قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ندى مغيزل نصر&- "من فضلك الى اين عليّ ان اتجه؟"، سألت أليس في كتاب لويس كارول "أليس في بلاد العجائب".
اجابها محاورها: "حسب المكان الذي تريدين الوصول اليه".
ان نبقى كعرب مندرجين في العالم، في صنعه وفي بنائه او لا نكون، هو السؤال الذي يحتويه موضوع "اعداد المعلمين في البلدان العربية"، اي اعداد الذين يشاركون، عبر عملهم اليومي، في تكوين البنى الذهنية فيها والذين يشاركون في انتاج رأسمالنا. فاشكالية الموضوع هذا تطرح، وتحتوي، خيارا مصيرياً في مجتمع المعرفة:
حيث الرأسمال البشري اي مستواه التعلّمي من اهم الموارد،
حيث ثوّرت تقنيات التواصل الجديدة طرائق الوصول الى المعارف،
حيث تكاثرت مصادر المعرفة، فلم تعد المدرسة تملك امتياز نشرها بل تنافسها مصادر عديدة،
حيث تتضاعف المعارف كل ثلاث سنوات،
حيث اصبح عالم العمل اكثر تعقيدا ويتطلب مهارات جديدة وتشبيكاً بين ميادين مختلفة،
حيث انفتح العالم على بعضه البعض،
حيث التحقت اعداد كثيفة ومتنوعة بالمؤسسات التعليمية.
نستنتج من هذه المعطيات:
- ضرورة تأمين الحق في التعلم للاولاد كلهم من خلال مقاربات تربوية تسهل التعلم. فالحق في التعلم يعني الحق في التحصيل اي في النجاح، ونعلم ان نسبة الرسوب المدرسي والتسرب تشير الى وضع مقلق في بلداننا. لكن هذه الحالة ليست حتمية وللمعلمين دور جوهري في تأمين الحق في التعلم، اي الحق في النجاح وفي نوعية عصرية من التعليم للأولاد جميعهم داخل الصف.
- ضرورة التكيف مع تزايد الجمهور المدرسي وتنوعه.
- ضرورة التأمل حول الاهداف التربوية عامة.
- ضرورة التأمل حول ما ينبغي تعلمه، نظرا الى استحالة تعليم كل شيء.
- ضرورة التأمل في المقاربات التي على المدرسة ان تعتمدها وفي طرائق التعليم، في ضوء هذه التغيرات، لتمارس دورها.
- ضرورة تأمين نوعية من التعليم تؤهل اولادنا للعيش في هذا العالم من خلال تنمية قدرات معينة ومنها التي تدخلهم في "ثقافة التعلم" التي تؤهلهم للتعلم المستمر في "عالم لم يعد فيه التعلم مرحلة من مراحل الحياة، بل اصبح طريقة عيش"، بحسب قول المدير العام للاونيسكو.
مهنة ذلك الموكل اليه امر تكوين رأسمالنا وتكوين البنى الذهنية التي تؤهل اولادنا للعيش في هذا العصر، قد تطورت اذاً. تطورت في اتجاهات عدة، تفترض اكساب المعلمين مهارات جديدة اشير الى خمس فئات منها:
1- فئة المهارات المتعلقة بتنظيم الحالات التعليمية وتنشيطها، وهي تشمل:
القدرة على اعتماد طرائق ناشطة تجعل التلميذ يشارك في بناء معرفته، وينمّي القدرات التي يحتاج اليها للعيش في عصرنا: كالقدرة على البحث والتحليل والتوليف واختيار المعلومات وتنظيمها والتعلم على مدى الحياة.
القدرة على تحفيز التلاميذ في عصر تنافس فيه المدرسة موارد معلومات اخرى اكثر تشويقا منها، وفتح قابليتهم للتعلم المستمر.
القدرة على اعتماد مقاربات تربوية متنوعة لتأمين التعلم لكل التلاميذ، فتزايد الجمهور المدرسي يعني تواجد استراتيجيات تعلمية مختلفة داخل الصف.
