قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مرح البقاعي من اشنطن: في لقاء مع رئيس معهد الشرق الأوسط في العاصمة واشنطن السفير إدوارد ووكر والمساعد الأسبق لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى خلال ولاية الرئيس جورج بوش الأولى في وزارة كولن باول حيث شغل المنصب لمدة خمسة أشهر فقط وفيما سبق في الولاية الثانية للرئيس كلينتون في وزارة مادلين أولبرايت، حدَّثَنا السفير عن قراءته لخطاب القسم الرئاسي الذي ألقاه الرئيس بوش فيمناسبة التجديد لولايته الثانية لمدة أربع سنوات أخر، في حفل إمبراطوري القوام، باذخ، شهدته قبة الكابيتول في العاصمة واشنطن بحضور ما ينيف على المائة ألف مدعو من الرسميين والمقرّبين والأنصار المتعصبين - عزّت بينهم الفئات الشعبية إلا فيما ندر - تقاطروا على بوابات الدخول، التي صنفت في فئات لونية خمس، وذلك في ظروف عاصفة ثلجية جائحة، وتدابير أمنية هاجسية مشهودة لم تكن لتسلم من التفتيش الشخصي، إلى تفتيش الحقائب والجيوب وما تحت القبعات، بغض النظر عن ساعات الانتظار" الأمنية" على البوابات، والتي أدت إلى وصول البعض إلى مدرجات الحفل- وكنت واحدة منهم- وقد شارف الرئيس على ختام خطابه العتيد. في ما يلي نص الحوار مع إدوارد ووكر .

* في اعتقادك ما الذي أخفق الرئيس بوش في تناوله ؟
"كان في الواقع يحاول أن يرسم رؤية مستقبلية كي يتبناها الأميركيون، ويشعروا بالانتماء إليها. إن هكذا طروحات تستهوي الشعب الأميركي وتستولي بيسرٍ على مشاعره القومية، والحديث عن الحرية والديموقراطية هو مغرٍ بحد ذاته، وندعوه هنا قطعة حلوى (أبل باي) السائغة. لم يأت الرئيس بوش في خطابه على جديد يختلف عن الرؤساء الأميركيين السابقين في هذا المقام. فالرئيس الراحل جوk كيندي قد تناول الأفكار نفسها ولكن بأسلوب أكثر جزالة وعمقا. السؤال الجذري والمفصلي الذي على الإدارة الأميركية في مطلع سنوات أربع قادمة من توليها لزمام الأمور أن تطرحه وبصورة جدية ومجدية وتحاول الإجابة عليه إنما يكمن في الوسائل والسبل التي ستعتمدها لتحقيق هذه الرؤية. إن تنفيذ هذه السياسة سوف يأخذ وقتا طويلا وسوف يكلف غاليا... لقد أشار الرئيس أن الولايات المتحدة لن تفرض على الآخرين منهجا حياتيا أو سياسيا بعينه، لكنها ستساعد من ينشدون الحرية في العالم على تقويض حكم الطغاة ومحاربة التمييز وتحقيق الأمن للشعوب المقهورة. لكنني أعتقد أن الغالبية العظمى تشككك في هكذا أقوال لأنها تتناسب عكسا مع ممارسات إدارته وإجراءاتها في العراق في الفترة ما بعد سقوط صدام حسين.

* هل ترى أن الرئيس بوش حاول الاستعاضة عن استعماله المكرور لمصطلح "مكافحة الإرهاب" بآخر أعظم ألقا وعاطفية ألا وهو" نشر الحرية"؟

يعتقد الرئيس أنه حين يتحدث عن عالم حر وديمقراطي، عالم مستقر ومزدهر اقتصاديا، مجتمع يمارس فيه الناس حقوقهم وواجباتهم وغاية إمكانياتهم، وحين يساعد الشعوب الطامحة لذلك فإنه يساهم في تجفيف منابع الإرهاب وأصوله. إنه يحاول أن ينظر إلى الأمر من زاوية مغايرة، إنه في الواقع يتحدث عن العالم الذي يعتقد أنه ينتج الإرهاب، لكنه قد أخطا هنا، فأنا لا اعتقد أن هذه الرؤية الممعنة في اليوتوبيا ممكنة التحقيق في التاريخ القريب وذلك بسبب تعقيدات دواعي الإرهاب وأسبابه ومنابعه.
الكثير من النقاط التي أثارها كانت قد نوقشت أثناء استجواب رايس في الكونغرس في معرِض التصديق على تعيينها في منصب وزيرة الخارجية، لذلك أنا لا أرى في هذه التصريحات إعلانا لسياسة من أجل التطبيق الفوري ولا تصريحا بغزوات جديدة ممكنة، إنها مشروع طامح، مثالي، وعاطفي جدا.

