&
كاتب وروائي مصري:_ الصدفة وحدها هي صانعة العلاقة بين هذين المشهدين التي لم استطع الهروب منها أبدا، وما كنت أريد الاقتراب من الموضوع كله والأسباب كثيرة. في السابعة والنصف من مساء الاثنين الأخير من الشهر الأول من عام 2004، وفي اجتماع نظمته غرفة التجارة المصرية الأمريكية ؛ كان هناك احتفال يقام لاستقبال بيل جيتس صاحب شركة مايكروسوفت العملاقة، كان يجلس بجواره الأستاذ الدكتور عاطف عبيد رئيس وزراء مصر، لم يكن هدفي المقارنة بين الرجلين لولا أنه في الوقت الذي كان بيل جيتس يقول فيه أن مصر مؤهلة لأن تكون مركزا لخدمات تكنولوجيا المعلومات، وأن النموذج المصري فريد ليس في الشرق الأوسط فقط وإنما في العالم كله، في هذه اللحظة سقطت العمارة رقم 35 بشارع عباس محمود العقاد بمدينة نصر، والتي نسميها نحن سكان مدينة نصر (عمارة الكُشَرِي) لأن بها محلاً للكشري، يسمّي " كشري التحرير" ولا تعرف من الذي تحرر، والكشري مع الفول والطعمية أكثر الأكلات رواجاً لسببين أولهما رخص أسعارهما، جملة من عندي : لا شئ رخيص سوي الإنسان، والسبب الثاني أنهما يملآن البطن يوما كاملاً. عمارة الموت مساحتها 350 متراً بها 33 شقة وخمسة محلات تجارية وبنيت عام 1979 علي أن تكون أربعة طوابق فقط، في 1985 قام صاحب العقار أبو الري دياب (هل لاحظت مصرية الاسم ؟) بتعلية العقار ليصبح أحد عشر طابقاً، والجميع يفعلون هذا في مدينة نصر. قانون إنشائها كان ينص علي أن الارتفاع لا يزيد عن أربعة طوابق لكن الدولة المصرية في أوائل السبعينيات كانت أول المخالفين وعمارات عثمان نسبة إلي مشيدها عثمان أحمد عثمان، شكلت أول اختراق للقانون. وحي مدينة نصر لم ينتبه لتعلية ابو الري لعمارته إلا عام 1992، بعد التعلية بسبع سنوات، وأصدر قراراً بالإزالة لم ينفذ أبداً، لا بالنسبة لعمارة أبي الري ولا لأية عمارة أخري، وفي صباح اليوم الذي سقطت فيه العمارة - كان صاحبها يصر علي تسميتها بالبرج - ذهب السكان إلي الحي يشتكون، قالوا : إن صاحب العقار يحاول بناء بدروم تحته حتي يؤجره محلات - إيجار المتر الواحد بآلاف الجنيهات في الشهر - وقامت لجنة من الحي وعاينت وفحصت وقالت إن العمارة - أقصد البرج - سليمة مائة في المائة لتنهار خلال حريق مروع بعد ساعات، وتصبح عمارة الكُشري هي عمارة الموت، وتبدأ حروب التصريحات، رئيس الحي يقول إن قرار الإزالة لم ينفذ بسبب الدراسات الأمنية. ومدير الأمن يتحدي أن يكون هناك قرار إزالة. ومحافظ القاهرة يرسل ملف العمارة إلي النائب العام، ورئيس الحي الذي لم يمض علي تعيينه سوي ثلاثة أشهر يُغشي عليه أمام العمارة المنهارة. ورئيس الوزراء يقدم عبر ابتسامة عذبة التعازي للضحايا، والمحافظ يقول إن تأشيرات الاستثناءات من رئيس الوزراء تُربكهم في عملهم، ونائب مدينة نصر في البرلمان ينشر تعزية علي ربع صفحة من الأراضي الحجازية حيث يوجد، والرئيس مبارك يتدخل بنفسه لحسم الموقف ويعقد اجتماعا يطلب فيه من الحكومة هدم العمارات المخالفة علي نفقة أصحابها، يرجع مرجُوعنا للمشهد الذي بدأنا به. بيل جيتس في