قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

وزارة الداخلية الألمانية أصدرت قراراً غريباً تحظر بموجبه عمل ونشاط الفضائية الكردية Roj tv على الأراضي الألمانية. القرار جاء قبل مباراة كرة القدم بين فريقي تركيا وألمانيا في إطار نهائيات كأس الأمم الأوروبية، وإستند ـ مثل كل القرارات السابقة حيال المؤسسات والجمعيات الكردية ـ إلى صلة مزعومة تربط الفضائية بحزب العمال الكردستاني، الذي هو حزب quot;إرهابي شريرquot; بالمقاييس الأوروبية والألمانية( هذا رغم ان ديوان العدالة الأوروبي وجد هذا التوصيف ظالماً ولايسير على الكردستاني). وزير الداخلية الألماني فولفغانغ شويسله( الإتحاد الديمقراطي المسيحي) لم يكتف بهذا القرار، بل طالب مملكة الدنمارك ـ التي تحتضن بث Roj tv ـ بالعمل على سحب الترخيص بناءً على القرار المصالحي الألماني البيّن.

إعتادت برلين و حكوماتها المتعاقبة على لعبة القط والفأر مع الأكراد( مايقارب المليون مقيم) ومؤسساتهم الإعلامية والثقافية في ألمانيا. فلا يكاد يمر عام إلا وتداهم الشرطة الألمانية مقار الجمعيات الكردية وتعتقل العشرات من أعضائها بتهمة quot;الإنتماء لحزب العمال الكردستانيquot;. بينما لايزال التقليد القديم معمول به حتى الآن: وجود سياسي/مسؤول كردي في السجون الألمانية بتهمة quot;التنسيق لعمل حزب العمال الكردستاني على الساحة الألمانيةquot;. والشخص الموجود لهذه الفترة هو السياسي الكردي مظفر آياتا الذي حٌكم عليه بالسجن لثلاثة اعوام بسبب متابعته لquot;نشاط الحزب السياسي والمالي على الأراضي الألمانيةquot;. وآياتا سبق وأن سٌجن لمدة عشرين عاماً في تركيا على خلفية نشاطاته المطالبة بحقوق الشعب الكردي في كردستان الشمالية.

اللعبة الألمانية مع الأكراد مكشوفة. هي لخاطر الدولة التركية وتجيء تلبية لضغوطات منها، لتوصيل الرسالة الآتيةquot; إن برلين جادة في منع مظاهر عمل ونشاط العمال الكردستاني على أراضيهاquot;. هي إذن لعبة سياسية في المقام الأول ولاتستند على القانون. والدليل على ذلك إنتصار الجانب الكردي في أغلب المعارك القضائية التي خاضها مع الحكومة الألمانية. وإليكم المثال الآتي: قبل ثلاثة أعوام من الآن أصدر وزير الداخلية الألماني أوتو شيلي( من الحزب الإشتراكي الديمقراطي) قراراً بإغلاق صحيفة (أوزغور بوليتيكا) التي تصدر باللغتين الكردية والتركية في فرانكفورت وذلك بالتهمة إياهاquot; الإنتماء إلى حزب العمال الكردستانيquot;، ولكن إدارة الصحيفة طعنت في القرار أمام المحاكم الألمانية المختصة، حيث حكمت إحدى هذه المحاكم لصالح الصحيفة ووجدت في إجراءات المداهمة والإغلاقquot; قراراً لاقانونياً ينبغي إلغاؤهquot;، وهو الأمر الذي أدى إلى إعادة إصدار الصحيفة، رغماً عن أنف السيد شيلي، الذي كان في يوم من الأيام ـ وياللمفارقة والسخرية ـ محامياً لحزب العمال الكردستاني. وثمة صورة له وهو في إحدى تظاهرات الحزب بينما ترفرف فوق رأسه أعلام الكردستاني!!.

الإتهام الألماني ضد Roj tv ذكر بإن هذه القناة quot;تبث مواداً تحط من قدر الشعوب وتخلق حالة من الكراهية والبغضاء بينهاquot;. وهو الأمر الذي ينافي الواقع والحقيقة، ويشهد على بهتانه وquot;فبركتهquot; مئات المثقفين الكرد والعرب والترك والسريان من الذين ظهروا على شاشة هذه القناة وتحدثوا طويلاً عن مظلوميات الشعوب وضرورة توحيد كلمة المضطهدين في وجه الطغيان والأنظمة التسلطية والنظام الدولي المصالحي الذي يساندها.

