قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يحي أبوزكريا
&
* أعترف أنني بمجرّد أن وصلت الى السويد وكان ذلك قبل أربع سنوات, أحببت هذا البلد حبا قويّا لا نفاق فيه, لأنّه منحني وأولادي الطمأنينة والسلام والأمان, وقررت أن أبدأ حياة جديدة لا خوف فيها ولا رعب في وطني الجديد السويد, وكنت قبل ذلك أشتغلت أزيد من خمس عشرة سنة في الصحافة الجزائريّة و العربية كمحلل سياسي ومعلق على مجمل الأحداث المستجدة في العالم العربي والإسلامي, ومنذ البداية أدركت أنّ اللغة السويدية هي المفتاح الضروري لأبواب المستقبل وهي الجسر الذي يربطني بوطني الجديد ومؤسساته الثقافية والعلمية وغيرها.
وأنكببت على دراسة اللغة السويدية وكنت كلما أنتهي من مرحلة أدخل في مرحلة أعلى وأعمق ومع انقضاء السنوات - والعجيب أنّ الزمن في السويد يمضي سريعا ربما كما هو الإيقاع السويدي - لم يتحقق حلمي بانخراطي الكامل في المجتمع السويدي, فرغم أنني صحفي وجزء من مهمتي هو نسج علاقات عامة مع أصحاب الشأن السياسي والثقافي والعلمي والإجتماعي, إلاّ أنني لم أفلح في نسج أي علاقة اجتماعية مع أي سويدي اللهم إلا مع معلمتي في اللغة السويدية والتي تنتهي علاقتها بنا كطلبة مهاجرين بعد انتهاء الحصة مباشرة.
&
* وهنا يحلو لي أن أتساءل عن معنى الاندماج والذوبان في النسيج الاجتماعي السويدي! إنني أسكن في منطقة ما في أوبسالا معظم سكانها من المهاجرين, لا يتسنى لي فيها مقابلة أي سويدي للحديث معه باللغة السويدية, وعندما أصل إلى العمارة التي أسكن فيها أقول لزوجتي أأنت متأكدة أننّا نعيش في السويد! فالعمارة التي أقطنها فيها تكاد تكون فرعا من فروع الأمم المتحدة, والأكيد أنني كلما أقابل جارا لي يبادرني بالتحيّة وبلغتي الأم, وإذا ذهبت لأشتري موادا غذائية وحاجيات البيت فحولي ما يكفي من المحلات التي يجيد أصحابها لغتي الأم, وعندما أقابل في الشارع بعض الجيران وأشخاصا من العالم العربي والإسلامي فإنّ الحديث كله يتركز حول فلسطين والشيشان والعراق والجزائر وأفغانستان والعالم الثالث عموما ولا أحد يحدثي عن السويد وصحفها وسياسييّها ومفكريها, ومع وجود الهوائي المقعّر فإنّ العقول والأرواح تقوم يوميا بهجرة سريعة إلى الوطن الأم ولا تبقى هنا في السويد إلاّ الأجساد. وأخشى أن يصبح المهاجرون يعيشون في كانتونات لا علاقة لها بالسويد اللهمّ إلاّ في وجودها على الخارطة السويدية. ولم نقرأ أو نسمع أنّ الأحزاب السياسية السويدية دقت أبواب تجمعات المهاجرين لتشركهم في الواقع السويدي, ولم نسمع أنّ وسائل الإعلام السويدية حاولت أن تقيم جسورا مع واقع المهاجرين. والذي يتابع البرامج السويدية لا يخمّن أنّه يوجد في السويد مئات اللآلاف من المهاجرين. فكيف ينفتح السويديون على المهاجرين إذا كانوا يجهلونهم إلى درجة أنّ الكثير من السويديين يعتبرون المهاجرين مجرد عالة اقتصادية وإجتماعية على السويد.