*إنها رؤية مبنية على الكثير من "الدبلوماسية" التي هي العلامة المسجلة للديموقراطيين، وأنت واحد منهم.هل ترى أن الإدارة سوف تتعاون وتسترشد في المستقبل بأصوات من صفوف الخوارج على السياسات البوشية؟

من الممكن وخاصة في عملية رأب الصدع مع الحلفاء الأوروبيين. لكنني لا أريد أن أبالغ في تفاؤلي في هذا الموقع، ففي البيت البيض دائرة رئاسية مغلقة ومتغطرسة بل ومحظورة على أي رأي مغاير. إن حالة التفوق والقوة لمريديها يمدهم بالمزيد من التصلّب والنرجسية السياسية، وتاليا، وبالتخوف من المجازفة برهن السياسات الأميركية لأهواء العالم الخارجي إذا ما تخلوا عن أحادية الموقف. وهذا التكتل في رأيي ما زال قائما، وما زال في المكتب البيضاوي الرئيس نفسه، ومن يقول أن جورج بوش لا يرسم السياسة وليس مسؤولا عنها فهو غير مصيب. إنه صاحب القرار الأخير فيها، وبامتياز. ونموذج العراق هو البرهان القاطع.وهو يعتقد أن هذه السياسات مقبولة من قبل الشعب بأغلبية مطلقة ولهذا أعاد الأميركيون انتخابه للمرة الثانية.
يؤمن الجناح اليميني المتطرف لأعضاء الحزب الجمهوري الحاكم أن الحل العسكري هو الأنجع والأبعد أثرا. وأنا لا أتوقع أن هذا التوجه سيتغير في الأعوام الأربعة القادمة. لكنني أرى أن وزيرة الخارجية ووزير الدفاع سوف يعانيان مترتبات الوضع الأمني والعسكري المتدهور في العراق ومن تأمين متطلبات الوجود العسكري الأميركي على المدى الطويل.
الوضع آخذ في التعقد. والواقع على الأرض سوف يفرض نفسه بقوة.

*إلى أي مدى سوف تتغير السياسة الخارجية مع قدوم رايس على رأس البلوماسية الأميركية بعد أن شغلت منصب مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض، وواحدة من المنظِّرين الأعتى للسياسات الخارجية، ومن رواد نظرية" الضربات الاستباقية" المشهودة؟

إلى حد ما ستسير السياسة مع رايس في منحى أكثر ليونة لأنها تتمتع بالدعم السياسي المباشر من الرئيس كونها من أكثر المقربين إلى دائرته وفكره. المشكلة تكمن في كونها لا تتمتع بحجم المصداقية الدولية التي تحلّى بها باول من قبلها، ما يمكن أن يؤثر سلبا على علاقاتها مع دول العالم. فقد نظر العالم إلى باول بصفته واحدا من الحمائم التي ترفرف خارج سرب الصقور العنيدة. ووصل البعض إلى قناعة بأنه أكثر شعبية من الرئيس نفسه ما أدى إلى نشوء علاقات غير صحية في الإدارة في غياب جلّي للتوازن بسبب الخلافات في الرأي الرؤية التي نشبت بين أطرافها.
أنا اشعر بكثير من الاحترام لباول. هو وضع نفسه في مكان المسؤولية لينفذ السياسة الأميركية. وبغض النظر عن كونه رجلا عسكريا يكنّ الولاء للإدارة التي يمثلها، فقد كان شاهدا على فظائع حرب فييتنام ويمقت تكرار التجربة في أي مكان في العالم. كان في اعتقاده أنه بقبوله المنصب سيمارس تأثيرا ما، لكن لم يتسن له القيام بذلك. كذلك لم ينسحب من المهمة الرسمية التي أوكلت له ولم يقدِم على الاستقالة رغم محاولات التهميش والمصادرة التي تعرّض لها لأنه كان يعتقد أن وجوده في الداخل أجدى أثرا من خروجه من الدائرة.

