سليمان بختي : يَرِدُنا كتاب الشاعر الاميركي عمر عزرا باوند "الارض المقدسة" في ترجمة عربية أنجزها منصور عجمي، وثانية اسبانية في ترجمة للشاعر قيصر عفيف (ضمن سلسلة كتب "الحركة الشعرية") في تمامه وأوانه. ففي زمن التحامل والتواطؤ والظلام الذي يلف العالم، لا بد من دائرة تتلألأ وصوت يضيء الحلكة ويخاطب ما يراه حقاً وصواباً. والكتاب شهادة على مستوى الذات والموضوع. فالشاعر عمر عزرا باوند يردّ هنا في القصيدة والموقف على الذين اضطهدوا والده وأكرهوه على الصمت والغياب والنسيان. اتهموه بمعاداة السامية وبالفاشية وبوقوفه الى جانب موسوليني ضد روزفلت، وحمل في نهاية الحرب في قفص الى الولايات المتحدة.
كان عزرا باوند احد اشهر شعراء القرن العشرين ومن كبارهم، وكان صاحب فضل كبير على الحداثة وعلى ادباء تلك المرحلة وشعرائها. اعاد صوغ مطولة تي. إس إليوت الشعرية "الارض اليباب" حاذفاً منها بعض المقاطع ومقترحاً اخرى. وكان خلف معظم اعمال جيمس جويس الايرلندي، واشتهر بشعاره "انقاذ العالم بواسطة الشعر". الى ذلك، كان محركاً ثقافياً يحض اصدقاءه على الابداع والكتابة والرسم ومساعدتهم بالمال والنشر، وتسويق لوحات الرسامين منهم ونقد اعمالهم. مع عزرا باوند غدت ممكنة الثورة او النهضة او اي تعبير يصف انطلاقة الشعر الحديث نحو حرية اكبر بحسب مونرو.
عمر باوند هو امتداد لهذه الشخصية الثقافية الفذة والرائعة. ومن شابه اباه ما ظلم، تقول العرب.
انه ابن الشاعر عزرا باوند والرسامة دوروثي شكسبير (المجد من اطرافه او المصادفة التاريخية لرمزين كبيرين). ولد في العاصمة الفرنسية عام ،1926 لكنه ترعرع في كنف جدته لأمه في انكلترا حيث تلقى علومه الاولى حتى السادسة عشرة من عمره. ترك المدرسة ليعمل في مطبخ وغرفة استقبال احد الفنادق الكبرى في لندن. ويوم تعرض منزله للقصف عام 1944 تركه ليلتحق بالجيش الاميركي عام ،1945 وخدم جندياً في فرنسا والمانيا الى عام 1946 حين التحق بكلية والده، هاملتون في نيويورك، ودرس الانتروبولوجيا واللغة الفرنسية. ثم التحق بمعهد الدراسات الشرقية والافريقية في لندن حيث درس اللغة الفارسية والتاريخ الاسلامي ونال منحة من الحكومة الايرانية لدراسة اللغة الفارسية. عاد الى الولايات المتحدة ونال منحة روكفلر، ثم الى معهد الدراسات الاسلامية في جامعة ماك غيل في مونريال حيث درس اللغة العربية والعلوم الاسلامية على يد العلامة ويلفرد كانتول سميث. واثر نيله درجة علمية مارس التعليم في بوسطن بين عامي 1975 و1977 ليترأس بعدها المدرسة الاميركية في طنجة، المغرب. وعاد بعد ثلاثة اعوام الى انكلترا ليعمل طوال ثلاثة عشر عاماً في كلية التكنولوجيا في كامبريدج، وآب اخيرا الى الولايات المتحدة حيث ظل يمارس تعليم الانكليزية في جامعة برنستون حتى تقاعده.
