كل رمضان وأنتم بألف خير، ربما كانت التهنئة متأخرة أسبوعين أو أكثر، ولكنها بالنسبة لي كانت فترة كافية لرصد وتحليل مجمل ما تلفظه الفضائيات العربية من غث الدراما وساذج البرامج وتافه المقالب. لقد أشرنا مراراً وتكراراً إلى أن للرسالة التي يعرضها التلفزيون آثاراً قد تكون إيجابية إذا تمت عمليات صياغة الرسالة وفق منهج علمي وإعلامي وتربوي صحيح، وأن النتائج قد تكون مدمرة عندما يعبث بالرسالة الإعلامية المهرجون وتجار "السكراب" والمدمرون الحاذقون.
سنة 1958 قدم العالم سيجل (Siegel) الومضة الأولى لما عرف فيما بعد بنظرية الغرس (Cultivation theory)، وتعنى هذه النظرية الإعلامية التي فندها أستاذ الاتصال في جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية "George Gerbner" تعنى بدراسة تأثير برامج التلفزيون على المشاهدين وخاصة الأطفال، مع تأكيد أن كثرة متابعة برامج التلفزة وخاصة الدرامية منها تجعل المشاهد ينظر للحقائق الاجتماعية في ضوء مضمون ما شاهده، وكيف أن وسائل الإعلام وخاصة التلفزيون تؤثر في إدراك المشاهدين وفهمهم للعالم الحقيقي، وأن أغلب معلوماتنا المتصورة عن العالم المحيط بنا يتم استقاؤها من الرسالة القادمة عبر الصورة والصوت واللون والحركة، وأن تماهياً مع الواقع الوهمي المشاهد تلفزيونياً تتم عمليات قولبته في ضمير المتلقي، وتصبح بعض أطره مرجعية لهذا المتلقي الذي يصبح عالمه محدوداً بأبعاد الصورة، وأن المشاهدة للعالم المرسوم في الدراما تؤثر كثيراً في منظومة القيم وربما تهدمها.
لا أعرف ولا يعرف أغلب إن لم نقل كل المشاهدين، مجموعة الأهداف الاجتماعية والسياسية والتربوية والترفيهية التي انطلقت منها محطات التلفزة العربية وخاصة الخليجية الأرضية والفضائية لتقدم لنا وجبة دسمة ثقيلة على الهضم سقيمة على الفهم، عقيمة في الطرح، تستغفل المتلقي وتحيله إلى عوالم الوهم والترفيه السلبي.

لا، لست مبالغاً ولا متصيداً، ولكنها الحقائق التي يجب أن تقال عندما تعز الكلمة وعندما يكون العبث بوجدان هذا المتلقي هو مبتغى الرسالة الإعلامية، وإليكم بعض الشواهد.

قدمت جل الفضائيات العربية مع استثناءات سوف نسردها في حينه، أقول قدمت هذه الفضائيات دراما تضج بعوالم العنف والخيانة والخديعة، وصورة المرأة الخليجية المقهورة والمنسحبة بقوة جر خارقة إلى عوالم الاستسلام وإظهار المسكنة والذلة، باعتبارها تابعاً للرجل، امرأة تحاول أن تقدم صورة مشوهة لحرية المرأة عن طريق الانفلات الأخلاقي والخيانة في عوالم قدمها كتاب ومخرجون لا تخرج عن عوالم الإحساس بالمهانة، وهي تعيدنا ذهنياً لمجموعة من الأعمال الدرامية العربية التي قدمت فيها المرأة باعتبارها تابعاً للرجل. إلى جانب هذا التشويه في بنية المرأة الخليجية قدم البيت الخليجي باعتباره بيئة مترفة باذخة، فكل منزل ظهر في أبسط مسلسل ما هو إلا عبارة عن معرض للأثاث صفت فيه الكراسي والخزانات والثريات والسجاجيد بدون ذوق أو حس فني، وعربدت بين جدرانه الكاميرا مستعرضة الزوايا الموشاة بالذهب وقطع "الكريستال"، وكان المخرج مصراً على تصوير الجانب المادي المقزز من البيت الخليجي. فإلى جانب العلاقات الشاذة والبغيضة كان الأثاث الشاذ والألوان المتنافرة والذوق المنحدر إلى درجة الوحشية في الاختيار والتنسيق، وكأن أهل الخليج وهم في القرن الحادي والعشرين يعيشون بعقلية القرن السابع أو الثامن، وإنجازاتهم ما هي إلا انعكاس للاستغلال الغبي للثروة متمثلاً في "الفيلات" الكبيرة والأثاث والأحجار التي تموت في جنباتها قيم العلاقات الإنسانية، أما علاقات البشر فهي لا زالت في طورها الحيواني المتوحش في عوالم مادية سقيمة.

