عمان: بعد فترة جفاء فاقت نحو 10 سنوات بين الفنان هشام يانس وعدد كبير من زملائه امتدت الى نقابة الفنانين نتيجة ما اعتبر مواقف سلبية اقترفها آنذاك، يشارك للمرة الأولى مجموعة منهم في المسلسل الرمضاني “نقطة وسطر جديد” ويجسد من خلال لوحاته المتنوعة أدواراً ليست من تأليفه واخراجه وانتاجه كما اعتاد في أعماله.
من نقطة مدى عودة “المياه الى مجراها” انطلق حوارنا مع “يانس” ليتجه الى مفترق طرق حمل جملة من التباينات أبرزها اعتبار نفسه فنان الأردن الأول، واصفاً سواه بأنهم اعتراهم الصدأ، فيما اعترف في الوقت ذاته بأن مشاركته الأخيرة حجمت عطاءه في اطار “الكومبارس” مشدداً على عدم تكرار تجربة شبيهة مجدداً!
ازدواجية سعيه للظهور والاستفادة من امتيازات البروز حين أصبح ممثلاً ارتبطت بموقف شخصي مع دحضه في المقابل تطلعه للشهرة والمكاسب المادية! والاختلاف بين ما أطلق عليه نظرته الجماعية للانجاز عن اصراره في الجانب المغاير قيادة الكتابة والبطولة والاخراج والانتاج عند التنفيذ الميداني! وتفاوت تطلعه لتولي اتحاد منفصل للكوميديا بعيداً عما اعتبره نزعات واختلافات ذاتية مع رفضه التام المصالحة مع توأمه الفني السابق نبيل صوالحة!.. اجابات وغيرها شكلت أشبه بوجهين لعملة واحدة على النحو التالي:
إلى أي مدى ستسهم تلك الخطوة في ردم الهوة العميقة بينك وبين كثير من زملائك حتى امتدت الى نقابة الفنانين ازاء ما اعتبر مواقف سلبية بدرت منك سابقاً؟
ما يهمني اضافة قيمة جديدة لرصيدي الفني وهذا لم يحدث للأسف في مسلسل “نقطة وسطر جديد” فبعدما جاءني المنتج طلال عواملة مناشداً المساهمة في مجهود جماعي وحفزني المخرج أحمد دعيبس للانضمام الى فريق العمل المرتكز على عدة لوحات منفصلة في كل حلقة مؤكدين انني البطل الرئيسي تفاجأت عقب انتهاء صورته النهائية بتقليص المشاهد التي أديتها في مساحة ضيقة جداً ما حجم دوري بل حولني من نجم الى “كومبارس”، ومن هنا أجزم بعدم تكراري التجربة مرة أخري.
أما حالة الجفاء فلا أجد لها مبرراً منطقياً سوى دوافع شخصية من فئات ترغب في الهيمنة على الفن وترفض النجاحات خارج محيطها!
وأين المعطيات الشخصية في ردة الفعل على تلبيتك دعوة رسمية من المحتلين في الأراضي الفلسطينية وسعادتك لتفاعل جمهور من المستوطنين حسب ما ذكرته وكالة أنباء أجنبية؟
قدمت عروضاً مسرحية بمبادرة ذاتية وليست تجاوباً مع دعوة من جهة ما وذلك في قريتي في فلسطين بحضور أبنائها وطرحت من خلالها واقع الانتفاضة.. وبعيداً عن “المزايدات” و”اللاءات” الرنانة التي نعلنها بصوت عال فيما لا نطبق في مواقفنا الخفية أدنى درجاتها، اعترف بأنني انسقت وراء اتفاق السلام بوصفه عادلاً وتحركت ضمن نطاقه من غير انجراف او اخلال او مقاصد دونية كما نعتني كثيرون.
وفي الجزء الثاني ليس صحيحاً إبداء سعادتي بالجمهور “الاسرائيلي” فموقفي ثابت وواضح بأن حصولي على معجبين منهم دليل على ارتقاء “انسانيتهم” وهذا لم ولن يتحقق. وللعلم فإن الهوة العميقة مع النقابة ترجع الى عام 1993 أي قبل سنة من بدء عروضي في الداخل وسببها آرائي الصريحة حين قلت امام المنتسبين ان الفنانين الأردنيين تجمدوا (في ظل صمت ما كان يطلق عليها آنذاك رابطتهم) بعدما سادت أجواء من التقيد فلا منافسة ولا عمل ولا انتشار.