ولايعرف المرء من اين جاءت الوزارة الألمانية بهذا الإتهام الظالم. ففضائية Roj tv وبشهادة المئات من المثقفين الكرد والعرب والأجانب الذين وقعّوا على حملات المساندة والتضامن معها( التي مازالت مستمرة)، هي منبر ليبرالي، ديمقراطي، يهدف لبث ثقافة السلام والحرية وإخوة الشعوب ونبذ البغضاء والعنصرية( الكردية والعربية والتركية) والوقوف بالضد من الخطاب التحريضي الديني ومنظمات الإرهاب الإسلامي. ولو كانت وزارة الداخلية الألمانية جادة في محاربة المنابر التي تحث على البغضاء والعنصرية، لعمدت، مثلاً، إلى منع دخول صحيفة (حرييت) التركية التي تحمل على صدر صفحتها الأولى يومياً، شعاراً عنصرياً بغيضاً هو quot; تركيا للأتراك فقطquot;.

لكن للمصالح الإقتصادية والتجارية مع تركيا رأياً آخراً...

عندما فاز يورك هايدر رئيس (حزب الحرية) في النمسا وحصل حزبه على نسبة 27% من الناخبين خلال إنتخابات تشرين الأول 1999، ليتحول إلى القوة الثانية في البلاد مشكلاً حكومة إئتلافية في شباط عام 2000 جن جنون الدول الأوروبية، وأصرت على مقاطعة النمسا وتجميد عضويتها في الإتحاد مالم يٌطرد هايدر من الحكم. وتم ذلك وخرج هادير وحزبه من الحكم( طروحات هايدر هي قطعاً غير مقبولة)، لكن رغم إن الدستور التركي يقوم على وجود عرق وشعب واحد في دولة تركيا ويؤكد على الثالوث الأتاتوري العنصري ذاك( وطن واحد ، شعب واحد، لغة واحدة) ناسفاً هوية ووجود 18 مليون كردي، إلا إن أوروبا الرسمية صامتة وكأنها لاترى عنصرية هذه الدولة التي تجاهد في حجز مقعد لها في النادي الأوروبي الديمقراطي. والسؤال هنا: لماذا لاتطالب أوروبا تركيا بالإعتراف الدستوري بالشعب الكردي والأقليات العربية واللازية والسرياينة والأرمنية في البلاد، وإقرار حدوث إبادة الشعب الأرمني، وإلا فإن الطرد سيكون الرد؟.

قرار وزارة الداخلية الألمانية بحظر نشاط وعمل Roj tv سوف يٌشجع تركيا وحكومتها على ابداء المزيد من التعنت والإصرار على سياسة اللاحل والحرب والحسم العسكري. لكن هل كان هذا القرار هدية لحزب العدالة والتنمية المنهمك في حرب صامتة مع الجيش والقوى العلمانية في البلاد الآن، لكي يعده كإنجاز حققه وإنتصار دبلوماسي في حربه ضد الكرد وحركتهم السياسية؟.

إدارة Roj tv طعنت في القرار امام المحاكم الألمانية والأرجح ان الحكم سيكون لصالحها وستعود الفضائية للعمل والبث وإعداد البرامج من إستوديوهاتها في المانيا بقوة العدالة والقانون، كما عادت صحيفة ( أوزغور بولوتيكا) للصدور. لكن قرار الحظر سيكون لطخة أخرى في ثوب الديمقراطية الألمانية الأبيض، وفضحاً للسياسة الإزدواجية التي تحكم عمل الحكومة الألمانية، وحيال الأكراد دائماً...

لكن إذا كانت برلين الرسمية تخطط وفقاً للمصالح، فإن برلين المعارضة كان لها موقف مشرف. فقد نشر العديد من النواب اليساريين الألمان، بينهم النائب المخضرم أوسكار لافونتين، مذكرة يدعون فيها الحكومة الألمانية إلى الضغط على تركيا من اجل حل القضية الكردية والتوقف عن بيع الأسلحة لأنقرة، وإخراج إسم حزب العمال الكردستاني من لائحة quot;المنظمات الإرهابيةquot; والتحاور بشكل أكثر فاعلية مع نواب حزب المجتمع الديمقراطي.

مآل القول إن السياسة الألمانية حيال الأكراد ومؤسساتهم ومصالحهم على الأراضي الألماينة غير منصفة. وقد جعلت برلين من نفسها طرفاً في الصراع الكردي مع الدولة التركية، وهو الأمر الذي لايخدم مصالحها ولايخدم خطط ومشاريع السلام والحل الديمقراطي للقضية الكردية في تركيا، كما يٌطعن في السلم الأهلي في ألمانيا، التي تحتضن بضع ملايين من الأتراك والأكراد شديدي الولع بالسياسة وتطوراتها هناك....في الشرق الأوسط.

طارق حمو
[email protected]