التاسعة والأربعين من العمر والجالس إلي جواره رئيس وزراء مصر يدور عمره حول السبعين، بيل جيتس لا يحمل مؤهلاً جامعياً، التحق بهارفارد وقضي بها ثلاث سنوات وتركها دون أن يحصل علي الشهادة، وخرج لينفذ مشروعه، ورئيس وزراءنا معه في وجه العدو ثلاث شهادات عالية وما فوق العالية، البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وتلاميذه من حملة الدكتوراهات أكبر من الإحصاء وأكثر من العد، يقولون أن بيل جيتس أغني إنسان علي وجه الكرة الأرضية، بل أغني إنسان عبر التاريخ الإنساني جميعه ثروته 140 مليار دولار، أي ضعف الناتج القومي المصري كله. وأنا لا أحب أن أبدو معجبا بأمريكا لدرجة الجنون، وأيضا أرفض أن أصبح في نظر نفسي مصابا بفوبيا العداء لكل ما هو أمريكي، وأقسم أنني ضد كل ما يُعلي من شأن الفرد في التاريخ علي حساب الجماهير. لقد وصلت الأساطير التي نشرت في الصحافة المصرية إلي القول. إن بيل جيتس يكسب في الثانية مئات الألوف من الدولارات الأمريكية لا تحاول أن تحسبها بالمصري، والنكتة التي نشرت وترددت بين المصريين أن بيل جيتس لو وقع منه علي الأرض عشرة آلاف دولار أمريكي، لن يفكر في التقاطها لأن الثواني الخمس التي ستضيع في ذلك يمكنه خلالها كسب أضعاف هذا المبلغ، وكان بيل جيتس قد جاء إلي مصر من دافوس مباشرة ليفتتح مؤتمرا للقيادات الحكومية العربية، الذي تعقده شركة مايكروسوفت لأول مرة خارج أمريكا واختارت أن يكون ذلك في القاهرة، بيل جيتس قال في كلمته - وأنا لم أحضر هذا اللقاء لكن صديقاً حكي لي ما جري فيه - إنه لم يرث دولارا واحدا من أسرته، وانه مسؤول في مايكروسوفت عن التطوير والدراسات التي يُرصد لها 6 مليارات دولار سنويا وأن ابنه وابنته لن يرثا من ثروته سوي عشرة ملايين دولار فقط لأن أكثر من هذا قد يفسدهما.
بيل جيتس عندما وصل إلي مطارالقاهرة، كان معه مظروف، والمظروف بداخله رسالة مرسلة إليه من طالب مصري من الشرقية مكتوب عليه الولايات المتحدة الأمريكية - سياتل - مستر بيل جيتس ومكتوب فيه بالإنجليزية : عزيزي مستر بيل جيتس، بعد التحية، والمكتوب بعد هذا بالعربية فالطالب المصري يدعوه لزيارة مصر حيث الجود والكرم والجمال ويسأله عن كيفية التدريب علي برامج مايكروسوفت، ويأخذ علي الفرماوي مدير مايكروسوفت المظروف من بيل جيتس ليبحث عن هذا الشاب المصري.
حتي لو كانت هذه القصة من أساطير الأمريكيين المعروفة، وحتي إن قلت إن تدريب القيادات الحكومية العربية بمعرفة مايكروسوفت جزء من الهيمنة الأمريكية علي مقدرات الكون علي الأقل هذا حالهم فماذا عن حالنا نحن؟ كارثة عمارة مدينة نصر ليست الأولي ولن تكون الأخيرة، كارثة إدارة وليست مأساة عمارة، فالعبارة التي قالها زهير الكرمي في كتابه البديع " الازدهار البائس " البيوت أضرحة، المنازل أضرحة، المدن أضرحة تصلح لوصف ما يبني في مصر.
لقد وقف الدكتور زكريا عزمي ليقول إن الفساد في مجالس الأحياء والمحليات قد وصل إلي الرُكب وأنا أقول له عفوا يا أخي يا زكريا الفساد قد وصل إلي العنق. لم يبق أمامنا سوي الغرق في الفساد.