- القصة الكاملة لمحاولة اغتيال عدي صدام حسين
- تخطيط جريء أضاع خيوط الكشف عن مطلقي الرصاص علي عدي وسط بغداد
قد تحيد بعض كتب نقل الوقائع والأحداث عن المسار الموضوعي ويطلق الكاتب الحرية لمشاعره علي حساب الموضوعية،
إلا ان الدكتور الصحفي هاشم حسن في هذه الاستذكارات الواقعية الخطيرة يتحرك بموضوعية الصحفي الذي لا يقول (أنا فعلت)،
بل بكل تواضع يقول سمعت وشاهدت..
وما يرويه هاشم حسن في هذا الكتاب (قال لي ابن الرئيس) شهادة مروعة عن بلد سحق فيه القانون بأحذية مسؤوليه
لينقاد ويقاد إلي الكارثة المهولةالحالية والمنتظرة. وفي تفاصيل سلوكيات عدي صدام حسين يقربنا هاشم حسن من الحقيقة بموضوعية منضبطة لنتعرف علي شذوذ (شخص) يعتقد أن جميع أبناء بلاد النهرين خدم لديه، وتلك وحدها تجعله مصاباً بمرض
خارج حدود التصنيف الطبي والاجتماعي.
في هذا الكتاب رحلة مروعة عاشها الكاتب ونقلها بحاسة صحفية ماهرة، تجعلنا في أقرب صورة لما أصاب شعب بلاد النهرين.
كثر الحديث عن محاولة اغتيال عدي صدام حسين مساء يوم الثاني عشر من كانون الأول (اكتوبر) عام 1996، واختلطت الوقائع الحقيقية بالأوهام المتخيلة عن واقعة الاغتيال نفسها، وما تلاها من إجراءات أمنية للبحث عن الجناة، ومراحل العلاج التي خضع لها عدي والتكهنات عن حالته الصحية الحالية.
سنحاول ان نضع النقاط علي حروف كل تلك الروايات المرتبطة بهذا الحادثة،وسنروي الوقائع الحقيقية وبما تيسر لنا من معلومات استقيناها عبر مشاهدات حية كنا فيها شهود عيان علي ما جري فعلا.. وأخري استمعنا إليها مباشرة وكما رواها عدي صدام حسين شخصياً بعد أيام قليلة من نجاته من الحادث المثير.
اعتاد عدي صدام حسين ان يقود سيارته بنفسه ويظهر في الأماكن العامة ويختلط بالعديد من الفئات الاجتماعية بحكم إشرافه علي منظمات واتحادات عديدة، فهو يتولي رئاسة اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية، ونقيبا للصحفيين، ورئيساً للاتحاد الوطني لطلبة العراق ولاتحاد الشباب أيضاً ومشرفاً علي إذاعة وتلفزيون الشباب ورئيساً لمجلس إدارة صحيفة بابل، والعديد من الصحف الأسبوعية إضافة لقيادته لمنظمة فدائيي صدام ولجان وهيئات أخري لا حصر لها إضافة لتعاملاته التجارية ومصالحه مع كبار المسؤولين في الدولة وعضويته في السنوات الأخيرة في المجلس الوطني وعلاقاته مع الفنانين والأدباء ومقابلاته المباشرة مع أصحاب الحاجات والطلبات الخاصة.
ناهيك عن تفاصيل أخري لحياة شاب يحاول ان يستمتع بما توفر له من مباهج الدنيا، فهو يدمن ركوب الخيل وممارسة الرياضة والرقص والخروج إلي الصيد ومجالسة الندماء حتي الفجر، ولا يتردد في حضور الحفلات وزيارة المنتديات الليلية، ويكاد يلتقي كل يوم بوجوه كثيرة في مقره في قصر العابد علي الضفة الغربية لنهر دجلة.. كان عدي يستمتع بجولات مسائية في بعض مناطق وشوارع بغداد الراقية خاصة أيام الجمع والعطل الرسمية حيث تزدحم هذه المناطق بأنواع البشر خاصة النساء الارستقراطيات والمنفلتات من أسر القيود الشرقية واللواتي يستعرضن مفاتنهن في عرصات الهندية والجادرية والمنصور وهي المناطق ذاتها التي يكرر عدي زيارتها بعدد قليل من رجال الحماية وفي أحيان كثيرة بدونهم! فهو يحب ان يمارس الصيد بعيداً عن أنظارهم!
