&رافع الناصري
قبل أيام وصلنا خبر وفاة الفنان العراقي إسماعيل الشيخلي الذي فارق الحياة في يوم الخميس 24 / 1 / 2002 وبهذا يفقد العراق شخصية ثقافية وفنية كان لها دورها الفاعل في تكوين تاريخ الحركة الفنية الحديثة، واغناءها على امتداد ستين عاما . |
&
الصورة الأولى: إسماعيل الشيخلي مع بيكاسو
كان إسماعيل الشيخلي أستاذنا في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وكان يدرسنا الألوان والإنشاء التصويري في أواخر الخمسينات من القرن الماضي. كان له أسلوب محبب في التدريس يتميز بالنظام والالتزام الشديد من ناحية، والشفافية والأريحية من ناحية أخرى. كنا نحبه ونرتاح له، ونعتبره من افضل الأساتذة، رغم أننا كنا نفاخر بان جواد سليم وفائق حسن كانا أستاذينا أيضا. في يوم من الأيام صادف أن رأينا صورة لأستاذنا الشيخلي تجمعه مع بيكاسو في أحد شوارع باريس، فزاد هذا من إعجابنا وتقديرنا، بل كنا نشعر بالانتصار، ولم لا ، فهذا واحد من فنانينا يقف جنبا الى جنب مع اعظم فنان في القرن العشرين. وشطح بنا الخيال ظنا منا بان الفن العراقي قد وصل الى العالمية، واكبر دليل على ذلك هذه الصورة المعبرة حيث يقف إسماعيل الشيخلي بكامل أناقته والابتسامة على وجهه وهو في حوار مع فنان العصر بابلو بيكاسو. مرت السنوات، وأصبحت زميلا لأستاذي الشيخلي في معهد الفنون الجميلة بعد أن أكملت دراستي في الصين. وفي أحد الأيام سألته عن هذه الصورة التي لم تبرح خيالي. قال: كنت امشي يوما برفقة صديق لي كان يحمل معه كاميرا في أحد شوارع باريس، وفي لحظة تاريخية خاطفة شاهدت بيكاسو يخرج من باب إحدى العمارات، فتوجهت أليه مسرعا اطلب التقاط صورة معه، فوافق على التو بتواضع الفنانين الكبار، فكانت هذه الصورة . ثم مشى بيكاسو الى وجهته بعد ذلك وهو يردد (ميرسي مسيو).
الصورة الثانية : إسماعيل الشيخلي وسط طلبته وبينهم عايدة وعلياء
ا لتقطت هذه الصورة الفوتوغرافية الجماعية على ضفاف نهر ديالى في المنطقة الزراعية القريبة من جسر ديالى، وتضم مجموعة من طلبة معهد الفنون الجميلة للعام الدراسي 1956/ 1957 أثناء سفرة فنية نظمها أستاذنا إسماعيل الشيخلي لرسم الطبيعة العراقية، وكانت أول سفرة وربما الأخيرة من هذا النوع، فقد اعتاد أساتذتنا الخروج بنا من المراسم الى حديقة المعهد لرسمها، وقد رسمنا فعلا |
كل زاوية فيها. بعد أن قضينا الصباح كله في رسم الطبيعة الريفية الجميلة في ذلك اليوم الربيعي المنعش، جاء وقت الراحة وتناول طعام الغذاء المتنوع الأشكال والمذاق، فنحن قادمون من مناطق عراقية مختلفة، هذا من الموصل وذاك من السليمانية او اربيل اوكركوك أو بعقوبة، وهؤلاء من البصرة والناصرية والعمارة والحلة، إضافة الى طلبة من بغداد. وككل سفرة شبابية، فهي لا تخلو من المرح والغناء والرقص ، غنت لنا عايدة (جوني غيتار) المشهورة جدا في ذلك الوقت، وغنت لنا علياء أغنية أردنية معروفة، ولاقتا الإعجاب والتشجيع من قبل الجميع، خاصة وان من بيننا محبون لهذه أو تلك ، وكانتا الطالبتين الوحيدتين بين هذا الجمع من الشباب. وككل سفرة أيضا، تكون الكاميرات عنصرا أساسيا فيها ، وهكذا التقطت هذه الصورة التي يظهر فيها إسماعيل الشيخلي متوسطا بقامته الفارعة مبتسما وعلى يمينه عايدة وعلى يساره علياء ثم يتوزع البقية على كامل الصورة ، طارق وعبدالله ومسعود ومظفر ورافع وموفق وسعد وكاكة قالة وكاكة عثمان وكاكة شيخوان وعزيز وعبدالرحمن ولطفي ومحمد وكريم وعلي وغيرهم .
&
لصورة الثالثة : إسماعيل الشيخلي مع مساعديه من الرسامين الشباب
في خضم التهيئة لاحتفالات الذكرى الأولى لثورة تموز (يوليو) عام 1959، كلف إسماعيل الشيخلي برسم لوحة جدارية كبيرة فاز بها من بين مجموعة من الفنانين العراقيين، فاستعان بنا لمساعدته في تنفيذها نحن الأربعة الأوائل على دفعتنا:&محمد مهرالدين ومظفر العابد وموفق الوكيل وأنا ، وجعلنا أحد الأروقة المكشوفة في معهد الفنون الجميلة محترفا لنا ، لكبر حجم اللوحة وسهولة العمل عليها في أي وقت نشاء بعد أن انتهت الدراسة في المعهد. كنا نأتي مبكرا |
صباح كل يوم وقبل أن نبدأ الرسم نتناول فطورنا المتواضع المكون من الجبن البلدي وخبز التنور الحار المتوفر بكثرة في سوق الكسرة القريب من المعهد آنذاك، مع الشاي العراقي الأسود الذي يحضره لنا (جبار) المستخدم في نفس المعهد. في أحد الأيام جاءنا أستاذنا الشيخلي بعلبة جبن (كرافت) تكريما لنا ، فكانت مناسبة للمداعبة والمرح والتقاط الصور الفوتوغرافية، ومنها هذه الصورة التي يظهر بها الشيخلي في مقدمتها ونحن على جانبيه بملابس العمل المكونة من بنطلون وفوقه فانيلة (بلا أكمام) بسبب الحر الشديد في تلك الأيام التموزية. بعد أن انتهينا من رسم الجدارية منحنا أستاذنا مبلغا من المال لم نكن نتوقعه مكافأة لجهودنا، فزاد هذا من سعادتنا وشجعنا على تبذيره في شارع الرشيد باقتناء الأشياء الغالية ومنها شرائي ماكينة حلاقة كهربائية (فيليبس) التي علق عليها خالد الرحال عندما شاهدها في يدي ذلك المساء قبل أن أسافر الى الصين ، بقوله: هل جننت . ماو تسي تونغ نفسه لا يملك مثلها .
ملاحظات :
الصورة الأولى باتت مشهورة جدا بعد ذلك حيث نشرت في الصحافة عدة مرات، وشاهدتها مؤخرا في عمان ضمن معرض لجماعة الرواد التي كان يتزعمها إسماعيل&الشيخلي .& أما الصورتان الثانية والثالثة، فاعتقد أنهما موجودتان ضمن أوراقي في بغداد.
كاكة : تعبير بالكردية يعني الأخ .
رافع الناصري
البحرين / 3 / 2 / 2002&
&&
&&
&













التعليقات