قرأت في أحد الحوارات مع ماركيز أنه يحسد الروائي الياباني كاواباتا علي روايته الحسناوات النائمات . لقدّ ظلت تلك الرواية تشغل بال ماركيز، وتلّح عليه بأن يكتب رواية لا تقّل قيمةً عنها.
وأخيراً جاءت رواية ماركيز ذكريات عن عاهراتي الحزينات التي ترجمها عن الإسبانية العــــربي المقيم في إسبانيا الدكتور رفعت عطفة.
والروايات والقصص ذات القيمة لا بدّ أن تروي وتقّص لأن فيها ما يمتع، وما يبقــــي في الذاكرة، فلها هيكل عظمي بقفص صدري وعمود فقري وأضلاع هي الأساس في الشكل . قلت : اكتشفته! لقد فعلها، وأقصد قبل أن يتعجّل أحد بتشويه ما أنا ذاهب إليه، أن ماركيز قبل التحدّي مع نفسه وكتب عملاً روائياً موازياً للحسناوات النائمات ...
ليس هنا بيت القصيد كما يقولون، فأنا لا أقارن بين رواية قرأتها مرّات، اقصد الحسناوات النائمات ورواية ماركيز التي قرأت لها عرضاً مطولاً.
بيت القصيد هو الخبر الفاقع الذي يقول بأنه قد تمّ بيع 300000 نسخة ـ وحتي لا يخطئ أحد في قراءة الرقم فإنني أكتبه لغةً : ثلاثمائة ألف نسخة من الطبعة المزوّرة في بلد ماركيز كولومبيا، وقبل أن يدفع الناشر الإسباني بالطبعة المتفّق عليها مع الروائي ماركيز.
اتّهم بعض مصححي الطبعة الإسبانية أنهم سرّبوا نص الرواية للناشر المجهول في كولومبيا، وهم الآن رهن الاعتقال والتحقيق!
300000 نسخة تباع في كولومبيا وحدها وقبل أن توزّع الرواية في البلاد الناطقة بالإسبانية! هذا يعني أن الرواية ستوزّع في طبعتها الأولي ما لايقّل عن مليون نسخة، دعوني أكتب الرقم: 1000000!
لست أفكّر في ثروة ماركيز، ولا أحسده علي المبالغ التي يستحقها، ولكنني أعبّر عن دهشتي من عدد القرّاء بالإسبانية في العالم، في إسبانيا الأوروبية والبلــــــدان الناطقة بالإســـبانية في أمريكا اللاتينية و..عددهم جميعاً لا يزيد علي عدد الناطقين بالعربية، بل ينقص كثيراً.
في بلاد العرب توزّع الرواية 1000 نسخة فقط! يا للفضيحة!..فضيحة من؟!
في بلاد العرب التي تقترب من الثلاثمائة مليون إنسان يطبع من الرواية ألف نسخة، أو ألفان، أو ثلاثة آلاف في أحسن الأحوال...
كم نسخة تطبع من رواية لنجيب محفوظ؟ لحنّا مينة؟ لجبرا؟ لأي واحد من الجيل التالي المتسيّد حالياً في المشهد الروائي العربي؟
فضيحة من هذه؟
هل كان الأمر هكذا في السبعينات؟ لا، لم يكن هكذا. كانت دور النشر البيروتية الأدبية تبدأ من رقم ثلاثة آلاف: دار الآداب، المؤسسة العربية، دار العودة...
هذا السؤال الفضيحة مطروح باستمرار علينا ككتّاب وقرّاء معنيين، بل وكأمّة خاطب الله نبيّها بكلمة إقرأ..إقرأ باسم ربّك الذي خلق...
والقراءة تعلّم الإنسان ما لا يعلم!...
نحن حاليّاً أمة أميّة بكّل معني الكلمة. أميّة قراءة وكتابة، أميّة تكنولوجيّاً، أميّة اقتصادياً، أميّة سياسياً لأن سياسات حياتنا ليست بيدنا، فأولي الأمر ليسوا منّا فهم يحرّكون بالريموتات...
الموسيقي تعرّف بالشعوب، وموسيقانا طبيخ نور، لملمة حتي إن بعض الأولاد والبنات يطبّلون ويزمّرون في ما يفترض أنها أغنية شذرات من موسيقي هندية علي شوية يونانية علي شحطة إسبانية ويتنططون، ويهززن أقفيتهن مع ضحكات وغمزات..فن عولمي عربي ممسوخ هو صورة طبق الأصل للسياسات الرسمية العربية!