القدرة على اعتماد التقويم التكويني، وهو يندرج في وسائل التعليم، بما يشير بوضوح ودقة الى مواطن القوة للمثابرة فيها والى مواطن الضعف لتخطيها، وينظر الى الخطأ كمناسبة ثمينة للتعلم. هذا النوع من التقويم يفرضه ايضا تغيير الاهداف التربوية والقدرات الجديدة التي ينبغي اكسابها للتلميذ.
القدرة على تنظيم العمل الجماعي بين التلاميذ. والعمل الجماعي من مستلزمات العالم المهني الحديث.
القدرة على معرفة الصعوبات التعليمية وكيفية معالجتها. فالعلوم التربوية قد تخطت "ايديولوجية المواهب"، وبرهنت امكان الاولاد كلهم على التعلم اذا تأمنت الشروط التربوية الملائمة.
القدرة على التربية على المواطنية في عصر لا بد فيه من مشاركة المواطن في الحياة العامة، ولا بد من ان "نتعلم ان نعيش فيه معاً كالاخوة، كي لا نموت معاً كالاغبياء"، بحسب قول مارتن لوثر كينغ.
2- فئة المهارات المتعلقة بمحتوى المواد وهو في تطور مستمر نظرا الى التفجر المعرفي.
القدرة على تحويل المواد الى غايات تعليمية وعملية تعلّمية. والقدرة على تحديد الاولويات والتأكد من وصول الجميع اليها.
3- فئة المهارات المتعلقة باستعمال التقنيات الجديدة لاستخدامها في العملية التعليمية.
4- فئة المهارات الاجتماعية:
مهنة المعلم تتخطى حاليا حدود الصف. فهي تندرج في حلقة تعليمية، تندرج بدورها في مراحل وفي مؤسسة تعليمية تنتمي الى بيئة اجتماعية. فلا بد للمعلم ان يتقن التعامل مع هذه المستويات، اي ان ينظم مواده التعليمية بالتدرج مع الصفوف الاخرى. ولا بد له من ان يشارك في بناء مشروع تربوي داخل المدرسة، يكون ترجمة عملية لخيارات تربوية كبرى.
هذا يتطلب القدرة على العمل الجماعي. فالعمل الفريقي اصبح من مستلزمات مهنة التعليم. وتظهر الدراسات وقع عمل الفريق التربوي على مستوى التحصيل عند التلاميذ، كما تبين اهمية التعاون مع الأهل ايضا. لا بد اذا من تنمية مهارات التواصل لدى المعلم، ليحسن التعاطي مع شركاء يزداد عددهم: من معلمين آخرين، الى اختصاصيين، الى اهل، الى مؤسسات مدنية.
5- فئة المهارات المتعلقة بتطوير شخصه، وهي الاهم:
يقول الشاعر: "ما نكونه يصرخ اعلى مما نقوله". المعلم يعلّم اولاً من خلال ما يكونه. فهو محور للتماهي، يجسد المادة ويفتح القابلية لتعلمها او يصدمها. هو الوسيط بين هذه المادة والمتعلم. كيفية "تقديم الشيء" (انني احب هذا المفهوم لعالم النفس فينيكوت) في شكل يفتح قابلية التعلم والبحث والمطالعة، ويخلق لذة وعلاقة حية بالمعرفة، تدخل التلميذ في ثقافة التعلم اي في مشروع مستمر. فيصبح التلميذ "طالبا" بالفعل للمعرفة، لأنه يعي ان المعرفة ليست سلعة ميتة تتناقلها الاجيال عبر المدارس لتعذيب التلاميذ، انما هي اجوبة عن تساؤلات جوهرية طرحها البشر على انفسهم عبر التاريخ وهي تعنينا.