الى ترجماته للشعر العربي والفارسي، لعمر باوند ثلاث مجموعات شعرية. كما حقق ثلاث مجموعات من رسائل والده صدرت لدى جامعة اوكسفورد. قرأ شعره في الولايات المتحدة وكندا وانكلترا، وشارك في ثلاثة مؤتمرات شعرية في المربد في العراق حيث قرأ شعره في التلفزيون والاذاعة. منحته جامعة لورنس في مدينة ويسكنسن الاميركية الدكتوراه الفخرية في الآداب الانسانية. أصيب عام 1999 بالسرطان لكنه يتعافى اليوم بعد خضوعه للعلاج متابعاً تحقيق رسائل كتبت في القرن التاسع عشر، ويقيم حاليا في برنستون أفنيو رقم 55 في ولاية نيوجيرسي 8540 ويتواصل مع مجلة "الحركة الشعرية" التي تعنى بالشعر الحديث ويترأس تحريرها الشاعر اللبناني قيصر عفيف، وامين تحريرها الباحث محمود شريح، وتصدر هذه المجلة في المكسيك وينشر باوند قصائده فيها. والقصائد التي يتضمنها كتاب "الارض المقدسة" كتبت في فترة النقاهة اثر عملية جراحية معقدة.
تمجد قصائد باوند الابن كفاح الشعب الفلسطيني في صراعه ضد الاحتلال. تتصور قصيدتان تاريخا مستقبليا لقطاع غزة و"اسباب الكراهية" وما سترويه الجدات وامهات الجدات للاجيال المقبلة عن الاحتلال. وتقترح قصيدة "قاضي الوفيات المشتبه بها" ما يمكن حصوله في القرن العشرين بعد العثور على قبر فارغ. وتسرد قصيدة "الابن الضال يعود الى الطبقة السادسة والاربعين، نيويورك" قصة ما يحصل لنيويوركي ترك بلاده للدفاع عن معتقده كجندي مظـلي، ثم يعود الى وول ستريت ليجد كذلك عالما خاويا في انتظاره. وتصور قصيدة "زيت التربنتين" الحياة في مخيم لاجئين حيث يعمل الجميع في ظروف قاسية وفي طرق شتى لكسب العيش. لغة عمر باوند في "الارض المقدسة" امينة لما أرساه والده في الحركة الصورية شعراً وايقاعاً. فهو يتمتع بحس تصويري مشهدي قوي في القصيدة، ممتلكا القدرة على التصويب في عمق على الفكرة التي يبغي الشاعر توكيدها واظهارها. في شعر باوند موقف انساني عميق حيال الظلم والقهر والقمع. يصف القسوة المفرطة التي يمارسها الاحتلال، ويقول عن الجنود الذين يدخلون ذاكرة الاطفال قبل دخولهم المكان:
"ينتزعون الحلوى من يدي اختي الصغرى
التي ستكره ما فعلوه
لستين سنة تالية
***
ينزعون احشاء ابن عمي الصغير
لأنه صوب مسدساً دمية
على قافلة من الجيبات
ويقتلون القطة".
يحاول باوند رصد الحقد في تجلياته وانعكاساته، الحقد الذي يزرعه الجنود بممارساتهم وتصرفاتهم الوحشية في ذاكرة الاطفال لأجيال مقبلة، حتى تتحول هذه الكائنات الى قنابل موقوتة ستنفجر مستقبلا. يلاحق باوند ممارسة جندي الاحتلال في قتله القطة حتى يغدو هذا الجندي في السطر الاخير عدواً للانسانية والكائنات جميعاً.
في قصيدة "اسباب الكراهية" (بسبب غازات مسيلة للدموع غير مميتة)
كاد ابن ليلى يختنق
لكن لحافاً مشبعاً بالماء انقذه.
بعد عشر سنين
سيرجمهم بالحجارة
حتى نتحرر".
يربط الحادثة هنا بالسبب، بالنتيجة، والممارسة بالرؤيا التاريخية. وفي قصيدة الابن الضال يعود الى الطبقة السادسة والاربعين، نيويورك، والقصيدة على شكل قصة شعرية حول مظلي متطوع يدمج الدين والسياسة والافلاس بالحسابات، وكيف عاد الى عمله المعقد، ولكنه ظل يتذكر عزلته في الجو حين القنص على الارض.
"شرفي الوحيد اني رفضت ان يكرموني
لقتلي الاطفال".
قصائد عمر باوند في "الارض المقدسة" صرخة في وجه الظلم، ومن اجل الانسان في صراعه للهوية والحرية. ولعل باوند وفق في نقل موضوعه الى الأبعد والأعمق، ومعه استحال الكفاح الفلسطيني ضد المحتل قضية انسانية شمولية تستمد قوتها من القيمة والحق والجوهر. (النهار اللبنانية)