العفيف الأخضر
&
&
&
&
ما العقل وما العقل العربي؟
الحداثة هي انتصار العقل علي النقل اي انتصار الاستدلال علي ايمان العجائز والمعقول علي المنقول عن الأسلاف من عادات ومعتقدات عاجزة عن إثبات شرعيتها العقلانية امام محكمة العقل.
ربما كان تعريف ما ليس العقل هو الطريق الاكثر امانا لتعريف العقل. المشاعر الشعورية او اللا شعورية كالحب والعداء والشعور بالذنب ليست العقل لأنها متحررة من قوانين العقل والمنطق، الفكر السحري ليس العقل لأنه، عكس العقل، يطلب من الواقع اعطاءه نتائج مخالفة لقوانينه، الحدس ليس العقل لأنه ليس طريقة عقلانية في البحث عن الحقيقة ومعطياته لا سبيل للتأكد منها، المخيلة ليست العقل لأن احلام اليقظة والاسقاطات والتخيلات التي تنتهجها علي اهميتها في الأدب والفن متمردة علي رقابة العقل، الاهواء والانفعالات الهاذية ليست العقل لأنها لا تكون قوية إلا بقدر ما يكون العقل ضعيفا، اليقين الدوغمائي الأعمي ليس العقل لأنه لا يقبل الشك ولا النقاش المتعارض وهما من اخص خصائص العقل، الرغبة ليست العقل لأنها مقطوعة من الواقع وتهزأ من قوانينه فيما العقل منضبط بقوانين الواقع التي هي ايضا قوانينه كقانون عدم التناقض الذي هو الأساس الذي يقوم عليه العلم الحديث والذي عرفه ارسطو عندما قال: "يمتنع ان يوجد الشيء وان لا يوجد في وقت واحد ومن جهة واحدة".
فما هو العقل إذن؟ هو القدرة علي التفكير البرهاني التي ظهرت في اليونان في القرن السادس قبل الميلاد علي انقاض الاسطورة والوحي اللذين كان الاغريق يعيشون عليهما: قبل خوض اي حرب او مغامرة سياسية كانوا يستشيرون عراف معبد دلف عن نصيحة الإله التي يوحي بها الي العراف دونما حاجة الي تفكير شخصي في هذه الأمور.
خلافا للفكر الاسطوري العابر للتاريخ اي الصالح لكل زمان ومكان، فإن العقل يتعقل الظواهر في سياقاتها التاريخية، الزمانية والمكانية، اي في نسبيتها. الاسطورة معصومة من الخطأ لأنها من صنع الآلهة اما العقل فمجبول علي الخطأ لأنه من صنع الانسان ويبحث عن معرفة الظواهر النسبية بأدوات نسبية ولأنه هو نفسه نسبي يعيد انتاج نفسه في التفكير العقلاني والبحث التقني والعلمي والمؤسسات الانسانية التي صنعها ويعيد صنع نفسه بها، العقل يتطور بوتيرة تطور آثاره. هذا يعني ان العقل ليس فطريا بل مكتسب جاء من التجربة والتفكير معا ولم ينزل الينا من المحل الأرفع علي ما قال ابن سينا في الروح: حجم دماغ الانسان لم يتغير خلال عشرات آلاف السنين لكن العقل، منتوج هذا الدماغ، قطع خلال هذه الحقب تطورا مدرعا: لقد عجز ابن عمنا الشامبانزي، الذي انحدرنا واياه من جد مشترك، منذ 8 ملايين سنة عن الانخراط في مسار الابداع التكنولوجي او علي الاقل عن تطويره فظل قردا. فما الذي جعل ذلك الحيوان الفقري المشابه له شكلا وشفرة وراثية يواصل مسار تطوره الي الانسان المعاصر؟ لا شيء يقول فردريك انجلز: غير العمل الذي حوله الي انسان. او العمل اولا والوعي ثانيا كما يثبت ذلك ايف كوبنس Y. COPENS عضو اكاديمية العلوم واستاذ الباليونتولوجيا بالكوليج دو فرانس: يثبت لنا علم ما قبل التاريخ (المكتوب) علي نحو رائع مسار تطور وارتقاء التكنولوجيا والفكر الرمزي (...) كان الانسان منذ مليوني سنة يصنع من كيلو واحد من الصوان 10 سنتيمترات شفرة (سكين) مفيدة، اما منذ 500 الف عام فبات يصنع منه 40 سنتميترا ومنذ 50 الف عام بات يصنع منه 200 سنتيمتر ومنذ 20 الف عام بات يصنع منه 2000 سنتيمتر (..) ومنذ 50 الف عام شرع يدفن موتاه لتسهيل رحلتهم الي عالم آخر . كما يقول العالم الفرنسي. وهكذا استطاع العقل البشري، بالعمل والتفكير، ان ينقل الانسان من الكهوف الي ناطحات السحاب، من الفكر السحري الي الفكر العقلاني ومن الاهتداء بالعِرافة الي الاهتداء بالمعرفة.