عندما سمع الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ أن شريط (لولاكي) وزّع تسعة ملايين نسخة لم يملك سوي أن تساءل ساخراً : ياااااااه..إمتي حتوزع كتبنا الرقم ده؟!
سواء قال نجيب محفوظ هذا أو لم يقله فإننا نتساءل : هل وزّعت أي رواية مــــن روايات نجـــــيب محفوظ مــــزوّرة و..وصحيحة 10000 نسخة في طبعتها الأولي وليس 300000 كرواية ماركيز الجديدة؟!
مصر المحروسة أكثر سكاناً من إسبانيا ومع ذلك فالروائي الذي اعترف به العالم وقدّره وفاز بـ(نوبل) لم يوزّع مليوناً من كل رواياته!
هل الأميّة هي السبب؟ فمن سبب الأميّة في بلاد العرب؟ الأميّة التي تبلغ الثمانين في المائة في بعض الأقطار العربية!
في فنزويلا، وبحسب الحوار الذي أجراه فيصل القاسم للجزيرة مع الرئيس هوغو شافيز تمّ تعليم مليون ونصف المليون مواطن وإنقاذهم من الأميّة، وقريباً سيحتفلون بانتصارهم علي الأميّة!
عادة القراءة كانت متفشيّة في الستينات، وكانت المجلات المصرية، والدوريات، تصل إلي دمشق، وبيروت، وبغداد و..كنت شخصياً بعد العودة من دمشق إلي فلسطين أحصل علي مجلة المسرح الشهرية المصرية بخمسة قروش، وفيها دائماً نص مسرحي مترجم، ودراسات عمّا يعرض في المسرح المصري، والعربي، والعالمي. : الشعر، القصّة، علم النفس، المجلّة، الفنون الشعبية...
كانت هناك دولة تفكّر بالأمة، أقصد قيادة تفكّر من منطلقات قومية، ولذا حملت رسالة وعملت علي تنفيذها، أقصد قيادة جمال عبد الناصر.
حتي يومنا هذا إن شئنا أن نقرأ عن الفن وتوجهنا إلي مكتبة ما فلن نجد سوي ما صدر أيام الدكتور ثروت عكاشة وزير ثقافة مصر الناصرية، الذي اختاره عبد الناصر بنفسه لوزارة الثقافة. كتب ثروت عكاشة في مذكراته أنه سأل جمال عبد الناصر: لماذا تختارني أنا؟ أجابه : كنت أفكر فيك من قبل الثورة، فأنت من يصلح لهذا الموقع!
كيف ستنشأ عادة القراءة بين الناس بدون تعويدهم وتشجيعهم وتيسير إمكانية الحصول علي الكتاب، ومشاهدة الفيلم، والاستمتاع بالفن النظيف؟
من له مصلحة من نظم الحكم العربية في نشر الثقافة، الوعي، التفكير والمساءلة بين أبناء الأجيال الجديدة؟!
لهذا نري كيف يروّج لثقافة التفاهة والابتذال وفضائيات الكباريهات والأغاني الهابطة وسينما المقاولات، بالترافق مع استيراد الأطعمة الفاسدة، وتخريب ونهب الاقتصاد، وترسيخ الإقليمية حتي يسهل امتطاء (الشعوب) العربية.
السؤال المعذّب مطروح بدون جواب عملي شاف: لماذا يموت الكتاب، وتضمحّل عادة القراءة، وما السبيل للخروج من هذه الحالة المزمنة؟
الرقابة العربية معنية بملاحقة الفكرة، المقالة في الصحيفة، الكتاب، الندوة، ولو تستطيع لشطبت (إقرأ) من القرآن الكريم، قبل أن تطلب منها الإدارة الأمريكية ذلك. لو كان ماركيز عربياً لفطس من الجوع وهو يكتب روايات لا يقرأها سوي الأصدقاء، وبقايا قرّاء ينتمون لأزمنة خلت.
متي سيطبع 300000 نسخة من رواية عربية؟ إن حدث هذا فستكون كل نظم الحكم العربية قد انقرضت، سنكون في وطن عربي بلا حدود، ولا رقابات، سنكون قد أنقذنا أنفسنا قبل زمن الأفول، سنكون أمة شعارها: إقرأ..
- آخر تحديث :















التعليقات