القاهرة-ايلاف:ضمن سلسلة مجموعات متتالية من المفرج عنهم، قدرها المراقبون بنحو ألفين من عناصر تنظيم الجماعة الإسلامية المحظور في البلاد، أطلقت السلطات المصرية سراح كرم زهدي، زعيم الجماعة، بعد اثنين وعشرين عاماً على سجنه، حيث كان ترتيبه الثالث على لائحة المتهمين في اغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات، وقضي حينئذ بإدانته وعوقب بالأشغال الشاقة المؤبدة.
ووفقاً لمصدر مطلع، فمن المقرر أن تتواصل عمليات الإفراج عن مزيد من قادة وعناصر الجماعة، حتى تتوج أثناء الاحتفالات بأعياد حرب أكتوبر بمفاجأة لم يشأ المصدر أن يكشف عنها الآن.وأطلقت الجماعة الإسلامية مبادرة لوقف العنف منذ ست سنوات، والتزمت بها، بعد اصطدام مع السلطات المصرية استمر سنوات، وخلف مئات القتلى وآلاف المعتقلين، غير ان تراجعا هائلا حدث خلال السنوات الماضية في فكر عناصر وقيادات الجماعة عبرت عنه عدة كتب صدرت بتوقيع من يوصفون بالقادة التاريخيين للجماعة الإسلامية، فضلاً عن تصريحات صحافية أكد فيها كرم زهدي أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات مات شهيداً، وأنه كان ضحية الفتنة، ولو عاد به الزمن لما شارك فى مؤامرة اغتياله بل لكان أول من قاومها ووقف ضدها.
القائد
وانضم كرم زهدى للجماعة الاسلامية عندما كان طالبا بمعهد التعاون الزراعي بأسيوط عام 1976م، وذلك بعد أن استقلت قيادتها عن الجماعة الدينية الأم التي قادها وأنشأها الدكتور صلاح الجزار الأستاذ بطب قصر العيني، في مواجهة كافة القوى اليسارية الناشطة حينئذ، بمساعدة من جهات حكومية في عهد السادات، وانتشر فكر الجماعة في بقية الجامعات المصرية تباعاً.
وكرم زهدي هو أمير عام الجماعة الاسلامية منذ نحو عشر سنوات تقريباً، باعتباره من أوائل مؤسسيها بأسيوط وأحد أعضاء مجلس شورى بها، الذي يضم خمسة أشخاص هم ناجح ابراهيم، وعبود الزمر، وعاصم عبدالماجد، وعصام دربالة، و هوالمجلس الذي وضع خطة اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات وذلك تطبيقا لفتوى تكفيره التي أصدرها الشيخ عمر عبدالرحمن مفتي الجماعة الاسلامية، الذى استقطبته الجماعة ليكون واجهة لها أمام الجماهير باعتباره أحد علماء الأزهر المرموقين، وذلك عندما تتم عملية الاستيلاء على الحكم حسب الخطة التي وضعوها والتي لم ينجحوا فيها باستثناء اغتيال السادات، بينما فشلوا في تنفيذ بقية بنودها، ونجحت السلطات المصرية في الإيقاع بهم تباعاً، لتبدأ حينئذ أشرس مواجهة من نوعها، لم تتوقف تماماً إلا قبل نحو ستة أعوام حين أطلقت الجماعة مبادرة بوقف العنف، التزمت بها.
وتولى زهدي قيادة الجماعة الإسلامية عندما حكم على الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن في العام 1996 بالسجن مدى الحياة للتخطيط لتفجير مركز التجارة العالمي ومعالم نيويورك أخرى، إلا أن المدعين الفيدراليين الأميركيين يزعمون أن عمر عبد الرحمن لا يزال يواصل توجيه المجموعة الإسلامية من زنزانة سجنه في مينيسوتا.
البحوث
الآن تغير الوضع بالنسبة لكرم زهدى وأصبح أمير عام الجماعة الاسلامية يضم بين جناحيه ناجح ابراهيم أمير الدعوة بالجماعة وعبود الزمر أمير الجهاد الذى انشق عن الجماعة بعد مبادرة وقف العنف الصادرة فى نهاية عام 1997م.واشتهر كرم زهدى بأنه كان دائما من القياديين البارزين بالجماعة وأحد مهندسي المبادرة من داخل ليمان طرة، بالاضافة الى أنه أحد مؤلفي كتاب ميثاق العمل الاسلامي، الذي يعد دستور الجماعة الاسلامية، وهو خطيب مفوه يشعل الحماس فى قلوب مستمعيه وأخيرا هو الذى قاد الانقلاب الفكري للجماعة الاسلامية من خلال مؤلفاته العديدة ومن أشهرها كتاب "العودة للصواب".
وكان قادة تنظيم (الجماعة الإسلامية) الذين يقضون عقوبات بالسجن المؤبد في قضية اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، قد فجروا مفاجأة كبيرة، حين طرحوا أربعة بحوث فقهية، شرحوا فيها الأسس الشرعية التي استندوا إليها في تحول مسار الجماعة الأصولية الأكبر في مصر، من العمل السري المسلح إلى العمل السلمي العلني.
وأتت البحوث لتمثل أول طرح فكري لمستقبل الحركات الاسلامية المتطرفة بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الماضي، وتكتسب اهميتها من كونها صدرت عن قادة أكبر تنظيم متطرف في مصر، اضطلع عناصره بمعظم عمليات العنف التي وقعت داخل البلاد خلال عقد التسعينات بدءا من اغتيال رئيس البرلمان المصري السابق د. رفعت المحجوب في تشرين الأول (اكتوبر) 1990، وحتى مذبحة الاقصر التي وقعت في تشرين الثاني (نوفمبر) 1997.وأعد البحوث وراجعها كل من اسامة حافظ وعاصم عبد الماجد وكرم زهدي وعلي الشريف وناجح ابراهيم عبد الله ومحمد عصام الدين دربالة وفؤاد محمود الدواليبي وحمدي عبد الرحمن، والاخير اطلقته السلطات المصرية العام الماضي بعد أن قضي نحو 20 سنة في السجن منذ اغتيال السادات عام 1981.
ورصد هؤلاء اسباب تحولاتهم، مستندين إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومواقف في التاريخ الاسلامي تؤكد صحة ما ذهبوا اليه من أحكام، ومن أبرزها ما خلصوا اليه من ضرورة "اعتماد المصالح في أي عمل يأتيه المسلم أو الجماعة المسلمة"، وخلص معدوا تلك البحوث إلى القول بأن المصلحة من الأمر والنهي لو ترتب على تنفيذه مفسدة اعظم "حرم فعله"، وأن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، مؤكدين أن تلك القواعد "تكاد تكون موضع اتفاق بين كبار علماء الدين الإسلامي، واجتمعت عليها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة".
ويكشف هذا الانقلاب الفكري الذي تحول فيه فكر الجماعة الاسلامية عن تبني الأفكار الراديكالية، والالتزام بنبذ العنف، لكنه يطرح سؤالاً عن دور بقية مؤسسات الدولة، وما إذا كانت هناك مشروعات جادة وحقيقية، لإعادة دمج هؤلاء في المجتمع مجدداً، أو تركهم عرضة لانتكاسات جديدة ربما تقود إلى ما هو أخطر.