&
معرفة أية مدينة لا تكتمل إلا بتصور ماضيها وخصوصا القريب، ولإن كانت الطفرات التنموية التي تعرضت لها المدن السعودية تبدو للعين مبتوتة فإنها قد تبدو للبصيرة قفزات طبيعة وتراكما تاريخيا، خصوصا إذا تبصرنا أن المدينة ليس مجرد مبان وأجهزة إدارية وأضواء براقة، بل كحالة عقلية ومركب من قيم واتجاهات ومواقف ومشاعر ترتبط بتلازم مع بعضها .
كما ذكر "ربورت بارك" في مقالة فائتة تطرقت للبلدة النجدية القديمة من ناحية طبيعتها الحضارية ونشاطاتها الاقتصادية باعتبارها الأساس الاجتماعي المتراكم تاريخيا للعديد من الظواهر الحضارية العامة للمدينة الراهنة.
ولمزيد من إضاءة هذا الأساس سنلج تلك البلدة كي نتلمس حالتها السكانية والعمرانية إبان حقبة ما قبل توحيد المملكة.
يذكر المؤرخ عبد الله العثيمين أن المجتمع النجدي كان منقسما إلى حضر وبدو، وكانت توجد مرحلة انتقالية معينة يمر بها بعض السكان. ويبدو أن الاستيطان التحضري في الواحات تراكم بشكل متنام قبل بضعة قرون ووصل إلى استقراره الحالي منذ ثلاثة قرون متوجاً بالدولة السعودية الأولى.
ويمكن أن نلاحظ أن نشوء بعض الواحات والقرى النجدية يعد حديثاً بالمقياس العالمي، فيسجل المؤرخ ابن عيسى تاريخ بناء كل من: عنيزة، حرمة، المجمعة، العيينة، الخبراء، البكيرية في أعوام 630 ،700 ،820 ،850 ،1140. 1180، هجرية على التوالي.
قدّر الرحالة بلجريف سكان نجد قبل حوالي قرن بمليون نسمة، وكذلك فعل الكاتب سليمان الدخيل عام 1911م وأشار إلى أنه ليس في بلد من بلاد العرب من يحصي عدد الأنفس، هذا فضلا عن أن هذا العمل عندهم مشؤوم حسبما نقل الجغرافي محمد الرويثي الذي أضاف أن حافظ وهبة قدر أهل نجد بثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة!!. ويرى البعض أن كلا التقديرين شططا وأن السكان قد يتراوح عددهم بين النصف والثلاثة أرباع مليون.. بين النصف مليون وسبعة أضعافه!! أما من باحث نأوي إليه ليرشدنا كيف نحصي أجدادنا عددا؟ يبدو أن تقدير الأنفس في واحاتنا القديمة صعب مناله. إنها الصحراء ومزاجها المتقلب حين تهطل مطراً مدراراً وحين تكشر عن قساوتها القاحلة، فما إن ينمو عدد السكان في سنوات الخصب إلا ويحل جدب يفرّخ حروباً مدمرة وصراعات مشرذمة وما يتبعها من هجرة وضحايا أوبئة، مما يعده البعض من الضوابط الطبيعية للحد من الزيادة المطردة للسكان لاقتسام النزر اليسير من الموارد الطبيعية الشحيحة في هكذا بيئة. وهذا يفسر عدم تنامي سكان نجد خلال القرون السابقة، أو بالأحرى يفسر التناقض في تقديرات السكان بين الكثرة والقلة .. بين الخصب والجدب. ولذلك تبدو التقديرات تخرّصاً أو رجماً بالغيب!! وربما من هنا جاء عدم اعتناء العرب الأوائل بتقدير السكان. ولعل العمل مشؤوماً كما صرح الدخيل نتيجة أنه ما يلبث كاتب أن يتباهى بالعدد الوفير حتى يدلهم القحط والنقصان.