هذا العقل التاريخي، اي الخاضع لمتطلبات الزمان والمكان، هو وسيلة الانسان الوحيدة الي التفكير السليم واعادة التفكير في تفكيره، لأنه ليس كما تدعي الاسطورة معصوما من الخطأ بل ان الخطأ، بما هو مجانبة للصواب في التدبير والتفكير، جزء لا يتجزأ منه. لذلك فهو لا يجد الصواب للوهلة الأولي بل يصل اليه بعد لأي عن طريق تجربة الخطأ والصواب. لكن ما يميز العقل عن جميع مناشط الدماغ البشري هو انه الوحيد القادر علي نقد ذاته، اي مساءلة منجزاته وطرح فرضياته علي بساط التجربة والبحث للتأكد من سداد تفسيراتها للظواهر وتعويض الفرضيات التي اظهرت حدودها بفرضيات جديدة اشمل تفسيرا اي اكثر موضوعية. العقل يكمل نفسه اكثر فأكثر من خلال نقد نفسه باكتشاف الزيف في ما كان يعتقده علما والخطأ في ما كان يعتقده حقيقة والنقص في ما كان يظنه مكتملا والذاتي في ما خاله معرفة موضوعية. لكنه الوحيد القادر على انتاج معرفة موضوعية اي مستقلة بقدر الامكان عن الاسقاطات الذاتية، بحيث يستطيع كل عقل سليم ان يمتحنها ويتأكد منها ويسلم بها. العقل نسبي وخطّاء ومع ذلك - بل ربما من اجل ذلك - فهو كلي او كوني: يسلم به ذوو العقول السليمة على اختلاف انتماءاتهم الخصوصية.
هكذا يبدو مصطلح "العقل العربي" الذي طرحه الجابري في سوق التداول الفكري تناقضا في الحدود كقولنا نهار مظلم. فالعقل ليس له انتماء اثني او جغرافي وإلا كف عندئذ عن ان يكون عقلا. انتشرت عبارة "العقل العربي" رغم جرعة الخطأ القاتلة التي تنطوي عليها لأنها داعبت النرجسية الجمعية الجريحة من تهمة انها بلا عقل فتلقفها الاعلاميون والمثقفون المتسرعون كآخر موضة فكرية. لو سمى الجابري عقله العربي "العقل المغربي" او الموريتاني او الصحراوي لاستفز عندئذ الحس النقدي، فضلا عن الفكر النقدي، لدى قرائه واكتشفوا المفارقة العبثية.
من اين جاء الجابري بهذه الحماقة الفلسفية هو الذي حاول بـ "نقد العقل العربي" محاكاة كانط في" نقد العقل" المحض والعملي؟ اكبر الظن انه اتى بها من ترجمة خاطئة لـ MENTALITE التي تعني العقلية او الذهنية. هنا يجوز، رغم اعتراض الانتربولوجي، ليفي شتروس، ان نتحدث عن عقلية عربية في مواجهة عقلية غربية وعن عقلية مغربية وتونسية وقطرية.. لأن العقلية تشير الي الثقافة اي مجموع التصورات والسلوكيات والآراء والمعتقدات والمؤسسات التي تتميز بها مجموعة بشرية عن سواها في ملبسها ومأكلها ومشربها وأفراحها وأتراحها وتقاليدها.. إلخ، حتي في هذه المجالات فالفوارق نسبية وثورة الاتصالات والسياحة جعلت توحيد العقليات مسألة وقت لا أكثر..