وكان عدي في ساعات الليل المتأخرة يزور مطبعة رقم (4) في الأعظمية قرب جامعة البكر ليطلع علي مجريات العمل في صحيفة بابل.. وفي هذه الساعات التي يعم الهدوء فيها شوارع بغداد، وينسحب الناس إلي منازلهم مبكرين بعد رحلة عمل متعبة تدفعهم إلي نوم مبكر.. في هذا الوقت تبدأ حياة عدي فتراه يتنقل من مكان إلي آخر فيتجول بين المنتديات الليلية في فنادق الدرجة الأولي الرشيد، المنصور ميليا، الشيراتون، بابل، المريديان، نادي الصيد.. ومعه بعض الندماء والقليل من عناصر الحماية.، ويرتدي في أغلب الأحيان أزياء غير مألوفة مثل القمصان المزركشة وآخر صرعات الأزياء العالمية الباريسية التي يستوردها بانتظام كل موسم.. ويلبس أحياناً زي البادية، الثوب الأبيض الذي تتقاطع عليه أحزمة جلدية تغطيها صفوف الرصاص وحاضن لمسدس يضعه علي اليمين ويعتمر كوفية وعقالاً وكأنه من شيوخ شمر وهم في غزوات القرن الماضي، لا سيما وان (الأستاذ) يطلب أحياناً من حمايته ارتداء الزي ذاته!
وتجري في هذه الغزوات الليلية لعدي صدام حسين وقائع مثيرة تتسرب في اليوم التالي إلي الشارع العراقي فتصبح حبة الثلج كرة كبيرة يضيف عليها كل لسان ما شاء من تفاصيل، برغم ان الذي يحدث أحياناً لا يصدق بحد ذاته ولا يحتاج لخيال يضخمه!.. وفي هذه الأماكن تتكون لعدي كل يوم علاقات جديدة خاصة في المنتديات الليلية ومع سيدات وسادة الليل المغامرين المقامرين وجلهم نماذج غير مألوفة من البشر!
ولهذا نستطيع ان نجزم وبثقة غير مبالغ فيها، ونقول ان عملية اغتيال عدي صحيح أنها جريئة جداً ودقيقة التخطيط، لكنها لم تكن عملية مستحيلة أو صعبة لمن يريد ان يقرر اغتياله، لأن كثرة تحركات واختلاط عدي تتيح فرصة نادرة لرصده وضبط مواعيد جولاته المتكررة علي الأماكن ذاتها وبدون حماية في أحيان كثيرة.
ويختلف عدي في هذا الجانب عن شقيقه قصي الذي يضفي علي تحركاته طابع الإخفاء والتضليل المخابراتي المتقن، والتكتم الشديد علي تفاصيل علاقاته، وهذا ما يفسر اقتران حياة عدي وسلوكه بشائعات كثيرة جداً، مصدرها طبيعة الوسط الاجتماعي الذي يلتقي فيه من رياضيين وصحفيين وفنانين وتجار ورواد المنتديات الليلية!، بينما يقتصر قصي في لقاءاته علي مسؤولي الأجهزة الأمنية وقادة الجيش وفي مقدمتهم الحرس الجمهوري، ويمارس في الظل حياة مترفة فخمة لا تسلط عليها الأضواء مثل شقيقه الأكبر، ولعل هذه الصفة هي التي أعطته أرجحية في نظر والده فسلمه مقاليد السلطة ومنحه منها حصة الأسد وترك لنجله الأكبر حصة الأرنب! ولهذا يمكن القول ان قصي علي سر أبيه وليس عدي كما ذكر أحد الكتاب، والوقائع تؤكد ذلك وتكشف عن امتعاض صدام حسين من تصرفات نجله، واعتراضات النجل علي نهج أبيه كما سنوضحه في الفصول القادمة!
