د. عدنان محمد آل طعمة



في منارات - برنامج العربية الثقافي - الذي ظهر مساء الأربعاء 10-3-2002 أجرت السيدة كوثر البشراوي كعادتها حديثاً رائعاً مع ضيفها مؤرخ المغرب وسفيرها ودبلوماسيّها الدكتور عبد الهادي التازي، كان حديثاً تراثياً وحضارياً ودبلوماسياً ومع أنني حضرت الحوار في جزءه الأخير لكنّه كان حواراً شيقاً للغاية لأنه تناول رجلاً طاف العالم ونقل لنا مشاهد حقيقية وحوادث تاريخية واقعية كثير منها مازال مجهولاً بالنسبة لنا وبالنسبة لأمم عديدة ومجتمعات جمة. لم يترك ابن بطوطة مدينة أو قرية الا وقد زارها وتعرّف على أهلها وذكرمعالمها الجغرافية والبيئية وأشهر بيوتاتها والعلماء والفقهاء فيها وموارد العيش في التجارة والزراعة والصناعة وانا واحد من الذين تهمّهم رحلة ابن بطوطة الطنجي لأنني فتحت عيني على الحياة وأسمع افراد اسرتي يذكرون هذا الرجل العظيم الذي زار مدينتهم وذكر عائلتهم، وبعضهم يقتني رحلته في بيته وكنا نملك طبعتين من هذه الرحلة واحدة بغدادية والأخى لارى قاهرية. زار ابن بطوطة كربلاء سنة 726 هـ قادماً من الحلّة قائلاً: "ثم سافرنا منها (الحلة) الى مدينة كربلاء مشهد الحسين بن علي عليهما السلام وهي مدينة ضغيرة تحفها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات والروضة المقدسة داخلها وعليها مدرسة عظيمة وزاوية (مضيف) فيها الطعام للوارد والصادر. وعلى باب الروضة الحجّاب والقومة لا يدخل أحد الا عن اذنهم فيقبّل العتبة الشريفة وهي من الفضة، وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الابواب استار الحرير. وأهل هذه المدينة طائفتان أولاد فائز واولاد زحيك وهم امامية يرجعون الى اب واحد، والقتال بينهما ابداً، ولأجل فتنتهم تخربت هذه المدينة (رحلة: - 233 - طبعة العلمية - بيروت) وعن هاتين الاسرتين تشعبت أسر وبيوتات لكنها بقيت في مكانها لم& تتحرك الى مواضع اخرى الا القليل منهم.
هذه المعلومة التي اوردها ابن بطوطة في رحلته لم يذكرها احد من مؤرخينا، ويكاد رحالة العالم ينفرد بها وكلّ المؤرخين الذين أرخو لكربلاء ينقلون عبارة ابن بطوطة بعينها واكاد أزعم لنفسي ان احدى الاسرتين اقتبست اسم جدها كما ذكره هذا الرحالة الى يومنا هذا، ينقله الابناء عن الآباء والأجداد، ولا ادري ان كان الدكتور عبد الهادي التازي قد حقق في الاسماء الواردة عند ابن بطوطة وقد كان سفيراً لبلاده في بغداد إبّان السبعينيات، فليست ثمة اشياء جديدة حول ما جاء في الرحلة عن هذه المدينة وهذا القتال الذي حصل بين الاسرتين اللتين تديران شؤون البلدة لكننا نعرف من خلال الرحلة أن شخصاً من مشهد الحسين قد رافقه في بلاد ما وراء النهر وكان كريماً معه وسمحاً في سلوكه وتصرفاته هو علي بن منصور وكما اخبرني المرحوم السيد محمد سعيد آل ثابت من اولاد زحيك ان الرجل الذي رافق ابن بطوطة هو من اسرتهم، وقد قدّم لنا ابن بطوطة معلومة اخرى هي ان اهل مدينة كربلاء كانت لديهم تجارة مع الشام ومع بلاد ما وراء النهر والصين. ومعلومة اخرى افادنا فيها ابن بطوطة، فقد استوضحنا سبب هجرة السيد النفيس وهو من آل زحيك الى فاس واتخذها وطناً ايام المرينيين واستقبله سلطانها حينئذ وعلية القوم وهذا الرجل هو الجد الأعلى للسيد احمد عز الدين العراقي الوزير الاول (رئيس الوزراء) في المغرب ورئيس منظمة المؤتمر الاسلامي سابقاً.
