في الذكرى السنويةِ لعهد رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون، يستمرُّ الجدل في بيئةٍ سياسية بالكاد تُجمِع على تصوّر أو مقاربة... وشارع شعبي لم تعلِّمه التجارب الصعبة أهمية التوافق على الحد الأدنى.
اليوم مع إكمال «العهد» سنته الأولى، تبدو مشاكل لبنان نقطة في بحر مشاكل المنطقة، بل العالم كله. ولنبدأ بالأقرب فالأبعد... حيث لا أقرب للبنان جغرافياً من سوريا وإسرائيل. ولئن كان قد انحسر عن لبنان ظل هيمنة نظام الأسدين (الأب والابن) التي طالت لعقود، فإن الوضع مع إسرائيل مختلف تماماً؛ إذ إن سوريا كيان شقيق، بل توأم. وهذا، طبعاً، ليس حال «العلاقة» مع إسرائيل منذ أُسّس كيانها بعد «نكبة 1948» على أنقاض فلسطين وهويتها ومصالح شعبها... الذي هو شعب عربي شقيق للشعب اللبناني.
وحقاً، ظل لبنان واللبنانيون سنداً لإخوتهم، ودفعوا وما زالوا يدفعون فاتورة الإصرار الإسرائيلي على إلغاء الهوية الفلسطينية، والتنكّر لحقوقهم الإنسانية والسياسية. وأدت الاعتداءات المستمرة على الأراضي اللبنانية - بما فيها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين - إلى ظهور حركات مقاومة، بدأت قومية عربية ويسارية... قبل أن تطغى عليها هوية إسلامية بدعم مباشر من إيران، عبر «حزب الله».
لكن، اليوم، إيران نفسها تجد نفسها في «عين العاصفة»، إثر تمكّن إسرائيل من إضعاف بنية «حزب الله»، وقطعها جسر الإمداد عبر سوريا إثر سقوط الحكم الأسدي. وعليه، ما يحدث في إيران سيمسّ حتماً لبنان وغير لبنان في منطقة الشرق الأدنى. ثم إن ثمة إشكالية يجسّدها «مصير» لاعب إقليمي بحجم إيران، ونفوذها وامتداداتها والولاءات الثقافية والمذهبية المرتبطة بها. ومن المخاطر الحقيقية في المنطقة، على الدول العربية المجاورة لإيران، ما ستسفر عنه التطورات الحالية بصرف النظر عن طبيعة النتيجة النهائية.
إن «فيروس» إيران مفكّكة ومقسّمة لن يقتصر بالضرورة على أراضيها، بل قد تمتد عدواه إلى كل مكوّناتها العرقية واللغوية والدينية والمذهبية، وأيضاً خارج أراضيها... وعندها يغدو احتمال إعادة رسم الخرائط قوياً جداً.
وفي المقابل، إذا نجح «الخصوم الكبار» لنظام طهران، يتقدّمهم «محور واشنطن - تل أبيب»، في إسقاط «حكم الملالي»، مع الإبقاء على الكيان تحت قيادة حكم قومي فارسي قومي الولاء - مثل نظام الشاه السابق - قد لا تكون فرص التعايش المطمئن مع الجيران العرب متاحة. وهنا التاريخ يقف شاهداً على حقبة «شرطي الخليج»... ومشاكل شطّ العرب وجزر الخليج المحتلة.
هذه ذكريات لا تُمحَى بسهولة، والمرجح أنها لن تُمحى أبداً إذا فرض «ليكوديّو» إسرائيل رؤيتهم لمستقبل المنطقة، ومضوا قدماً في تفتيت أي كيان كبير وقابل للحياة في عموم غرب آسيا.
وبالتالي، فإن العراق وسوريا ولبنان، وطبعاً دول الخليج وشبه الجزيرة العربية، ناهيك من تركيا ومصر، ستتأثر بأحداث إيران... كائنة ما كانت الحصيلة النهائية.
بكلام آخر، نحن الآن إزاء اختبار مهم وخطر لـ«نظام إقليمي» مهدّد بالزوال قبل أن تنضج رؤية واضحة لنظام بديل. وأيضاً، نحن لسنا بالضرورة أقوى من أوروبا التي تصحو وتنام على القلق من الغد. فهنا أيضاً «نظام إقليمي» بات مهدداً بالسقوط منذ تدخّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، ولاحقاً بعد تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فنزويلا...
في أوروبا، ككل، يقف «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) على شفير الهاوية. وتتحوّل جزيرة غرينلاند إلى «فتيل تفجير» قد يقضي اشتعاله على كل القناعات السياسية التي نشأت وتربّت عليها نخب السياسة وشبكات المصالح الاستراتيجية.
أمس كسر رئيس وزراء كندا مارك كارني، الذي تملك بلاده أطول حدود برّية مع الولايات المتحدة، أول المحرّمات بعقده سلسلة اتفاقيات اقتصادية ضخمة مع الصين. ومباشرةً، فسّر المحللون الغربيون هذه الخطوة بأنها «ردٌّ عملي» على مطالبة واشنطن لكندا بأن تصبح الولاية الأميركية الـ51.
أيضاً، تدلّ الخطوات «التضامنية» المتتالية مع الدنمارك من عدد من دول أوروبا الغربية في شأن جزيرة غرينلاند... على انهيار عاملَي الثقة والطمأنينة إزاء الولايات المتحدة، أقوى حلفائها الغربيين. ومعلوم أن هذين العاملين أخذا يهتزّان في حسابات النخب الأوروبية المؤسساتية منذ شعرت هذه النخب بوجود «انسجام» بين الرئيسين ترمب وبوتين.
غير أن المشهد الأوروبي - الأميركي أخذ يزداد تعقيداً... مع تراجع وترنّح العديد من الأحزاب المعتدلة (يميناً ووسطاً ويساراً) في غرب أوروبا، وصعود تيار يميني متطرف في عموم القارة. وبموازاة هذا الصعود، كسب اليمين المتطرف عدة معارك في أميركا اللاتينية، بينما يسود الغموض معادلات مجموعة الـ«بريكس»؛ الكتلة السياسية والاقتصادية الصامتة.
أنظار كثيرين تنصبّ الآن على خيارات الـ«بريكس»، وبالأخص، إذا استطاعت واشنطن إضعاف «اندفاعة» الصين عن طريق سلخ الهند عن المجموعة.
وبعد هذا، سيكون مثيراً ما سيحمله المستقبل لأفريقيا.

















التعليقات