ألا يحق للقارئ أن يسأل نفسه عن عدد المرات التي يلتقي فيها بالعقل كما شخصناه في ما يقرأ من كتابات عربية؟
&
&
&
لماذا افتقدنا العقلانية السياسية والدينية؟
ما التدبير والتفكير العقلانيان؟ هما اللذان لا تتحكم فيهما الأهواء من حب وبغض وانفعال وغيره وهوس وهستيريا وبارونيا، وباختصار كل ما لا يفكِّر فينا، كل ما لا يتحكَّم فيه العقل بما هو قدرة علي التمييز بين الذاتي والموضوعي، بين الحق والباطل، بين القيم الإنسانية الكونية وبين القيم الثقافية -الدينية الخاصة بكل جماعة بشرية كقيمتي الحلال والحرام.
ما هو معيار التدبير والتفكير العقلانيين؟ تطابقهما مع العقل، مع قوانين المنطق، مع قوانين الواقع التي هي أيضاً بحكم قانون الانتخاب الطبيعي قوانين العقل الكونية - بل إن العقل نفسه منتوج الانتخاب الطبيعي: منتوج التعلم بطريقة الخطأ والصواب عبر ملايين السنين، قطعاً لم تحقق البشرية حتي الآن العقل في الحياة اليومية. لكن المجتمعات الصناعية الديمقراطية قلصت اللاعقلاني في العلاقة بين المجتمع والفرد المستقل نسبياً عنه في اختيار قيمة ونمط حياته وبين المواطن والدولة التي غدت خاضعة لضوابط مؤسساتية تحد من طغيان المجتمع والدولة على الفرد ومن عدوان المصلحة الخاصة على المصلحة العامة وألغت كلياً تحكم النقل في العقل.
أما المجتمعات التقليدية اللاديمقراطية مثل المجتمعات العربية فاللامعقول فيها مازال طاغياً علي المعقول والنقل على العقل والمجتمع علي الفرد واسترقت المعتقدات والخرافات والتقاليد البالية والأحكام المسبقة والأهواء السياسية والدينية عقول جل سكانها ونخبها. عقلانيتنا السائدة هي حساب أنجع -وأفظع- الوسائل لتنفيذ أهوائنا السياسية والدينية. أثارت عمليات بن لادن الانتحارية إعجاب الكثيرين ليس لكونها لبّت الرغبة المجنونة في الثأر من الغرب وحسب، بل أيضاً لأن وسائل تنفيذها كانت علي درجة عالية من العقلانية. أي من النجاعة والدقة في استخدام التكنولوجيا بتحويل الطائرات المدنية الي صواريخ حربية وقراءة حساب لكل شيء بما في ذلك توقيت هدم البرجين التوأمين ليتزامن مع ذروة المشاهدة التليفزيونية في العالم أجمع حتى يكون الحدث مشهوداً.
هذه العقلانية الإجرائية والإجرامية الموظفة في خدمة قرار لا عقلاني وهذه ليست هي العقلانية التي نفتقدها في العالم العربي. فما هي العقلانية التي نفتقدها؟ عقلانية صناعة القرار السياسي والقراءة العقلانية للنص الديني.
غياب العقلانية السياسية يتمثل في غياب الحداثة السياسية: التداول السلمي علي الحكم، الانتخابات النزيهة، دولة القانون، المؤسسات الحديثة، احترام حقوق الإنسان والمواطن. طبعاً هذه الغيابات كلها فادحة ويغذي بعضها بعضاً لكن ربما كان أشدها فداحة: لا عقلانية صناعة القرار. في 10/8/1990 صرح صدام في اجتماع مع المخابرات العسكرية: هل تعتقدون أن قرار استعادة الكويت كان قراري الشخصي؟ ..لا.. على الإطلاق.. إنها رؤيا رأيتها في المنام ووجدت نفسي ملزماً بالاستجابة لها. انها إرادة الله ودورنا هو تنفيذها وحسب (سعد البزاز، الجنرالات آخر من يعلم ص ،101 دار الحكمة، لندن).