لقد قدم الإنسان الخليجي من خلال هذه الدراما مشوهاً قزماً بعيداً عن كل فكرة للعطاء والإبداع، وأصرت الدراما الخليجية من جانب آخر وفي عمل كان يمكن أن يربط الماضي بالحاضر من خلال علاقات التجارة مع الهند وغيرها، أقول أصرت هذه الدراما على تقديم أهل الخليج وليس أهل الكويت وحدهم، كنموذج لحالات الفقر، وضنك العيش، وغياب للعلاقات الإنسانية الرائعة التي عرف بها أهلنا في هذا الجزء من العالم، وعلاقاتهم مع أبناء القارة الهندية، والصورة كانت مشوهة إلى حد لا يسمح لنا بالحديث عن مفردات ذلك الخطاب وأهدافه ومراميه، في زمن نحاول أن نقول إن أهل هذه المنطقة من العالم كانت لهم مساهمات في الحضارة الإنسانية، وإن علاقاتهم التجارية كانت علاقات الأنداد.

كم تشعر بالتقزز والاشمئزاز ورائحة عرق "إبط" المهرج الكوميدي تدفعك للتقيؤ بعد وجبة إفطار شهية. هرج ومرج وسخافة ما بعدها سخافة، تم تقديمها باعتبارها قفشات مسلية للترويح عن الصائم، وجاءت كما توقعنا منذ أعوام سطحية ساذجة لا فن فيها ولا رسالة. تهريج ونطنطة قرود في سيرك مفتوح على ساحة استغفال مشاهد جرى تفريغه ليبقى مشدوداً أمام تراقص جرذان التلفزيون في عمل يأسف المرء كيف أن تلفزيون الكويت لا يتحرج من وضع اسمه عليه، وهو التلفزيون الرائد عندما كان تلفزيوناً يحمل رسالة ويعلم الأجيال. ولكن يبدو أن الرسالة برمتها قد جرى انتهاكها لتبقى الساحة مفتوحة لأنصاف المهرجين والموهومين بالفن.

وعذراً نقول ما قدم لم يكن قنابل هو عفن سيدفن في مزبلة الأرشيف، ولا يشذ عن هذا العفن عفن آخر قدم على أساس أنه استعراض (شو) وفيه من الاستهبال ما فيه، ومن اللعب على الذقون والتقليد لفكرة الكاميرا الخفية التي جرى امتهانها عربياً وتسطيحها بواسطة مهرجين من العيار الثقيل. رمضان الدراما أو دراما رمضان لم تخرج عن كونها غصة لذلك الحنين إلى المراكب الخشبية و"الليوان" والأشرعة التي تدفعها ريح الحقد والكراهية والندامة. في مشهد آخر في مسلسل آخر كانت المرأة حاضرة ولكنها امرأة من نار تعيش في دنيا الشتات توزع الوهم والحلم وتبحث عن الرجل. لم يتميز عن هذا المولد المفتوح على وهم الدراما إلا السير حافياً في الطريق إلى كابول. المسلسل رغم كل ما يمكن أن يقال عنه يقدم جرعة واقعية لتوثيق مرحلة مهمة من تاريخ العرب في صراعهم الوجودي. الطريق إلى كابل رحلة في الدراما التوثيقية. على شاشة أخرى يأتي مسلسل يحكي نتفاً من السيرة الهلالية، مسلسل من إنتاج تلفزيون أبوظبي يحاول أن يلسعنا بسياط الماضي فخراً واعتزازاً بعد أن فقدنا كما يبدو كل أمل في المستقبل والعيش فيه كعرب بكرامة، هل هو انسحاب إلى الماضي أم هو قدح في الزناد لإشعال قنديل أمل أم هو سوط لجلد الذات المتعبة من هول ما أصابها من وهن؟

غثاء فضائيات العرب كان بعيداً عن بغداد والفلوجة وبعيداً كل البعد عن غزة والناصرة والصواريخ التي تشق صدور الأبطال في فلسطين.
مسلسلات العرب المغرقة في الوهم نسيت أطفال فلسطين ونسيت غرقى القوارب المطاطية على شواطئ أوروبا، وغرقى السفن الخشبية المحملة ببشر هاربين من جحيم المعارك في الصومال وهم يموتون ويتحولون طعاماً لأسماك القرش في خليج عدن ومياه المحيط.

الدراما العربية كانت بعيدة جداً عن ملايين الجوعى والموتى في "دارفور"، لأن السودان مثل الصومال، مثل غزة، مثل بغداد، مثل الجزائر، ليست دولاً عربية وأهلها ليسوا بعرب وأن بلاد العرب أوطاني وكل العرب إخواني كذبة كذبناها وصدقناها وأثبتت الدراما العربية أنها أحجية.
ليتهم يأخذون مسلسلاتهم ويعيدون لنا رمضان الحب والبهجة، رمضان الأمل.