لم تكن ليلة الثاني عشر من كانون الأول (ديسمبر) عام 1996 ليلة عادية في حياة عدي صدام حسين، بل كانت نقطة تحول في حياته، واللحظة الأولي التي قرع فيها جرس الخطر لأسرة صدام حسين بكاملها. خرج عدي في تلك الليلة في سيارة البورش المميزة الشكل واللون،وأجلس إلي جواره علي الساهر أحد مرافقيه، والذي أصبح فيما بعد واحدا من نجوم الغناء في تلفزيون الشباب، برغم رداءه صوته وشكله الأسمر المتواضع، وشتان ما بين علي الساهر وكاظم الساهر ــ الذي ارتبط هو الآخر بعلاقات مع عدي انفرطت في السنوات الأخيرة ــ فلا تربط بين الرجلين علاقة قرابة أو قواسم مشتركة في الفن أو الأخلاق سوي التشابه بلقب الساهر فقط!
وتروي عن الساهر الذي تخصص بمرافقة عدي في جولاته الليلية وكان آخرها تلك الليلة الليلاء حكايات غريبة جداً.. فعرف عن علي الساهر أداء مهمة غريبة للأستاذ، تتمثل في الترويح عنه وإضحاكه من خلال القيام بحركات بهلوانية، تبدأ حين يدفع إليه عدي بقنينة خمر كاملة من الخمر العراقي المعتق، ويطلب منه احتساءها دفعة واحدة وخلال دقائق ليسكر حتي الثمالة.. بعدها يهبط الساهر أرضاً ليمشي علي أطرافه الأربعة مثل الدواب ويقترب من قدمي عدي وهو يقلد حركات الكلاب ويطلق سيلاً من النباح وبنغمات متنوعة تدلل كل نغمة علي حالة معينة أو صفة، فتارة يقلد الساهر صوت كلب الحراس الشهير الدولف،وأخري يعوي مثل كلب الصيد (السلوقي) وثالثة يقلد صوت الجراء الصغيرة، أما الحالات فهي كثيرة، حالة الكلب وهو يهاجم،وهو يمضغ العظام أو هو يستسلم للمتعة وشهوة اللذة، والحق يقال ان الساهر أثبت موهبة في هذا المجال أكثر من إثبات قدرته علي الغناء!
وتستمر هذه اللعبة حتي يقترب الكلب الإنسان ليشم قدمي الأستاذ، وينال منه ركلات عديدة مصحوبة بضحكات وقهقهات هي علامة النشوة والرضا واقتراب نهاية الدور للشروع في الخروج إلي جولة ليلية علي أمل ابتداع متعة جديدة مع صيد جديد في شوارع أو منتديات بغداد!
داود الفرحان طالب برفع أيدي السلطات عن الصحافة والصحفيين الحقيقيين في مقال هذا نصه:
الذين يخدشون الحياء
قررت وزارة الثقافة والإعلام إغلاق مجلة المصور العربي الفصلية التي تصدرها الجمعية العراقية للتصوير لأنها نشرت في عددها الأخير صورة فنية تعتقد الجهة المسؤولة في الوزارة أنها تخدش الحياء العام.. ونحن معها في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي مطبوع يخدش الحياء العام.. ولكننا نظن ان إجراءها ضد المجلة إجراء مبالغ فيه.. فقانون المطبوعات ــ كما نعتقد ــ ينص علي توجيه عقوبة الإنذار إلي المطبوع الذي يخالف مواده، وقد يصل الأمر إلي إيقاف المطبوع عن الصدور لفترة معينة ولكنه لا ينص علي إغلاق المطبوع نهائيا وسحب امتيازه عقابا له في أول (هفوة).. غير أننا نعرف والوزارة تعرف ان الصورة الفنية المنشورة التي التقطها مصور عالمي في عام 1951 ليست هي السبب ولكنها (القشة).. فقد سبق ان طالبوا المجلة بالصدور كل ثلاثة أشهر من فصلية إلي شهرية.. ثم طالبوها بان تستورد الورق بنفسها ولا تشتريه من تجار السوق المحلية.. وهو مطلب غريب وعجيب لو طبقناه علي الميادين الأخري لكان واجبا ان يستورد كل مواطن احتياجاته بنفسه من الخارج بدلا من شرائها من السوق المحلية ثم طالبوها ان لا تنشر أي كلام وتقتصر موضوعاتها علي الصور باعتبارها مجلة فوتوغرافية!