حالة صدام هاذية، لكن القرار في معظم البلدان العربية لا يصنع بطريقة عقلانية: تحديد الأهداف وتحديد الوسائل الملائمة لتحقيقها. لا عقلانية المناهج الدينية تعكس الدرجة صفر في لا عقلانية صناعة القرار لأن خيار التعليم الديني في مجتمعاتنا مؤشر علي طبيعة الخيارات السياسية للنخبة السائدة. القرار العقلاني الحديث هو الذي تصنعه مؤسسات عقلانية أي خاضعة لضوابط موضوعية مماثلة للضوابط الموضوعية التي تخضع لها نفس مؤسسات صنع القرار في العالم حيث لا أثر للحكم الفردي في صناعة القرار بل يصنعه من ألفه الي يائه الأخصائيون في صنعه وهم مؤسسات عدة لا أفراد. أما القرار في كل البلدان العربية فمن صنع الحكم الفردي. فهو إذن لا عقلاني.
إذا كان الانفجار الديموغرافي يحكم في البلدان العربية -باستثناء البلدان الخليجية- بالإعدام علي كل جهد تنموي، وإذا كانت القوانين مازالت في معظمها عتيقة، وإذا كان التعليم مازال متخلفاً والتعليم الديني رهينة فقه القرون الوسطي والاقتصاد غير مندمج بما فيه الكفاية بالاقتصاد العالمي وإذا كان الإعلام الحكومي والخاص مازال في معظمه مصدراً لترويج اللامعقول السياسي والديني وإذا كانت حرية التعبير والتفكير في الحضيض، وباختصار إذا كان المواطن في العالم العربي، حسب تقرير الأمم المتحدة للتنمية، يضاعف دخله السنوي -خارج بلدان الخليج- مرة كل 140 عاماً والحال أن الفرد في دول العالم الأخري، غير دول افريقيا جنوب الصحراء، يضاعف دخله في أقل من عقد فذلك أساساً بسبب لا عقلانية صناعة القرار في شتي المجالات.
غياب العقلانية في صناعة القرار جعل العالم العربي لا يعرف الي أين هو ذاهب، الاتجاه غير ثابت، الحكومات مشلولة، مؤسساته يرثي لها، نخبه السياسية تفتقد الشرعية الديمقراطية والشجاعة السياسية، إذن نفتقد كل شيء.
بالمثل العقلانية الدينية غائبة، ما العقلانية الدينية؟ هي التي لا تقبل من النصوص الدينية إلا ما كان متفقاً مع العقل ومصلحة المواطن. تمثلت العقلانية الدينية الإسلامية في تأويل النقل بالعقل وبالقراءة الرمزية للنص وفي تجاوز ثنائية الكفر والإيمان التفتيشية بثنائية الظلم والعدل العقلانية وفي تقديم المصلحة علي النص. قال ابن رشد، بعد المعتزلة، بتأويل النص غير المتفق مع العقل بالعقل لصالح العقل إذن لصالح الإنسان. لماذا؟ لأن الله لا يمكن أن يعطيناً عقولاً ويعطينا نصوصاً مخالفة لها!! وقال المعتزلة وبعض المتصوفة بالقراءة الرمزية للنص فاعتبروا الجنة والنار رموزاً، قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسير آية: وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (،117هود) إن الله يعذب القرية المدينة لا علي كفرها بل علي ظلمها، فالله يثيب القرية الكافرة العادلة ويعذب القرية المسلمة الظالمة وأخضع الفقية الحنبلي الفذ، نجم الدين الطوفي، معاصر ابن تيمية، النص لـ المصلحة العقلية وقدمها على النص دافعاً بذلك الاجتهاد الي نهايته المنطقية .
