس أفضل من وضع أغلبية أهالي القطاع ، الذين لم يجد أمامهم سوى افتراش بعض البسطات ، وبيع البضائع الخفيفة في الشوارع وعلى أبواب المؤسسات ، مما سبب إزعاجا وقلق لأصحاب المحلات التجارية، سيما وان غالبية الزبائن يتجهون نحو البسطات لرخص مبيعاتها .


النشاط الاقتصادي


ويعاني أكثر من ثلث الشعب الفلسطيني من الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتي ظهرت جليا في سنوات الانتفاضة الأخيرة ، حيث يمكن إدراج ما يزيد عن 40 % منهم تحت خط الفقر .
من جانبه قال د. سامي أبو ظريفة الخبير الاقتصادي، ان المواطنين لاسيما الطبقة الفقيرة والعاطلين عن العمل بادروا للبحث عن فرص عمل ووجدوا ضالتهم في إقامة البسطات ، مضيفا ان مجمل النشاط الاقتصادي تراجع والخيارات والبدائل أصبحت معدومة أمام القطاعين العام والخاص في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي مشيرا إلى ان ظاهرة البسطات العشوائية باتت تؤرق وتزعج أصحاب المحلات التجارية الذين يدفعون أجور محلاتهم ورسوم الترخيص .
وتؤكد البلديات والجهات المختصة بالإشراف على الأسواق والمحلات التجارية ، بأنه بات من الصعب إيجاد حلول سريعة وشافية لظاهرة البسطات كون البدائل غير متاحة في الوقت الحالي.


الجمعيات الخيرية

مخيم رفح في جنوب القطاع صاحب الحظ الأوفر من هذه المعاناة حيث هيمنت على أهله البطالة وبدأت الحياة تضيق الخناق حولهم عام تلو أخر، ويقول هنا أبو محمد حسنين 45 عاما صاحب بسطة على باب إحدى عيادات الصحة ، بان وضعه الاقتصادي تدهور بعد انقطاعه ، ومنعه من الالتحاق بعمله داخل الخط الأخضر.
وأضاف أبو حسنين لـ"إيلاف"، بأنه بات ينتظر بين الحين والأخر ،المساعدات والمعونات التموينية التي توزعها المؤسسات والجمعيات الخيرية.
ولقد عاش أبو حسنين مع هذه المتاهة فترة تقارب العامين إلى ان خطر بباله وأسعفه تفكيره وسط حالة من التردد والخجل ، بان يفترش بسطة سكاكر وحلوى لبيعها للأطفال ، خاصة وان هذا المكان يعج بهم ، ويمكن من خلاله توفير مصدر رزق.


بائع البالونات


الحاج محمود فرحات احد مراجعين هذه العيادة يتكأ على عكازه ، مستظلا بقطعة من الورق لا تكاد تغطي جبينه ، بعد ان اجبره مرض السكر ان يعتاد هذه العيادة على الدوام ، وأصبح بذلك صديقا لمعظم هؤلاء الباعة ، فيأتي شبه يوميا ويجالسهم قائلا ، من هذا المكان تعرفت على معظم أهالي المخيم.
ويضيف فرحات مع شئ من الابتسامة " شر البلية ما يضحك " على حد تعبيره ، في وصفه لحال الشاب سمير بائع البالونات حين لم يتمكن من بيع ما بجعبته من هذه البالونات ، مما اضطر لنفخ بعضها ويعلقها على الجدار لعل منظرها يكون مغريا ويجذب الأطفال .
ويشير العجوز مع اتساع بقعة ابتسامته، لكن للأسف بعد قليل من الوقت لم تصمد هذه البالونات في وجه الشمس حتى انفجرت معظمها وقام سمير وسط حالة من اللامبالاة بإهداء المتبقي من هذه البالونات لبعض الأطفال القادمين الى العيادة .