فالحكاية ليست حكاية صورة ولا حكاية مجلة (المصور العربي) ولكنها حكاية حرية الصحافة وحرية الرأي وحرية التعبير التي يتحدث عنها البعض كثيراً ولا يطيق ان يسمع أو يقرأ أو يشاهد رأياً واحداً مختلفا ولا نقول مخالفاً.
لقد تصدت هذه المجلة بجرأة شديدة وشجاعة وطنية لكل أوجه الفساد الإداري والاجتماعي بالصورة والكلمة، وفضحت المتاجرين بقوت الشعب ومشوهي الشعارات الجميلة والمنافقين بالكلام المعسول والمسؤولين البيروقراطيين الفاشلين.. فاستحقت عن جدارة احترام الرأي العام وتقديره.. وهو أقصي ما يطمح إليه أي مطبوع ناجح وأي صحفي شريف.. ولذلك انهالت عليها السكاكين ودعاوي المحاكم والتهديدات والاتهامات ثم جاء قرار الوزارة انحيازا مؤسفا لكل هؤلاء ضد المجلة.. وهو انحياز لم نكن نتوقع ان تقع الوزارة في فخه، وكنا نأمل ان تتروي كثيرا قبل ان تقدم عليه، وما زلنا نأمل في ان تعيد النظر فيه.. فقرار إغلاق مجلة أو جريدة ليس مثل قرار إغلاق مطعم لأسباب صحية.. والمسؤولون النزيهون المخلصون الشرفاء الأقوياء لا يخشون الصحافة الحرة فهي حصن أمان لهم ومصدر قوة المواطن.
وإذا كانت المصور العربي قد أخطأت في نشر الصورة موضع اعتراض الوزارة الظاهري فللوزارة ان تنذرها بعدم تكرار ذلك أو تقاضيها أمام المحاكم ولكن إغلاقها أمر غير عادي ويجب ان لا يمر مثل مرور كثير من القرارات المتسرعة التي تتخذها بعض الدوائر.
لقد كان متوقعا من الوزارة ان تكون اكثر حلما وحكمة في التعامل مع الرأي الآخر ما دام الرأي الآخر منشورا في صحف ومجلات تصدر بصورة مشروعة في العراق.. فإغلاق مجلة أو جريدة عمل لا يحسب للوزارة ولكنه يحسب عليها، ولم يحدث منذ تولي السيد الرئيس القائد المسؤولية الأولي في الدولة والحزب ان ألغت الوزارة امتياز جريدة أو مجلة، فلماذا لجأت إلي هذا الإجراء الآن ولماذا هذه الحملة في الفترة الأخيرة ضد حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الصحافة التي يكفلها دستور الثورة ويرعاها السيد الرئيس القائد وتدعوا إليها أدبيات الحزب؟ ولماذا تساهم الوزارة ــ من حيث لا نقصد ــ في تغذية الحملة الدعائية المعادية التي تتهم بلدنا بمصادرة الحريات العامة وبضمنها حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الصحافة؟
ان حقنا في هذه الحريات نحن أبناء مهنة الصحافة يوازي حق الجميع في البطاقة التموينية بل نقول لكم بلسان كل الصحفيين الملتزمين بقضايا الوطن والشعب: خذوا البطاقة التموينية واعطونا حرية الصحافة ونحن لا نريد هذه الحرية منكم منحة أو منة فهي من حقنا لأننا قاتلنا دفاعا عن العراق العظيم ولم نهرب خارج الوطن حين انهالت الصواريخ والقنابل علي بيوتنا ولم نمد أيدينا إلي مغريات الأجنبي أو العربي ولم نستنكف من تناول الطحين الأسود ما دام شعبنا كله يتناوله.
أرفعوا أيديكم عن الصحافة والصحفيين الحقيقيين ودعوا الصحافة العراقية تسترد عافيتها التي يريد تشويهها الأدعياء والضعفاء والكذابون والمنافقون والدجالون والمحتالون والشحاذون وآكلوا لحمة الكتف فهؤلاء والله هم الذين يخدشوه الحياء العام!