هذه العقلانية الدينية الإسلامية الرائدة في القرون الوسطي، عندما كانت الكنيسة الكاثوليكية غارقة في القراءة الإيمانية والتقليدية والحرفية للنص الديني، انهزمت أمام انتصار القراءة الحنبلية الإيمانية والحرفية للنص، فدفع العالم العربي طوال سبعة قرون ومازال ضريبة هذه الهزيمة الفادحة: تعليماً واعلاما دينيين ظلاميين أي لا عقلانيين وسقوط قطاع من نخبه في الهذيان. كشف الكاتب الفرنسي الهاشمي شفرون في كتابه نقد العقلية العربية انه مازالت تؤلف كتب تعتمد علي آلات حاسبة لمعرفة عدد الملائكة وتحددها ب 120 مليونا كان من الممكن تجنيدها في حرب العرب والمسلمين ضد اسرائيل تقليداً أعمى للفهم الحرفي للنص الخاص بقتال الملائكة مع المسلمين في بدر.
يتضح من آخر الدراسات التي أجراها المركز القومي للبحوث الجنائية، في القاهرة، كما تقول فابيولا بدوي (الحياة 29/6/2003) ان المصريين ينفقون 10 مليارات جنيه، أكثر من دخلهم السنوي من قناة السويس، على قراءة الغيب وفك السحر والعلاج من الجان وأن 300 ألف مصري يعالجون من الجان بالقرآن والإنجيل ومليون مصري علي الأقل يعتقدون أن بهم مساً من الجن...
هزيمة العقلانية الدينية الإسلامية أمام القراءة الحرفية للنص هي المسؤول الأول عن الهوس الذهاني بإدخال الجن على بكرة أبيهم في الإسلام كما تطالب المناهج الدينية السعودية وعن إخراج الجن من أجساد المصريين.. وهي المسؤول الأول عن تحول المسلمين الي أمة من الرعاع كما اعترف مؤخراً شيخ الأزهر.
ضرورة اقتباسنا للعقلانية السياسية من الخارج وضرورة عودتنا الي العقلانية الدينية الإسلامية لكن على نحو أرقى وأكثر تماسكاً وشجاعة يمران كلاهما بتبني الديمقراطية وحقوق الإنسان بإدراجهما في نسيجنا الثقافي واستبدال التعليم والإعلام الدينيين اللاعقلانيين بتعليم وإعلام دينيين عقلانيين لتنمية وإعادة تنشيط عقولنا المتخلفة والهامدة لتأهيلها لمعاصرة عصرها باستبطان عقلانيته وقيمه.
فهل سنفعل ومتى؟!
&
&
تحقيق العقل في الحياة اليومية
أزمة العقلانية في المجتمعات العربية أزمة غياب لعقلانية صنع القرار وللعقلانية الدينية (الراية 28/7/2003)، أما أزمة العقلانية في المجتمعات المتقدمة فهي في السيناريو المتفائل، أزمة نمو أي أزمة انتقال إلي طور أرقي. ما يميز الحداثة عن القدامة هو قدرتها المتجددة علي مواصلة تحديث نفسها عبر نقد نفسها لاكتشاف وتجاوز اختلالاتها كذلك لا يكون العقل حقا عقلا إلا إذا نقد نفسه بنفسه لتحسين أدائه العقلاني. بالمثل علي العقلانية لتكون منطقية مع نفسها أن تفكر وتعيد التفكير في عقلانيتها عسي أن تقترب شيئا فشيئا من عقلانية الأنوار: تحقيق العقل في الحياة اليومية .
عائقان يناضلان ضد هذا الاقتراب: لا عقلانية الإنسان العميقة ولا عقلانية الاقتصاد والسياسة البنيويتين.
الواقع (ظواهر الطبيعة) عقلاني أي قابل للفهم بالمعرفة العلمية لأنه مكتوب بالمعادلات الرياضية مثلا الكهيرب، الجزئي الأساسي المكون للذرة، لم يكتشفه الفيزيائيون بأي ميكروسكوب بل بالرياضيات العليا.