*تجري في العراق انتخابات حرة هي الأولى من نوعها في منذ نصف قرن، ما هي أبعاد هذه الخطوة الحاسمة في عراق ما بعد صدام؟

أعتقد أن هذه الانتخابات هي جزء لا يتجزأ من السياسة المرسومة للعراق و سيكون لها تأثير بليغ في إعادة تشكيل القوى السياسية في هذا البلد، والتحول من حكم الأقلية إلى إدارة الأكثرية. أعتقد أن المنتخَبين من الشيعة سوف يمدّون أيديهم لشراكة السنة في إدارة العراق الجديد وفي كتابة دستوره. هكذا سيَقْوى ساعد الحكومة بتعاون كافة فئات وطوائف الشعب ما يهيئ الفرصة لقوات الأمن العراقية لتدريب وتأهيل عناصرها، بمساعدة من الولايات المتحدة، من أجل إعادة بناء هيئة القوات العراقية في قطاعي الشرطة والجيش. وهذا أفضل ما يمكن أن يحدث لأميركا منذ دخولها العراق إذ سيؤدي لاحقا إلى تطويق المتمردين وإجهاض عملياتهم، وذلك في وارفٍ من الوفاق الوطني حين ينتهي العراقيون بحكم أنفسهم دونما وسيط.

*هل تتوقع انسحابا وشيكا للقوات الأميركية من العراق؟

هناك قول لجورج شولتز يفيد به "إننا بوضعنا برنامجا زمنيا للخروج من العراق فإننا سنثير القلاقل"، وأنا أصادقه الرأي. يجب أن نتعامل مع هذا الأمر بحذر وتريُّث. يجب أن نفتح باب الحوار والتفاوض بين الطوائف ونتأكد من جاهزية قوات الأمن العراقية في شغل الفراغ الذي سيخلّفه الانسحاب الأميركي ويجب أن نكون على ثقة أن هذه القوات ستقوم بتطبيق القانون بنزاهة ودونما تمييز أو إساءة للمدنيين العُزْل. يجب أن نحرص على منع تكرار ما حدث في عهد صدام من اختراقات مخيفة للسلطة في مجال انتهاكات حقوق الإنسان وتعديات أهل السلطة. دورنا هنا أن نمنع تكرار هذه المأساة.

*إن الوجود الأميركي في العراق يحمل تهديدا لسوريا " هذا ما صرح به الرئيس السوري بشار الأسد في زيارته الأخيرة إلى موسكو. كيف تقرأ هذا التصريح من حيث التوقيت والمكان الذي أعلن منه؟

للبلدين علاقات طويلة الأمد، بارزة، تمتد إلى عقود عدة فاتت. والرئيس السوري بشار الأسد يحاول متابعة النهج الذي سار عليه والده الراحل حافظ الأسد سابقا مع روسيا الاتحادية اليوم، و هو يتطلع إلى تأييدها ومؤازرتها. ولو كنت في مكانه لقمت بالخطوة ذاتها في اتجاه إحياء العلاقات السورية التي لما تنقطع مع روسيا.
أعتقد أن الرئيس الأسد له أسبابه في أن يبدي عدم ارتياحه نتيجة لتصريحات الرسميين الأميركيين والقرارات ومشاريع القوانين التي اتخذها ويتخذها الكونغرس الأميركي ضد سوريا . أنا لم أر أية براهين على مؤازرة سوريا لأعمال التمرد في العراق إلا مجرد عمليات فردية من هنا وهناك لأفراد يعبرون الحدود في الاتجاهين، أوهي تكهنات للعسكريين وبعض الإداريين الأميركيين. أما القول إن الحكومة السورية مسؤولة عن ذلك فهذا كلام غير مثبت بالأدلة القاطعة.
وما يُروَّج في بعض الأوساط المتشددة عن احتمال مداخلة عسكرية لأميركا في سوريا هو أكثر من مستبعد نظرا لتورط الإدارة الأميركية بما يكفي في تعقيدات بليغة في العراق وأفغانستان وهي لن تقع في الشرك العسكري من جديد.
ولكن يترتب على الحكومة السورية في الوقت عينه أن تراجع أوراقها وتعيد ترتيبها من جديد لأن بإمكان القوات الأميركية أن تقوم بتحركات معينة ضاغطة في الجوار إن أرادت.
القضية الرئيسة والمفصلية هنا أن أميركا تهتم بوقف عمليات التمرد وقطع التمويل والدعم اللوجستي اللذان تتلقاهما. وهذا مطلب مشروع وصحي لكل الأطراف.
أعتقد أن الرئيس الأسد يحمل نوايا جيدة وقد التقيته في مناسبات عدة ودار بيننا حوار أصفه بالموضوعي والبنّاء. لكن هناك قضايا داخلية ملحّة في الشأن الاقتصادي والسياسي والإداري أعتقد أن عليه أن يتعامل معها بحزم، ما يجعل صوت سوريا أرفع شأنا وأكثر مصداقية في منظور المجتمع الدولي.
من المهم أن يستمر في تعاونه مع الأميركيين في الشأن العراقي والمساهمة في الحد من أعمال العنف من خلال تطبيق رقابة أشد على الحدود رغم أني أقر أن هذا أمر غاية في الصعوبة والتعقيد. فنحن في الولايات المتحدة نعاني من الخروقات( ولو اختلف طابعها) على حدودنا المديدة مع المكسيك منذ أمد، وتعذر علينا مراقبتها وضبطها بشكل حاسم.