ألم يطلك ما وصفته ب “الصدأ”؟
كنت ذكياً وقارئاً واعياً للساحة فاتجهت الى جمهوري الشعبي داخل الأردن بترسيخ المسرح الكوميدي “السياسي الاجتماعي” وفق نهج جديد أزعم انني صاحبه اعتمد نقل الأبطال الحقيقيين على الخشبة بتجسيد شخصيات كبار المسؤولين والزعماء من غير مداراة او تلطيف لأعلق الجرس في هذا الاتجاه منذ قدته عام 1990 ولمست بناء عليه التفاف المتلقين من الطبقات المتفاوتة لأحصد اعجابهم وإشادتهم بعدما صرت الناطق بلسان حالهم حتى أصبحت بكل ثقة فنان الأردن الأول موازياً تماماً عادل امام في مصر ودريد لحام في سوريا.
الى ماذا استندت لتعتقد انك في المقدمة أردنياً؟ وأية مقارنة تشير إليها عربياً فيما بدأ حضورك “تمثيلياً” مطلع التسعينات فقط؟
اعطني اسماً متميزاً يوازيني على الساحة لدينا.. اما بالنسبة لخبرتي التمثيلية فأعتقد ان فيصلها القيمة وليس الكم ولا أنكر ان ما قادني للظهور رغبة فضولية كشفت عن موهبة دفينة واكبت موقفاً اثارني، فبعدما أسهمت في بروز فنانين على مستوى الوطن العربي من خلال 76 عملاً من كتاباتي وتأليفي ترك مضمونها بصمة من بينها المسلسل التاريخي “نورالدين زنكي” بمشاركة عبدالله وحمدي غيث وليلى فوزي، والمسلسل البدوي بأجزائه الثلاثة “جواهر” الذي ضم نخبة من سوريا والأردن والخليج، الى جانب “خالد بن الوليد” و”الكنز” و”المناهل” وغيرها التي عرضت على قنوات تلفزيونية عديدة أبرزها أبوظبي ودبي وقطر والسعودية، حز في نفسي كثيراً ما تعرضت له حين ذهبت لدفع فاتورة الكهرباء، إذ لم يستجب الموظف لاستعجالي نظير ارتباطي بأمر طارئ وصرخ في وجهي بوجوب اصطفافي في طابور طويل غير مكترث لرجائي. وبعد ظهوري في مشاهد قليلة من خلال مسلسل عابر في أواخر الثمانينات صار الجميع يرحبون بي ويقدرونني ويتسابقون لإنهاء إجراءات معاملاتي بيسر وسهولة.
بصراحة ذلك استوقفني كثيراً فراجعت أوراقي لأوقن ان لا أحد يعرف الكاتب مهما كان مجتهداً فيما يكفي ان يؤدي أحدهم دوراً هامشياً على الشاشة ليحصد الغلة وحده، ومن قوتها قررت ان أجرب تمثيل ما أكتبه عبر المسرح.
إذا كانت “فاتورة كهرباء” جعلتك ممثلاً، فهل انفضاض المخرجين من حولك قادك لاقتحام تخصص غير ملم بتفاصيله؟!
وجعلتني كذلك منتجاً! والسبب انني لا أطيق تحويلي الى قطعة ديكور او دمية يحركها دعاة الفهم الضارب في الجذور وفق نزعاتهم!
لكنك تعزز عبر مبررك نزعة فردية فيما العمل الفني جماعي تكاملي..
(مقاطعاً): صاحب المال لدينا جبان لا يريد الاستثمار في الفن ويبخل في الدعم فيما يفرض عليك القبول بأقل مما تستحق بكثير فنياً ومادياً وشخصياً. أعلم ان غالبيتهم يكرهون التعامل معي من منطلق عدم رضائي عن تقييمهم للأمور.
أما الاخراج على الخشبة فليس عقدة واكتسبته بعد متابعة ومراقبة فيما مضى لأتخلص من عنجهية وتغليب الأنا لدى 90% من مخرجينا الذين لا يعرفون كيفية صناعة النجم والتعامل معه وايصاله لمراحل متقدمة، بل المعضلة تعمدهم التعتيم على من يغضبون منه، ومع ذلك ثمة مؤهلون تجانست مع أفكارهم وأسلوبهم بحيوية سواء كمؤلف مثل المبدع نجدت انزور ومحمد عزيزية وكممثل مع محمد العوالي في “نجاتي ومراته”.