المفارقة هي ان الإنسان المتميز عن الاحياء الأخري بالعقل، ليس عقلانيا: من الغباوة، يقول الفيلسوف والمحلل النفساني كاستوريا ديس، اعتبار الإنسان عاقلا بل هو أقل عقلانية من الحيوان . تماما كما عاين قبله العقلاني فرويد بأن العقل ليس سيدا في بيته ، لماذا؟ بسبب اضطرابات الشخصية النفسية والذهنية، من العصاب الي الذهان الجنون من العصاب الفردي الي العصاب الجماعي، مثل الهستيريا الجماعية والعصاب الهوسي الجماعي من الهذيان الفردي الي الهذيان الجماعي تذكروا هذيان الجموع غداة غزو صدام للكويت .
اضطرابات الشخصية هذه، وهي أعدل الأشياء قسمة بين الناس، تشكل عوائق معرفية ونفسية تعتقل العقل فلا يعود قادرا علي التفكير والسلوك العقلانيين، كيف؟ الغرائز، الرغبات المقطوعة من الواقع، التخييلات، الانفعالات، المخاوف اللا عقلانية الاحكام المسبقة، الاسقاطات، الاوهام والاهواء السياسية والدينية المقيمة في اللا شعور تسترق الشعور اي العقل فلا يعود قادرا علي الذهاب للبحث عن الحقيقة بذكائه وحده لانتاج معرفة موضوعية بامكان كل عقل سليم ومؤهل ان يفحصها ويسلم بها.
هل استرقاق اللا شعور للشعور، اي اللاعقل للعقل هو قدر الانسان؟ كلا بامكان العقل، حسب التحليل النفسي، ان يستقل عن اللا شعور ويقيم معه علاقة جديدة يغدو هو فيها متحكما بوعي في اللاشعور، اي يمنع الغرائز والرغبات العدوانية من التعبير عن نفسها قولا وفعلا لانها تتنافي مع مجرد العيش معا في مجتمع لا يكون فيه الانسان ذئبا للانسان، وبالمقابل يسمح لغرائز الحياة وللرغبات الانسانية بتحقيق نفسها ضد التحاريم الغبية. كيف يستطيع العقل ان يقيم مع اللاشعور علاقة عقلانية اي مستقلة؟ يجيب علم نفس الاعماق ب الثورة التربوية ، في العلاقة القائمة علي استرقاق اللاشعور للعقل تكون المعادلة النفسية - الاجتماعية: ابوين عُصابيين يربيان اطفالهما تربية عُصابية كما ربياهما وهكذا دواليك، حسب هذين الابوين ان يجلسا علي اريكة التحليل النفسي ليتخلصا من عصابهما الذي أورثتهما اياه تربية اسرية، مدرسية واجتماعية مؤنبة ومذنبة، عندئذ يربيان اطفالهما تربية سليمة تقيهم من الاصابة بالشعور بالذنب المؤدي للعصاب وللجنون ايضا اي الي اللاعقلانية. وهكذا يغدو الفرد ذا عقل مستقل يفكر بنفسه ويختار قيمه بنفسه باستقلال نسبي عن المجتمع. في هذا السياق ستخلق هذه الاجيال غير العصابية، مشروعا سياسيا يرمي الي انشاء مجتمع مستقل اي مجتمع له مع مؤسساته علاقة اخري غير العلاقة التقليدية، العلاقة الاسترقاقية، هذا يعني ان المجتمع يبني مؤسساته بكل وعي، اذن بامكانه ان يغيرها وعلي روح هذه المؤسسات ان يكون انشاء افراد مستقلين (كاستورياديس) فكرا وقيما واسلوب حياة للقطع مع روح القطيع، مع التقليد ومع الاجماع عندئذ يمكن الاقتراب من تحقيق العقل في الحياة اليومية.
العائق الثاني للاقتراب من هذا المثل الاعلي هو العقلانية الاقتصادية والسياسية التي غدت اليوم لا عقلانية أكثر من أي حقبة مضت. الاقتصاد العالمي قائم علي مبدأ الربح: كل مربح عقلاني بعيدا عن أي ضوابط معيارية وايكولوجية. لهذا السبب يوشك اليوم ان يقود إلي كارثة ايكولوجية عالمية يتوقعها الاخصائيون في البيئة علي ما يؤكد تقرير نشرته المجلة العلمية نايتشر الاسبوع الماضي. حقن العقلانية الاقتصادية بالعقلانية يتطلب اخضاعها لضوابط ايكولوجية وأخلاقية ملزمة وعالمية لأن الاقتصاد تعولم واستقل عن الدولة - الأمة مثل الاحترام الصارم للمعايير الايكولوجية، التفكير في مستقبل الاجيال القادمة، حل التناقض العضال في اقتصاد السوق: الموارد محدودة بما فيها الماء والاكسجين والتنمية غير محدودة!