لا ندري متى كان القتال بين آل فائز وآل زحيك، ولماذا دار هذا القتال؟ وكم سقط من الضحايا وكيف انتهت الامور؟ كل ذلك كان مجهولاً بالنسبة لنا، ولعل ابن بطوطة ذكر ذلك تاركاً التفاصيل للمؤرخين المحليين لكن هؤلاء الرجال المعاصرين للاحداث ربما ضاعت مؤلفاتهم او كرهوا الحديث عن هذه الوقائع. الا ان المخطوطات دائماً تحمل لنا المفاجئات وتأتي لنا بما ليس في الحسبان. فقد عثرت على نص للبرزالي في أواخر سنة 1999 ينقله عن عز الدين الأربلي في حوادث سنة 714هـ يقول: حصل نزاع بين ابن ابي الفائز وابن حسيك (زحيك) النقيبين في مشهد الحسين بكربلاء وقُتل من الفريقين أربعمائة نفر. فذهب ابن ابي الفائز الى سلطان العراق خربنده ("عبد الحمار" - كذا في الاصل - والصواب خدابنده يعني عبد الله وهو حفيد هولاكو) واشتكى له من ذلك وبذل اموالاً جمة وباع ضياعاً وعاد بألف وخمسمائة فارس وطوّق والمدينة وحاصرها مدة وتشعث اهلها وانتقل ناسها الى اماكن اخرى. والنص لم يُنشر بعد، هذا يعني ان ابن بطوطة قد جلس الى اهل هذه المدينة واستمع اليهم وقصوا عليه ما دار من نزاع بين الاسرتين قبل اثنتي عشرة سنة وهي معلومات دقيقة جداً ومنها نعرف لماذا تغرّب السيد النفيس ورحل الى فاس! فهل استطاع الدكتور التازي ان يتحقق في المعلومات التي نقلها مواطنه الطنجي عن مثل هذه المدن الصغيرة في ذلك الزمن البعيد!! وكربلاء كانت قرية او مدينة صغيرة كما نص على ذلك ابن بطوطة فما بالنا بالمدن الكبيرة وعواصم الدنيا. كما انه زار الاندلس ابتداءاً من جبل الفتح حتى غرناطة واصفاً تلك المدن وما اشتهرت فيه من خيرات كما ذكر اشهر رجالها وعلمائها وزهادها وكيف استضافوه في بيوتهم وواصلوه بالمال خاصة ام السلطان الغرناطي، وكاد في احدى المرات ان يقع اسيراً لدى الاسبان لولا ان تداركه الله، فهو لم يترك قرية او مدينة في اقصى المعمورة الا ومر بها وكانت امه قد رافقته في احدى السفرات، وأحياناً يبقى المرء مندهشاً ومذهولاً حول مقدرة هذا الرجل في وصف هذه المدن بطريقة تكاد لا تصدق وكأنها من الاساطير. ومع انني لم ار طبعة الدكتور التازي حفظه الله وأيده في اجزائها الخمسة التي ذكرها اثناء الحوار ولا ادري كم من السنوات استغرق العمل عليها لكنني واثق ان مؤرخ المغرب رجل حصيف ومحقق عالم خاصة وقد راجعت كتاب - المنّ بالامامة - لابن صاحب الصلاة من تحقيقه، وقد طبع طبعة ثانية عندنا في وزارة الثقافة والفنون 1979 بغداد عن طبعة دار الاندلس - بيروت 1964. ثم انه نشر كتاباً في تاريخ القرويين في ثلاث مجلدات، وكتباً في تاريخ المغرب الدبلوماسي والسياسي لم نستطع الاطلاع عليها، لكنني هنا اقول ان مخطوطاً في المكتبة الوطنية بمدريد لمترجم موريسكي عمل في بلاط فيليب الثاني هو الونسو دي الكاستيو Alonso del Castillo قد حفظ لنا رسائل متبادلة بين المنصور الذهبي - ايام السعديين - وبين Filippe II وهذه الرسائل غاية في الاهمية وقد نشر قسماً منها الاب كبانيلس Darillo Cabanelas في مجلات عدة،& تصور لنا السياسة الخارجة للمغرب والسفارات المتبادلة بين الدولة السعدية واسبانيا ولكنني أود أن اسأل لماذا لم تستطع المغرب استعادة مكتبة مولاي زيدان والتي استقرت في النهاية بالاسكوريال، بعد مفاوضات طويلة، وقد استولى عليها القراصنة في البحر وهي متجهة من مراكش الى فاس أي في المياه الاقليمية؟
ثم ان الدكتور التازي قد عمل في بغداد سفيراً لبلاده وكانت له صداقات واسعة في ذلك الزمن مع ادباء العراق وشيوخه وأعيانه فهل تركت له تلك الذكريات مع اولئك العلماء والشعراء والمؤرخين ما يتحفنا به من احاديث بغدادية خالصة ونحن نعلم انه حمل اسم بغداد معه الى الرباط وهو عائد لموطنه، وقد اطلق على منزله اسم: فيلا بغداد، وهل تلك الايام الخوالي اعطته فرصة ليطلع على تاريخ العراق السياسي والثقافي والاجتماعي كما اشار هو في حواره المفتوح في منارات من خلال نتاجات العراقيين، واصدقاؤه ومعارفه كثر ما زالوا يذكرونه بكل خير الى يومنا هذا مثل هلال ناجي والعلوجي وآخرين. هذا ما ارجوه من السيدة الفاضلة كوثر البشراوي في حوارها مع الدكتور عبد الهادي التازي عن علاقاته بالعالم العربي والاسلامي عبر ادبائه ومثقفيه وشخصياته السياسية، والعالم الغربي من خلال المستعربين خاصة الاسبان والفرنسيين. لقد ذكر لي واحد من اصدقاء الدكتور التازي هو الاستاذ عبد الحميد العلوجي - رحمه الله حياً وميتاً - رئيس تحرير مجلة المورد سابقاً. وقد زار السيد التازي في بيته بالرباط قال انه رجع الف عام الى الوراء أيام عصر الازدهار في الاندلس وكأنه زار الوزير ابن الخطيب وهو في غرناطة في عصر بني الاحمر في ظل محمد الغني بالله وليس الشريف اسماعيل أيام ابن بطوطة حين زار المدينة نفسها، وقد دخل التازي أعماق التاريخ& من اوسع ابوابه في ظل البيئة الاندلسية وهو بالمغرب - خاصة - وهو يعايشها يومياً من خلال كتاباته التاريخية ودراساته الحضارية. هناك أشياء كثيرة المعالم ومنارات مضيئة في حياة المؤرخ الدبلوماسي والسفير الدكتور بعد الهادي التازي ننتظر من السيدة البشراوي أن تضيئها وتنيرها لنا في الحلقة المقبلة انشاء الله.
لاهاي - هولنده