* ما أكثر ما يثير قلقك في إدارة الصقور؟

ما يثير قلقي فعلا هي مواقف الإدارة من قضايا الشرق الأوسط والتي ثبت بالتجربة القاطعة والمُرّة أنها غير صحية وذات رؤية قصيرة المدى ومتسرعة في التعمل مع القضايا الأكثر حساسية. يجب أن نعيد بناء ثقة العالم المفقودة بسياساتنا الخارجية الانتقائية، وعلى الإدارة أن تعطي جلّ اهتمامها لهذا الغرض وأن تتوقف عن التنطّح للمشكلات الدولية كقوة وحيدة في العالم بالعودة إلى حظيرة العمل المشترك في ظل الأمم المتحدة، وبالتنسيق مع الحلفاء في مواجهة الأزمات.
وفي قضية تصدير الحريات والديموقراطية علينا أن نكون حريصين جدا في التعامل مع المعطيات الثقافية والاجتماعية والعقائدية الدينية للشعوب الأخرى.وأسوق مثالا هنا عن حقوق المرأة والجدل الدائر عالميا حول حجم هذه الحقوق ومدى تماهيها مع الواقع المعاش لمجتمع بعينه. حتى هنا في الولايات المتحدة الجدل سجّال حول حقوق المرأة في ما يتعلق بقضايا الإجهاض وزواج المثل والتمييز الذي تتعرض له في الوظائف مما دعا البعض أن يثني على المثالية في التعاطي مع قضايا المرأة في العالم الإسلامي وتحديدا في ما يتعلق بتنظيم العلاقات الجنسية وحصرها في الزواج وأيضا في النظرة شبه التقديسية في الإسلام للأمومة والعائلة.
ما أريد ان أسوقه هنا أنه لا وجود لوصفة جاهزة للديموقراطية والحرية لشفاء المعضلات الاجتماعية والأنظمة السياسية العليلة في العالم ولا ينبغي لأمة مهما بلغت من الرقي على السلم الحضاري أن تدعي ملكية العدالة المطلقة."

كان عرض فيلم "الإسكندر" في صالات السينما الأمريكية بعد أسابيع من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والانقسام الفصل الذي شهده الشارع الأميركي حيال سياسات الرئيس بوش، خاصة الحرب على العراق، محرضا للكثيرين في اتجاه البحث عن أوجه الشبه بين القائد المقدوني القديم، ورئيس الولايات المتحدة الحالي، وتبين أنها عديدة، وفقا لتقرير الأسوشييتد برس:
كلاهما حمل لقب "أقوى رجل في العالم" في فترة حكمه. كلاهما نشأ في ظل والد يتمتع بالنفوذ والقوة والعلاقات الدولية الشاسعة. كلاهما قضى سنوات طويلة يطارد خصما عنيدا في منطقة الشرق الأوسط... دون هوادة. فيا شعوب الشرق افتحوا أبوابكم للريح.. أو أغلقوها إلى الأبد.. إنها طبول المقدونية الجديدة.