قيس قاسم من ستوكهولم: عندما أنجزت صوفيا كوبولا عملها الأول " انتحار العذارى" قبل خمسة سنوات، استقبله الناس والنقاد بحذر وبشيء من الشك في حقيقة اصالة وموهبة البنت التي "ولدت وفي فمها ملعقة الذهب". فوالدها هو المخرج الكبير فرانس فورد كوبولا صاحب رائعة "العراب"، جمالها ورشاقتها أوصلاها مبكرا الى عالم الموضة والأزياء، الذي أشتغلت فيه منذ بداية |
حياتها وقضت سنوات من عمرها متنقلة بين طوكيو، التي عاشت فيها زمنا، ونيويورك التي نشأت فيها، مختصة في الاعلان والترويج لأزياء العالم المخملي، لذلك كان حذر الناس والمختصين مبررا، خاصة وان فيلمها الأول أحيط بأهتمام عائلي ملحوظ. اليوم وبعد فيلمها الثاني "ضاع في الترجمة" تيقن الجميع من ان هذة الشابة قد جاءت الى الدنيا وهي تحمل موهبة ابيها، والخبرة التي كسبتها عززت دورها كواحدة من المخرجات اللاتي قدمن فلما امريكيا معاصرا، جيد الصنعة ومتميز الاسلوب.
فيلم "ضاع في الترجمة " يندرج ضمن ما يسمى بفيلم اللقاء العابر أو اللحظة. لحظة خاطفة تمر في حياة الأنسان وقد تغيير كل شيء فيها. لحظة مر بها كثير من البشر كما مر بها بوب هاريس وشارلوت في مدينة طوكيو العملاقة. بوب هاريس (بيل موراي) يقوم بدور ممثل امريكي يأتي الى طوكيو لتصوير اعلان عن نوع من الويسكي، مقابل مليوني دولار. أما شارلوت (سكارليت جوهانسن) فتحضر الى العاصمة اليابانية برفقة زوجها المصور في احدى شركات |
تصميم الأزياء. الأثنان يجدان نفسيهما في فراغ قاتل، الممثل بوب ينتهي من التصوير قبل أيام من الوقت المخصص له، والزوجة الشابة، لا عمل لها بغياب زوجها الدائم، سوى مراقبة المدينة من شباك غرفتها في فندق يناطح السحاب، انها العزلة في مدينة غريبة، أو بالتعبير الداخلي الذي حمله الفيلم "الضياع" الذي يلف روحيهما. فبوب الخمسيني لم يتبقى له من علاقته بزوجته وأولاده سوى نثار علاقة منتهية، لا حياة فيها سوى شكلها. وشارلوت في طريقها الى معرفة سوء اختيارها لرجل ظنت أنه يحبها وأكتشفت في طوكيو انه يحب عمله أكثر منها مكتفيا، كلما التقاها ندرة، بترديد كلمته المفضلة " حبيبتي " دون أحساس ومعنى. تبدأ صوفيا كوبولا بتلمس حالة الضياع من اللغة، فالممثل الامريكي واثناء التصوير لا يصله من مطالب وشروحات المخرج الطويلة، سوى بضع مفردات قليلة، تقوم بترجمتها امرأة يابانية، فيندهش من هذا الفرق الكمي بين اللغتين، ويدرك بحركاته المستنكرة ان الكثير من كلام المخرج قد ضاع في الترجمة. من هذا المدخل السلسل والكوميدي تدخل صوفيا بشاعرية مدهشة للكشف عن الضياع الحقيقي لهذين الكائنيين، المحملين بأسئلتهما الوجودية. كائنان مختلفا التجربة والعمر يجمهما فندق في مدينة غريبة. هذا الوسط الرتيب سيجسد حالة الانكسار التي كانا يعيشانها قبل الوصول اليه. لقد جاءا الى هنا ومعهم الآرق والضجر والشعور باللاجدوى، وهنا سيبددان الوقت سوية في حانات ومطاعم المدينة، سيلتقون بشباب يابانيين ويرقصون معهم، ولكن ثمة شعور خاص سيلازمهم، شعور مبطن من الارتياح والتكامل يزيل من رأسيهما فكرة: ان لا معنى لحياتهما، فيكتسبون عبر اللهو معنى انسانيا جديدا سيتطور بتدرج كثيف الى علاقة حب عذرية. لقد اختارت كوبولا مدينة طوكيو مسرحا لأحداث فيلمها الذي كتبت سيناريوه بنفسها، لقد عاشت هناك وعرفت المدينة جيدا وبالتالي فقد وضعت اصبعها على الجرح، جرح المدينة المفقودة هويتها وجرح كائنيين جمعتهما المصادفة. ان فيلم كوبولا بشكل من الاشكال فيلم مدينة طوكيو، المدينة التي لاتنام والغارقة في موجات من الثقافة الأمريكية الجارفة. لقد مست كوبولا برشاقة متناهية العلاقة الثقافية غير المتوازنة بين الولايات المتحدة الامريكية واليابان، وهجر الأخيرة لموروثها الثقافي العريق. لم تصنع من هذة العلاقة موضوعا مستقلا بل نجحت في ربطه بحياة اناس قادمين من ثقافة اخرى مهيمنة ولكنها تعاني من التباسات وجودية، بوب هاريس وتشارلوت نماذج من تداعياتها. لقد كتبت كوبولا فيلمها بلغة سينمائية آخاذة، لا زيادة فيها، ساعد الصوت والغناء في توصيل الحالات النفسية لبطليه، اللذين جسداه ببراعة ممثلان ليس بالكثير عليهما الترشح لنيل جوائز الاوسكار. فيلم "ضاع في الترجمة" ليس الأول من نوعه الذي يتناول ثيمة (اللقاء السريع أو اللحظة) فقد شاهدنا من قبل فيلم "الوقوع في الحب" الذي جمع روبرت دي نيرو والممثلة ميريل ستريب في قصة حب خاطفة بعد لقاء سريع في احد قطارات الأنفاق، غير ان ميزة عمل كوبولا الأخير هو التكثيف وقوة التعبير المجتمعان سوية والمتلازمان طيلة التطور الدرامي البطيء للفيلم، أنه نوع من السرد السينمي المتقن، جسد بمهارة لحظة شعرية.. قصيدة حب بقيت محتقظة بحلاوتها، رغم ما ضاع منها في الترجمة.








التعليقات