اجمع عدد من النقاد على ان مسرحيتك الأخيرة “اكوي” غير مترابطة الأحداث وفقدت الاستخدام الأمثل للتقنية واقتربت من حوارات المشهد التلفزيوني بعيداً عن أصول الخشبة، فما قولك؟
الإعلام هنا لم يدعمني أبداً وطالما حاربني فيما لا نملك غالباً أقلاماً نقدية بناءة ترتكز على الدراسة والتحليل حيث العلاقات والأهواء الفردية لذلك لا أجد تعليقاً مناسباً للرد عليهم سوى العودة لآراء وإقبال الجمهور للمفاضلة.
أليس توقف عروضك مبكراً في الصيف مؤشراً لمحدودية تفاعلهم وتواصلهم حضوراً؟
ليس صحيحاً انما رأيت بعد تقديم المسرحية لمدة عام الاستعداد لأخرى جديدة آثرنا كفرقة إجراء بروفاتها آنياً تحمل عنوان “الارهاب” يشاركني بطولتها الفنانون أمل الدباس ورانيا اسماعيل وبكر الحراسيس وغيرهم، نتناول في فصولها كل ما ينطوي تحت ذلك العنوان من منعطفات قتل الأبرياء وقمع الأفكار المضيئة وطمس المرأة اضافة الى رداءة بعض المراكز الصحية واحباط الرياضيين.
ماذا عن التوجيهات التي تسيرك؟
لا أحد يتدخل في أعمالي لا من قريب ولا بعيد ولم أستجب لأي مطالب او رؤى مرغماً ولأوضح في هذا السياق معاناتي من بعض المضايقات مصدرها ليس من أقلدهم من الزعماء والمسؤولين الذين يشجعونني عادة انما العلة في محيطهم من أصحاب المصالح بحجة حرصهم على اظهار رؤسائهم في رتبة عالية ويكفيني اني نجحت في رفع الرقابة عن النص المسرحي لدينا حيث صدرت تعليمات عليا بهذا المدلول عقب عرضي “برلمان وميزانية” عام 1993.. وأشير هنا الى مشروع أحاول انجازه لتأسيس اتحاد للفن الكوميدي يحقق استقلالاً لاعضائه ويحتوي اهتماماتهم وطموحاتهم بعيداً عن عمومية دور الرقابة.
من حصلت على تأييدهم أبناء فرقتك الخاصة فقط.
الجهات المعنية طلبت 20 توقيعاً لمنحنا الترخيص ولنترك التقييم وفق النتائج، إذ لن نلفظ الراغبين في الانضمام ولن أتبع شخصياً النزعات الأنانية حفاظاً على وجودي او أخشى تصاعد قدرات غيري.
وبماذا تفسر إذاً قرارك الانفصال فجأة عن أقرب زملائك نبيل صوالحة بعدما شكلتما ثنائياً فنياً ولا سيما ان مهتمين لفتوا الى تخوفك من تفوقه؟
نبيل اساء لي ولن أصالحه او أكرر الثنائي معه فبعد علاقة أقل ما توصف بالزمالة الوثيقة امتدت الى نحو 30 عاماً تكللت بمسرح “هشام ونبيل” منذ خوضي نطاق التمثيل على الخشبة، هاجر لمدة أربع سنوات الى الخارج ما أسهم في تعليق التواصل الفني بيننا وعند عودته فوجئت به ينعتني في لقاء إعلامي باللاجئ وعدم نجاحي من دونه، وعلى الرغم من زيارته بعدها خلال اجرائي احدى البروفات وتقديمه تفسيرات مختلفة لما جاء على لسانه طالباً الرجوع لعهدنا السابق، أبلغته ان طلبه ليس عندي ولن يكون.
بين ايصال رسائل تربوية للناشئة واكتشاف مواهب من خلال كوادره، حقق برنامج “المناهل” الذي كنت كبير كتابه انتشاراً واسعاً عربياً وبعد انقطاع دام نحو 17 عاماً كررت التجربة بصورة ضئيلة عبر “شارع سمسم” مؤخراً.. فلماذا التراجع؟!
كوني حاصلاً على درجة البكالوريوس في التاريخ من القاهرة وباحثاً دؤوباً في هذا المجال اضافة الى عملي في الوسائل التعليمية خليجياً توليت بثقة الى جانب كتّاب آخرين مسؤولية برنامج “المناهل” الذي أرى من المغالطة مقارنته بسواه فجميع ما تلاه لم يوازه أبداً لأن مقتضيات التفوق لازمته، فخصصت ميزانية كبيرة من قسم المعونة الأمريكية لدول الشرق الأوسط آنذاك غطت التكاليف فأحضرنا 23 خبيراً من حملة الدكتوراه او أصحاب التراكمات المجدية ليعكفوا على انجاز 65 حلقة خلال عامين.













التعليقات