ناجية الحصري - يجزم مصدر قضائي لبناني باعتبار عملية اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري «جريمة منظمة»، مما يعني بحسب خبرته «ان كل شيء فيها مدروس حتى المراحل التي يستطيع التحقيق الأمني الوصول اليها ومن ثم تنقطع كل الخيوط».
فالعملية في اعتقاد المصدر، خطط لها بتأن كبير للنيل من شخص الرئيس الحريري بغض النظر عن الاضرار البشرية التي قد تزهق لتحقيق هذا الهدف. لذلك فإن اختيار موقع التفجير لم يكن عبثياً, لقد اختيرت نقطة تقع بين بنايتين في منطقة مفتوحة على البحر، وذلك بهدف حصر الأضرار في شكل أفقي وليس عمودياً. والتفجير، بحسب المصدر، لم يكن ناجماً عن تفجير سيارة مفخخة لأن هذا النوع لا يحدث في العادة حفرة مستديرة كما هو حاصل في تفجير السان جورج (المنطقة التي حصلت فيها عملية اغتيال الحريري). بل ان هذا الشكل من الحفر تحدثه متفجرات مزروعة تحت الأرض، علماً ان الحفرة هي في وسط الشارع وليست على أحد جانبي الطريق.
واذا كان العابرون يومياً للمنطقة يذكرون تماماً ان ثمة اشغالاً كانت جارية في المحلة، والقاطنون فيها يعرفون ان هناك فتحات مجارير وأنواعاً أخرى من البنى التحتية كقساطل المياه وأسلاك الكهرباء فإن المصدر القضائي يقدر، وبحسب خبرة مكثفة في تفجيرات سابقة شهدها لبنان، ان الجاني لا يحتاج الى اكثر من قسطل بلاستيك رفيع لا يزيد طوله على متر أو مترين لوضع المواد المتفجرة داخله ربطاً أو داخل قسطل حديد.
ويعتقد المصدر القضائي بأن الجناة درسوا تحركات الرئيس الحريري بدقة ويعرفون تماماً انه لا يقود السيارة الأولى في موكبه. وان سيارات الموكب مصفحة وهناك أجهزة لموجات التفجير مزودة فيها سيارات الموكب، حتى ان هناك احتمالاً ان يكونوا درسوا السبل التي قد ينتقل عليها الحريري من المجلس النيابي الى منزله أو مكان آخر. وبالتأكيد رصدوا اللحظة الأولى التي انطلق فيها الموكب من ساحة النجمة وصولاً الى منطقة الفينيسيا، وان عملية التفجير تمت سلكياً أو ربما لاسلكياً من طريق الاستفادة من الموجات المعطلة وعكسها لتفجير العبوة المعدة, لافتاً الى ان عملية رصد الموكب ممكنة من نقاط بعيدة نسبياً علماً ان لا حاجة لمشاهدة الموكب كله أثناء التفجير، اذ يمكن اعطاء الاشارة من لحظة انعطاف الموكب من فندق الفنيسيا الى السان جورج ويمكن احتساب الأمر بالثواني، وربما لهذا السبب قد تكون نجت السيارة الأولى من الموكب، خصوصاً ان الجناة يعرفون ان الحريري لا يكون فيها.
ويكشف المصدر القضائي عن ان فريق التحقيق حينما انتقل بعد عشر دقائق من حصول التفجير الى المكان كان يعتقد كما تم تداول المعلومات ان الانفجار استهدف البنك البريطاني ولم يتبين حقيقة الأمر الا عندما وصل الى المكان وكان مضى على الانفجار نحو نصف ساعة وسبب التأخر زحمة السير.
ويتوقف المصدر عند التعطيل الذي حصل لأجهزة الهاتف الأرضي والخلوي، ويشير الى ان الهاتف العسكري في المحكمة العسكرية كان معطلاً أيضاً، مما يطرح أكثر من سؤال عن الرابط بين هذا التعطيل وبين التفجير، ويرجح ان ثمة علاقة تقنية بالعملية وتنفيذها بهدف قطع الاشارات الأولية للحادث.
وكان جهاز المحققين مسح و»بقدر الامكان» بحسب المصدر المنطقة المنكوبة فأخذ خزعات من الجثث والأشلاء وأجزاء من السيارات المتضررة، لكن المشكلة تكمن في تواضع الامكانات لتحليل الأدلة. واذا كانت ثمة مختبرات وتجهيزات حديثة احضرت الى الأجهزة الأمنية بعد إلحاح المحققين فإن هذه التجهيزات تفتقر الى الجهاز البشري الذي يستطيع ان يحلل المعلومات من خلال دراسة علمية حقيقية ودقيقة. ولذلك، يعتقد المصدر القضائي بأن ثمة حاجة ماسة للاستعانة بخبراء من الخارج لأن خبرات لبنان على رغم كل الأحداث التي عايشها غير كافية أمام مثل هذه «الجريمة المنظمة».
ويعتقد المصدر بأن التحقيق العدلي العادي لا يؤدي الى نتيجة، وان هناك حاجة الى اجهزة استخباراتية لديها معطيات علمية تخول المحققين الانطلاق وبالتالي الوصول الى نتيجة. ويصف المصدر الجناة والمخططين للعملية بأنهم ضليعون جداً بما يفعلونه، ولا يسقط المصدر امكان ان تكون هناك أكثر من عبوة زرعت في أكثر من مكان قد يسلكه موكب الحريري.
واذا كانت ثمة معلومات تتردد في قصر قريطم وتجزم بأن أي سيارة غريبة لم تخترق الموكب، مما يسقط بالتالي نظرية «السيارة الانتحارية»، وأخرى تشير الى ان ثمة اشغالاًُ كانت جارية قبل فترة في محلة قريطم أيضاً، فإن أكثر ما يقلق المصدر القضائي ان يتردد محققون قد يكلفون بالمهمة بعد احالة القضية الى المجلس العدلي في قبولها، لأنهم يعرفون سلفاً انهم في الوقت الذين يؤدون واجبهم القضائي ثمة من يكون قد «اشتغل سياسة» وهذا يشمل في نظر المصدر «اضاعة دليل أو معلومة أو محوها».
يبقى ان «البنك البريطاني» الذي يقع عند زاوية لا تبعد عن موقع الانفجار أكثر من عشرين متراً مزود بكاميرات تكشف من الأسفل ومن الأعلى التحركات المحيطة به منذ احتاط المصرف أمنياً عقب غزو العراق ومنذ اقتحام شخص لفرع المصرف في رأس بيروت قبل أكثر من سنتين، فهل رصدت «عين» المصرف ما جرى في حينه.














التعليقات