هنا بين بحر الصحراء وشبكة قبائل متأهبة للغزو، لابد من الأسوار المسننة هاماتها بأهداب الحديد، فالبلدات مزودة بالحصون ومسوّرة. ويذكر "موزل" أن أكثرها محاطة بجدارين: داخلي يحيط بالمنازل وربما البساتين، وخارجي بجدارين يُملأ ما بينهما طينا. ويرتفع السور إلى أربعة أو خمسة أمتار.
أما المدينة من الداخل فكان لها ثلاثة معاقل في مركزها: هناك المكان الروحاني الطهور "المسجد الجامع" والتضرع لله العلي القدير كي يحمي البلاد والعباد، وقاعدة التوجيه "قصر الحكم" كي تقود السكان، والموقع الدنيوي المثابر "السوق التجاري" للمعاش والعمران. وبسبب شظف العيش فنادرا ما يكون للأمير نشاط بلدي أو عمراني، وينحصر ذلك النشاط عادة في إقامة سور للبلد ومسجد وقصر الحكم وربما يصل إلى تفجير العيون وإنشاء العقارات والآبار كما يذكر د. السليمان.
أما الطرقات فمتعرجة ضيقة تتخلل المنازل التي تبنى من الطين واللبِن مع أساس من الحجر في بعض الحالات. ويضم المنزل عادة طابقين، سقوفهما من خشب الأثل وسعف النخل. وفي وسط المبنى فناء لدخول الهواء وضوء الشمس والانعزال العائلي، وتحيط به مجموعة من الأعمدة.
ويحتوي المنزل عادة على غرفة المستودع تجاورها غرف النوم والموقد "المطبخ" والكنيف "الحمام"، وغالبا توجد بئر. ويعد مجلس الرجال أكبر غرف البيت وأهمها، ويقبع في أحد أركانه الوجار "موقد النار". والأثاث يكون بسيطا وبقدر الحاجة فما المنزل وقتئذ إلا للإيواء لا للزخرفة والتجميل.
ومهما نما السكان أو زخرفت المنازل وشمخت، كانت الصحراء متربصة بأجدادنا الذين أناخوا عيسهم بغتة ورووا فسائل النخيل عرقاً ودمعاً ودماً، ومهما امتزجت أصابعهم بقبضات المناجل وقصائد الحنين لسرع ما يخون التراب اليباب بذرة الزراع، وتعود السيرورة الصحراوية تجرف البشر خارج أسوار المدينة كي يتركوا معاقلهم أطلالا!!
كما ذكر "ربورت بارك" في مقالة فائتة تطرقت للبلدة النجدية القديمة من ناحية طبيعتها الحضارية ونشاطاتها الاقتصادية باعتبارها الأساس الاجتماعي المتراكم تاريخيا للعديد من الظواهر الحضارية العامة للمدينة الراهنة.
ولمزيد من إضاءة هذا الأساس سنلج تلك البلدة كي نتلمس حالتها السكانية والعمرانية إبان حقبة ما قبل توحيد المملكة.
يذكر المؤرخ عبد الله العثيمين أن المجتمع النجدي كان منقسما إلى حضر وبدو، وكانت توجد مرحلة انتقالية معينة يمر بها بعض السكان. ويبدو أن الاستيطان التحضري في الواحات تراكم بشكل متنام قبل بضعة قرون ووصل إلى استقراره الحالي منذ ثلاثة قرون متوجاً بالدولة السعودية الأولى.
ويمكن أن نلاحظ أن نشوء بعض الواحات والقرى النجدية يعد حديثاً بالمقياس العالمي، فيسجل المؤرخ ابن عيسى تاريخ بناء كل من: عنيزة، حرمة، المجمعة، العيينة، الخبراء، البكيرية في أعوام 630 ،700 ،820 ،850 ،1140. 1180، هجرية على التوالي.
