نظرت محدثتي إلى هاتفي المحمول وقالت بدهشة: ما الذي حصل لهاتفك؟ أجبت بأنه وقع مرتين لهذا فإن شاشته مكسورة. ولماذا لا تصلحينه؟ قالت بتأفف. تصليحه يكلف خمسين درهماً ولم أقبض معاشي حتى الآن.

عند ذهابنا للسوق، كان الجو حاراً. أرادت تشغيل المكيف في السيارة، وبدلاً من نسيم الهواء البارد، صفعتها موجات من الهواء الساخن فاستشاظت غضباً، زعلاً على ماكياجها بالطبع، وصرخت: ما بال (مكيفك) أيضاً؟ يحتاج لغاز، قلت بنفاذ صبر، ولم لا تعبأين له الغاز؟ يكلف خمسين درهماً. خمسون درهماً فقط، رددت كالببغاء وهي تتأمل أظافرها المطلية باللون الوردي. إذن إفعلي قريباً وإلا لن أرافقك بعد اليوم إلى أي مكان بدون تكييف. قالتها بحزم. علي الانتظار حتى أقبض معاشي، أم أنك نسيت موضوع الهاتف المحمول الذي يحتاج خمسين درهماً أيضاً لإصلاح شاشته المكسورة؟

بدا لها أن الموقف مضحكُ أكثر من مشاهدة فيلم كوميدي رخيص، لأنها انفجرت بالضحك الهستيري الذي استرعى انتباه سائقي السيارات الاخرى. ما قصة الخمسون درهماً معك يا فتاة؟ كل شيء يتعطل عندك يحتاج لخمسين درهماً. ماذا هنالك أيضا؟ التلفاز، أو ربما الغسالة، أو لنقل البراد. ربما حارس البوابة يريد منك خمسين درهماً أجرة غسل سيارتك ورمي الزبالة عنك، أو البقالة أو اللحام أو أحد اصدقائك الذي أقرضك خمسين درهماً منذ خمسين يوماً ولم ترجعيها إليه حتى الآن. وانفجرت بالضحك ثانية كأنها قنبلة موقوتة، لم يكن ينقصها سوى خمسون درهماً لتنفجر. لو كنت مكانك يا عزيزتي، قالت بعد أن استعادت أنفاسها وأصلحت ما أفسدته هستيرية ضحكها، لو كنت مكانك لما انتظرت خمسين لحظة ليحصل معي كل هذا. لم لا تستخدمين بطاقة الإئتمان، أو تطلبين سلفة على المعاش؟ أما زال ذلك المعاش البائس الذي تتقاضينه منذ العام ونصف أو زاد خمسين فلساً؟ وعادت للضحك مجدداً.

لم أعلق على كلامها لكنني أحسست بوجع شديد في رأس معدتي، وصراخاً وضجيجاً يعلو في رأسي، وكانت رجلي تتحركان بدون وعي فكدت أصطدم بالسيارة أمامي. عندها كان لا بد لها من التعليق مجدداً، ما بالك؟ أنت تعرضيننا للخطر. إذا اصطدمنا بأي أحد الآن، لن تحتاجي إلى خمسين درهماً فقط، بل أضعاف الخمسين درهم لعلاجنا... وكم برأيك يحتاج أهل العراق من أضعاف الخمسين درهماً لتداوي مآسيهم وأحزانهم، لتعيد بناء بيوتهم ومحالهم، لتعوَض لوعة فقدان الأهل والاحبة؟ كم من الخمسين هذه نحتاج نحن العرب لشراء حبوب المنوم لنستطيع أن نخلد للنوم ليلاً بدون أن يحاسبنا ضميرنا على وقوفنا عاجزين عن ردع ما حصل ويحصل في أرض العراق؟ ... أتعلمين شيئاً؟ أتمنى لو كان معي الآن خمسون درهماً، لأعطيتك إياها لتترجلي من سيارتي وتركبي سيارة أجرة.

سكتتُ، وهي أيضاً ظلت صامتة هذه المرة دون تعليق. كنا نفكر باتجاهين مختلفين وتعابير وجوه متباينة. أنا افكر بخمسين عاماً وأكثر مرت على خيبة أوطاني العربية، وهي تفكر ب.... لا أعلم.

[email protected]