&
* إنّ المئات بل الآلاف من المهاجرين علاقتهم بالسويد محصورة على علاقتهم بالمدرسة والدورات الدراسية أو في أماكن العمل المحدودة التي يتواجد فيها السويديون والذين يحذرون من تمتين العلاقة مع المهاجرين وهنا تلعب خلفية السويدي حول المهاجرين دورا كبيرا في جعل هذا السويدي أو ذاك حذرا باستمرار, وللأمانة فانّه من حق السويدي أن يحذر لأن أفعال بعض المهاجرين لا تشرّف أحدا, لكن من الخطأ& بمكان أن يستمرّ هذا الخوف إلى أجيالنا السويدية المقبلة والتي جزء كبير منها& من أصول مهاجرة لأنّه وبعد خمسين سنة ستكون هناك خارطة ديموغرافية جديدة في السويد نصف نسمتها من أصول مهاجرة.
&
إنّ الاندماج ليس مجرّد شعار, إنّه استراتيجية في حدّ ذاتها لا تنهض إلا بجناحي السويديين والمهاجرين على حدّ سواء وقبل أن تطير السويد إلى شاطئ الغد لابد أن ينفتح كل طرف على الأخر ثقافة وسلوكا ومنهجا في العيش, ومن العيب أن نعيش على خارطة واحدة ولا يفهم بعضنا الأخر.
&
&
والليل إذا يغشى في السويد
&
عندما يقبل الليل وأنت على مقربة من القطب الشمالي وبينك وبين العالم العربي مسافات كواكب ونجوم, يصبح لهذا الليل نغمة مغايرة وإيقاع فريد من نوعه خصوصا عندما يكون هذا الليل مصحوبا بهدوء يشبه هدوء أهل القبور, وظلمة حالكة ممزوجة ببرودة تنخر العظام نخرا, الليل السويدي هو لوحة سوداء مغرقة في السوريالية والتشاؤم, في ذا الليل بإمكانك أن تصير ما حلى لك أن تصير, فلك أن تصير متصوفا مستغرقا في العشق الإلهي, ولك أن تصير فيلسوفا إستغرقه التفكير في متاهات الوجود والعدم, ولك أن تصير عربيدا يداوي منفاه بالتي كانت هي الداء, ولك أن تصير من أهل المجون, لكن الليل السويدي هو الليل فمهما كانت ذاتك متغيرة يظل هو شديد الظلمة والبرودة يخرجك من طورك تارة, ومن سجيتك تارة أخرى.
ولأننا نعيش في عالم بلا صداقات, ولأن القيم في دنيا السويد تحولت هي الأخرى إلى سيولة نقدية خاضعة لسعر الصرف, فان الليل في هذه الحالة يصبح الرفيق والأنيس والصاحب الحقيقي في المنفى الجليدي, وقد أخذ هذا الليل السويدي من القطب الشمالي كل خصائصه, فهو مخيف و مظلم وبارد للغاية وفوق هذا وذاك فان لهذا الليل صوتا خاصا بل قل موسيقى مميزة صيغت نوتتها بين الموتى أو ربما في أعماق البحار المجهولة أو ربما هو الصمت القطبي عندما يصبح له صدى. ولطالما أذهب هذا الليل عقول الحالمين بوطن جديد لا وجود فيه للسجون ووسائل التعذيب, فأصبحوا وهم ينتمون إلى مملكة الفاقدين لعقولهم, وأما الذين لم يتمكن هذا الليل القطبي من التأثير على عقولهم فقد باتوا وأصبحوا وهم يبحثون عن خارطة خاصة لهوية أخرى وانتماء مغاير وأسماء جديدة. وعبثا يحاول المرء الفرار من هذا الليل إذ أنه في فصل الشتاء يطل عليك عند الظهيرة مباشرة ويسترسل في ملازمتك الى أن يجعلك تفتح كل سجلات الذاكرة والتي تزيدك تعذيبا عندما تعيد قراءتها وأنت تشاهد الفضائيات العربية التي سماها البعض هاهنا بالفضائيات الغنائية ويوجد من سماها بالفضائيات الرئاسية حيث أنها أنشئت لخدمة الرؤساء دون غيرهم. ولأننا هجرنا واقع الرؤساء فإننا نضطر أن نغلق الشاشة ولسان حالنا الليل السويدي على سوداويته أفضل من الواقع العربي برؤسائه المنهزمين!