قدّر الرحالة بلجريف سكان نجد قبل حوالي قرن بمليون نسمة، وكذلك فعل الكاتب سليمان الدخيل عام 1911م وأشار إلى أنه ليس في بلد من بلاد العرب من يحصي عدد الأنفس، هذا فضلا عن أن هذا العمل عندهم مشؤوم حسبما نقل الجغرافي محمد الرويثي الذي أضاف أن حافظ وهبة قدر أهل نجد بثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة!!. ويرى البعض أن كلا التقديرين شططا وأن السكان قد يتراوح عددهم بين النصف والثلاثة أرباع مليون.. بين النصف مليون وسبعة أضعافه!! أما من باحث نأوي إليه ليرشدنا كيف نحصي أجدادنا عددا؟ يبدو أن تقدير الأنفس في واحاتنا القديمة صعب مناله. إنها الصحراء ومزاجها المتقلب حين تهطل مطراً مدراراً وحين تكشر عن قساوتها القاحلة، فما إن ينمو عدد السكان في سنوات الخصب إلا ويحل جدب يفرّخ حروباً مدمرة وصراعات مشرذمة وما يتبعها من هجرة وضحايا أوبئة، مما يعده البعض من الضوابط الطبيعية للحد من الزيادة المطردة للسكان لاقتسام النزر اليسير من الموارد الطبيعية الشحيحة في هكذا بيئة. وهذا يفسر عدم تنامي سكان نجد خلال القرون السابقة، أو بالأحرى يفسر التناقض في تقديرات السكان بين الكثرة والقلة .. بين الخصب والجدب. ولذلك تبدو التقديرات تخرّصاً أو رجماً بالغيب!! وربما من هنا جاء عدم اعتناء العرب الأوائل بتقدير السكان. ولعل العمل مشؤوماً كما صرح الدخيل نتيجة أنه ما يلبث كاتب أن يتباهى بالعدد الوفير حتى يدلهم القحط والنقصان.
هنا بين بحر الصحراء وشبكة قبائل متأهبة للغزو، لابد من الأسوار المسننة هاماتها بأهداب الحديد، فالبلدات مزودة بالحصون ومسوّرة. ويذكر "موزل" أن أكثرها محاطة بجدارين: داخلي يحيط بالمنازل وربما البساتين، وخارجي بجدارين يُملأ ما بينهما طينا. ويرتفع السور إلى أربعة أو خمسة أمتار.
أما المدينة من الداخل فكان لها ثلاثة معاقل في مركزها: هناك المكان الروحاني الطهور "المسجد الجامع" والتضرع لله العلي القدير كي يحمي البلاد والعباد، وقاعدة التوجيه "قصر الحكم" كي تقود السكان، والموقع الدنيوي المثابر "السوق التجاري" للمعاش والعمران. وبسبب شظف العيش فنادرا ما يكون للأمير نشاط بلدي أو عمراني، وينحصر ذلك النشاط عادة في إقامة سور للبلد ومسجد وقصر الحكم وربما يصل إلى تفجير العيون وإنشاء العقارات والآبار كما يذكر د. السليمان.
أما الطرقات فمتعرجة ضيقة تتخلل المنازل التي تبنى من الطين واللبِن مع أساس من الحجر في بعض الحالات. ويضم المنزل عادة طابقين، سقوفهما من خشب الأثل وسعف النخل. وفي وسط المبنى فناء لدخول الهواء وضوء الشمس والانعزال العائلي، وتحيط به مجموعة من الأعمدة.
ويحتوي المنزل عادة على غرفة المستودع تجاورها غرف النوم والموقد "المطبخ" والكنيف "الحمام"، وغالبا توجد بئر. ويعد مجلس الرجال أكبر غرف البيت وأهمها، ويقبع في أحد أركانه الوجار "موقد النار". والأثاث يكون بسيطا وبقدر الحاجة فما المنزل وقتئذ إلا للإيواء لا للزخرفة والتجميل.
ومهما نما السكان أو زخرفت المنازل وشمخت، كانت الصحراء متربصة بأجدادنا الذين أناخوا عيسهم بغتة ورووا فسائل النخيل عرقاً ودمعاً ودماً، ومهما امتزجت أصابعهم بقبضات المناجل وقصائد الحنين لسرع ما يخون التراب اليباب بذرة الزراع، وتعود السيرورة الصحراوية تجرف البشر خارج أسوار المدينة كي يتركوا معاقلهم أطلالا!!















التعليقات