أكمل رجال الشرطة المغاربة تمركزهم في جزيرة "ليلى" فيما عبرت اسبانيا عن غضبها بدبلوماسية الزوارق المسلحة وطالبت المغرب بالانسحاب مما تسميه جزيرة "البقدونس". وفي غضون ذلك وصلت إلى المنطقة خمس فرقاطات إسبانية وقيل ان غواصة اسبانية قد توجهت إلى المنطقة أيضا. ولكن لم تكن هناك أية آفاق فورية للتراجع من قبل المغرب الذي يحتفل بزواج ملكه وسط مظاهر وطنية. وقال عبدالمجيد الذي كان بين مجموعة من القرويين تجمهروا على الساحل المغربي: ما الذي يريده الإسبانيون بهذه الجزيرة؟ إسبانيا موجودة هناك وهنا يوجد المغرب وأشار بإصبعه عبر مضيق جبل طارق المنطقة الأكبر المتنازع عليها أيضا بين اسبانيا وبريطانيا. ان هذه الجزيرة التي أثارت أزمة عسكرية تقع على بعد "180" مترا فقط من ساحل المغرب عند فرسة بن يونيش. وبعيدا عن طرفات بن يونيش كان قلة من المغاربة يعلمون بأن وحدة من الدرك المغربي قد سيطرت على الجزيرة ليلة الخميس 11 يوليو 2002 وبذلك أدخلوا المغرب في مواجهة دبلوماسية ساخنة وخطيرة مع اسبانيا. وعلى طول الساحل في طنجة قوبلت التساؤلات حول السيطرة على الجزيرة بنظرات مبهمة، فالشوارع مزدانة بالأعلام والحفلات الصاخبة وأصوات أبواق السيارات لم تكن احتفاء باستعادة جزء آخر من التراب المغربي وإنما بزواج الملك محمد السادس. ويعتقد ان احتلال الجزيرة جاء بأوامر من الملك الشاب بمناسبة زواجه، رغم ان السلطات المغربية تصر على أن الهدف من احتلال الجزيرة هو منع استخدامها من قبل مهربي المخدرات. وقد أغلق الجيش المغربي منطقة الشريط الساحلي المحاذي لجزيرة "ليلى" ولزيادة الإحساس بالخجل من قبل الإسبانيين ان عملية السيطرة على الجزيرة نفذت عمليا تحت أنوفهم في سبتة، المستوطنة التي تشكل قاعدة القوميين الاسبانيين المتشددين والتي لها نقطة عبور حدود في قرية بن يونيش. وفيما كانت تنطلق أغنية "تحيا اسبانيا" من المقاهي والمستوطنين الاسبان الذين استيقظوا ليجدوا ان الفرقاطة البحرية نافارا قد وصلت أثناء الليل إلى الميناء أقلعت طائرة هليكوبتر من الفرقاطة للقيام بطلعة استطلاعية فوق الجزيرة فيما أرسلت أربعة زوارق مسلحة لحراسة الساحل بين "سبتة" و"مليلة" وهي مستوطنة إسبانية أخرى على الساحل المغربي. قبل عشرين عاما قام الجنود الأرجنتينيون برفع علم بلادهم على جزيرة "مالغيناس" التي يطلق عليها الانجليز "فوكلاند" والتي شنت بريطانيا حربا لاستعادتها. ولكن رغم تشابه الوضعين إلا أن الفصل الجديد ينطوي على مواجهة مضحكة. ففي الحقيقة، لا يبدو من المحتمل وجود استعداد لدى أي من الطرفين لخوض حرب من أجلها رغم كل التحركات. فهذه الجزيرة طولها 450 مترا وعرضها 270 مترا. ولم تكن هناك أية إشارات على احتمال قيام اسبانيا بهجوم مضاد ولا لقيام حلف الناتو بتفعيل استراتيجية الدفاع المشترك التي بموجبها يعتبر الهجوم على أي دولة عضو في الحلف اعتداء على جميع الدول الأعضاء ــ وذلك لتقديم الدعم العسكري لإسبانيا. ولكن الصحف الاسبانية تحدثت بإسهاب عن التداعيات العسكرية والدبلوماسية والسياسية للأزمة وفي مقال بعنوان "ملك البقدونس" قالت صحيفة "الموندو" ان الملك محمد الخامس مبذر وكسول ومغرم بالحياة الرغيدة. وأما الرسومات الكارتونية فقد أظهر أحدها رئيس الوزراء الاسباني خوزيه ماريا ازنار يقول لنظيره البريطاني عبر الهاتف دعنا نفعل التالي يا بلير، سنتقاسم السيادة على جبل طارق وفي مقابل ذلك سنعطيكم جزيرة "بقدونس". فالحقيقة هي لا بريطانيا ولا اسبانيا تحبذ التوصل إلى حل لمستقبل وضع جبل طارق انطلاقا من المناورات الحالية قبالة سواحل المغرب. وأما بالنسبة للمستوطنين في سبتة فقد كانت التداعيات ملموسة. فقد قال سائق باص اسمه خوزيه: أنا لا تهمني جزيرة "بقدونس" نفسها لأنها مجرد صخرة. ولكن إذا لم نخرج المغاربة منها فستكون الخطوة التالية سبتة وحتى لو كانت ملاذا آمنا لمهربي المخدرات فهي ملاذ للمهربين الاسبان وليس للمهربين المغاربة. وقال رجل إسباني آخر يجب ألا نبقى مكتوفي الأيدي ونكتفي فقط بالطلب منهم أن يغادروا الجزيرة بل يجب ان نتوجه إلى الجزيرة فورا ونحن قادرون على هزيمة المغاربة. وفيما تقول مدريد ان ملكية "بقدونس" بالإضافة على بضعة جزر صغيرة أخرى قبالة ساحل المغرب لا يمكن التنازل عنها رغم ان المغاربة يقولون ان تلك الجزر لهم شرعا منذ انتهاء المحمية الاسبانية في شمال افريقيا عام 1956.