المهارات المتعلقة بالمعلم تعني ايضا وخاصة القدرة على التأمل. ابتكر الباحث التربوي شون مفهوماً مثيراً للاهتمام وهو مفهوم "المعلم التأملي"، اي الذي يتمتع بالقدرة على التأمل بما يقوم به، وعلى التحليل والتساؤل المستمر والشك، والبحث دائما عن معنى ما يقوم به، القادر على ابتكار حلول جديدة وعلى التقويم الذاتي، والقادر على بناء خبرة وعلى تحويلها الى معرفة والى استخدام معارفه على الارض.
هذه الامور كلها تدخل المعلم في ثقافة التعلم المستمر. فالقدرة على التعلم المستمر لا ترتجل بل تبنى في خلال عملية الاعداد.
قدرة المعلم على التعلم المستمر تؤثر ايجابا على قدرة التلميذ على التعلم. يقول فيليب ميريو: ان "التلميذ يتعلم عندما يتعلم المعلم وعندما تتعلم المدرسة".
بحسب فيليب برنو ان مستقبل مهنة التعليم امام خيارين:
- البروليتارية: حيث دور المعلم دور تقني، يقتصر على تنفيذ ما تأمل فيه غيره وحدّده ونظمه. هذه المقاربة بالطبع تؤثر سلباً على مستوى التعليم.
او التمهين: استشهد هنا بما جاء في التقرير المميز الذي صدر عام 1995 عن "ورشة العمل الاقليمية حول تمهين التعليم واعداد المعلمين وتأهيلهم" التي نظمها مكتب الاونيسكو الاقليمي: "ان التمهين يزداد كلما كان على المرء ان يواجه في عمله مشكلات معقدة ومتنوعة لا يعرف مسبقا الحلول الناجعة لها. وفي المقابل تكون لديه المعارف والمهارات والوسائل لتشخيص الوضع واعتماد حل مناسب من دون ان يعتمد في شكل آلي على حل وضعه آخرون. ان التمهين لا يتطلب فقط قدرات عقلية عليا كالتحليل وتفسير المتغيرات وغيرها بل ايضا استقلالية القرار وحرية الخيار والثقة بالنفس والالتزام بقواعد خصائص معينة من حيث مدته ومستواه ومضامينه من معارف ومهارات ومواقف، بما فيها بناء الهوية المهنية والالتزام باخلاقيات المهنة".
ومن توصيات التقرير المشار اليه ضرورة "اخضاع برامج اعداد المعملين للآليات والمتطلبات عينها التي تخضع لها سائر البرامج الجامعية المهنية، اي للاعتماد المسبق من جانب سلطة مستقلة. فعمليات الاعتماد تضمن رفع مستوى الاعداد المهني من خلال وضع معايير معينة والتقويم المستمر لهذه المعايير.
تمهين التعليم ورفعه الى مستوى جامعي يحسّنان جودة التعليم ويعيدان الاعتبار الاجتماعي لمهنة فقدته في السنوات الاخيرة.
الخيار هذا يحتوي، كما قلنا خيارات مصيرية اخرى. وهو خيار اتخذناه نحن العرب. فلقد اقر وزراء التربية والوزراء المسؤولون عن التخطيط الاقتصادي في الدول العربية في مؤتمرهم الخامس، الذي نظمته منظمة الاونيسكو في القاهرة عام 1994 مبدأ تمهين مهنة التعليم. كما اقرت المؤتمرات الاقليمية والدولية، ونحن من المشاركين فيها، ومنها احكام "التوصية الدولية بشأن اوضاع المدرسين" عام ،1966 ضرورة التمهين الذي يستلزم ان يكون اعداد المعملين على مستوى التعليم الجامعي.
يبقى ان نذكّر بقوة وحزم بهذه القرارات وان نطبقها خصوصا لأن مصيرنا كعرب متعلق بها. ونحن العرب نتقدم معاً او نتراجع معاً والعروبة كما نفهمها هي مشروع حي، مستمر ومتطلب يسمح لنا ان نكون من صناع العالم.
&
***
وقع المعلم، الذي اثبتت اهميته الابحاث في العلوم التربوية، كان على اي حال قد اكتشفه، في شكل ملموس ومعاش، التلميذ القديم الذي يحتويه كل منا. (النهار اللبنانية)
&