العقلانية السياسية أيضا في حاجة إلي إعادة هيكلة نظرية وعملية عميقة. إذا كانت استراتيجية الشركات الاقتصادية لا تقيم وزنا، أثناء تعريف مصلحتها، إلا لمصلحة مساهميها ضاربة عرض الحائط بمصالح الإنسانية في عالم تطيب فيه الحياة وبمصالح الأجيال القادمة في إرث كرة أرضية غنية بالموارد، وصالحة للحياة فإن الدولة - الأمة بدورها لا تهتم، عند تعريف المصلحة القومية، بعدم تعارضها مع مصلحة البشرية ولا مع قيم العقل والقانون الدولي، المعيار الوحيد الذي يعتمد في تعريفها هو موازين القوي التي تضاهي قوانين الغاب. ما يفتقر إليه العالم المعاصر ليعيد تعريف العقلانية السياسية المأزومة، هو حكومة عالمية تضع ضوابط مؤسساتية سياسية تقنن تعريف المصلحة القومية بشرط تقاطعها مع المصالح الاقليمية أو الدولية وتعطي الأولوية للقانون الدولي علي قوانين ميزان القوة الغابي.
وضع حد للحرب وللأنانية القومية المتوحشة التي توقد نارها شغل عقلانية الأنوار: اقترح كانط في كتابه مشروع سلم دائم مصالحة الأخلاق والسياسة التي ماتزال هدفا بعيد المنال وإقامة فدرالية بين الدول الاوروبية الحرة. وقد استلهم آباء عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة هذه الرؤية الكانطية انهارت عصبة الأمم وها هي الأمم المتحدة تجتاز أزمة حادة، ما السبب؟ رفض كل دولة التضحية ببعض مصالحها القومية في سبيل المجتمع الدولي وتقديم قيم العقل علي موازين القوي، وهما شرطا الحد الادني لسلطة عالمية.
عقلنة الحياة الدولية الاقتصادية والسياسية، تستلزم تعميم نموذج العلاقة بين الحكومة والمواطن في البلدان الديموقراطية علي العلاقة بين دول العالم وشعوبه: إحلال التفاوض محل العنف، إنشاء مؤسسات دولية للسهر علي ترسيخ وتقنين التضامن لتقليص التفاوت الاقتصادي الفاحش بين الشمال والجنوب وبين شمال كل أمة وجنوبها، إنشاء مؤسسات لضبط الانفجار السكاني في الجنوب والضمور السكاني في الشمال وتقديم حوافز مادية للتشجيع علي الحد من النسل: مساعدة مجزية لكل أسرة ذات طفل واحد وعن كل طفل لا ينقطع عن تعليمه.
تكليف منظمة التجارة العالمية بعد اعادة تعريفها، بإعادة هيكلة العقلانية الاقتصادية عبر عقلنة قانون الربح والمنافسة والحرب التجارية التي كانت دائما المدخل إلي الحرب العسكرية، إعادة النظر في العقلانية السياسية بعقلنة تعريف المصلحة القومية والاحتكام إلي موازين القوي. تنصيب مجلس الأمن، بعد عقلنة تركيبه وصنع قراره، المصدر الوحيد أو الاساسي للشرعية الدولية.
دمج هذه الرؤية الإنسانية في برامج التعليم في العالم لتتشربها الأجيال الطالعة التي هي أحوج ما تكون لعالم أقل عنفا وأقل تميزا دينيا وعنصريا وجنسيا وأقل فقرا وأمية وتعصبا وإرهابا ولا عقلانية.











التعليقات