&قراءة: رشيد بوطيب
&
&
يضم الكتاب الأخير ليورغن هابرماس "تشخيصات الزمن" العديد من الأبحاث والمداخلات الفلسفية تبدأ بقراءته "الحداثة: مشروع غير مكتمل". فهابرماس يعتبر من أكبر المنتقدين لفلسفة ما بعد الحداثة، نظرا لاعتقاده بأن الحداثة ليست أمرا منتهيا، وأن الثورة على فكر الحداثة التي بدأت بالحركة السوريالية ليست أكثر من "نقض خاطئ للثقافة".
فهابرماس يرى أن الأفعال الارهابية التي ارتكبت باسم العقل لا يجب أن تفقدنا الثقة بالعقل وبقيم فلسفة التنوير، ويخلص إلى القول بأن مشروع فلسفة ما بعد الحداثة أحادي البعد، لا يعترف بالجوانب الايجابية للعقل. إن هابرماس يظل في نقده رهينا لمنطق الصواب والخطأ. إن تفكيكية دريدا مثلا، لا تريد أن تقول شيئا، إنها ترفض إرادة القول التي تتضمن دائما اقصاء للآخر. والسوريالية في ثورتها على العقل أطلقت عنان القوى الروحية والجسدية التي قمعها العقل كالخيال والحلم والجنون. ومثل السورياليين ينتقد فوكو في تاريخ الجنون في العصر الكلاسي عقل التنوير الذي همش وقمع كل أشكال العلم والحياة الأخرى، أو بلغة ليفيناس كل امكانية للآخر. إن الحداثة في مجموعها هي عقيدة العقل، وككل عقيدة تكتفي بذاتها ومسلماتها ولا تقبل بالآخر إلا في اللحظة التي يقتسم فيها الاعتقاد بنفس المسلمات، أي في اللحظة التي يتخلى فيها عن غيريته. واصطلاح هابرماس على تيار ما بعد الحداثة اسم المحافظين الشباب، أكبر دليل على اقصاء العقل للآخر ومحاولة تحييده في اللحظة التي يعجز فيها عن استيعابه كآخر. وقد بين ذلك عالم الاجتماع الألماني نيكلاس لوهمان بوضوح في نقده لمفهوم التواصل عند هابرماس. حيث يشير في كتابه "الأنظمة الاجتماعية" إلى أن التواصل لا يجب أن ينبني على مبادئ انطلوجية وعلى أن التواصل لا يهدف إلى الاجماع كما يذهب إلى ذلك هابرماس (والعقل لا يقبل بغير الاجماع ولو كان عقلا اجرائيا كما هو الحال عند هابرماس) . إن التواصل حسب لوهمان ليس لعبة ذاتية وإنما لعبة تقوم على الاختلاف بين المعلومة والتوصيل. إن لها هدفا& واحدا وهو التواصل نفسه الذي ينتج الاجماع كما& الاختلاف. إن الاجماع حسب لوهمان لا يمكنه تجاوز عوامل الازعاج والاضطراب، في حين أنه بمساعدة التواصل قد نصل إلى فهم ما هو غير منتظر وغير مرغوب فيه. يرفض لوهمان أن يقوم التواصل على العقل. وبدل ذلك يرى أن عليه أن يقوم على الصراع أو ما يسميه بالاستقرار الدينامي، فالصراعات في نظره تحافظ على مرونة النظام وقابليته للتعلم.
وفي الفصل المعنون "هاينريش هاينه ودور المثقف" ينتصر هابرماس مرة أخرى لوسطيته، ويدافع عن نموذج المثقف المتمثل في هاينريش هاينه الذي تجاوز من جهة أولى الاتجاه الذي يطالب بالحرية الكاملة للفن والعلم في علاقتهما بالسياسة، مدعيا بأن عكس ذلك قد يعني ذوبانهما في السياسة، ومن جهة ثانية الاتجاه الذي ينادي بالالتزام السياسي للفن، الذي يخلط بين التأثير على الرأي العام السياسي والالتزام الحزبي.
إن الاتجاه الأول يرى في تسييس العقل ضربا من الخيانة لاستقلالية البنى العقلية، فهذا هرمان هسه يكتب مثلا سنة 1918 بأن أمثال هؤلاء الشعراء ـ ويقصد بذلك الشعراء المسيسين ـ ليسوا أكثر من خطباء وصحفيين، وأنهم قد أغفلوا دور الشاعر الحقيقي الذي يتمثل في نظره في خدمة العالم وليس في خدمة الواقع، فالعالم أكبر من من كل واقع في نظره، إن العالم أبدي. إن هسه يلتقي مع ماكس فيبر الذي ينتقد في كتابه "السياسة كمهنة" الانفعال العقيم للمثقف ويحتفي بعقلانية وموضوعية رجل السياسة. إنه يرى في اشتغال المثقف بالسياسة ضربا من الشطط الذي يخلط بين الاثنين وهو قمين بالاخلال باستقلالية كل مجال. إنه يضحي بالاثنين معا: حرية الفن وعقلانية العمل السياسي.
وحسب هابرماس، فإن الاتجاهين معا يقومان على دعامة خاطئة، تتمثل في تقديس الفكر والنظر إلى السلطة نظرة وظيفية. والاثنان معا يحولان دون قيام رأي عام سياسي. لقد كان هذا، حسب هابرماس، موقف هاينه أيضا، فهو لم يتورع عن الدفاع عن استقلالية الفن والأدب ولكن دون تصنيمهما. وهو الذي ظل يردد:"الفعل هو طفل الكلمة، وكلمات غوته الجميلة لا أطفال لها"، والذي رفض من جهة أخرى كل "رجال الحركة" الذين أرادوا اخضاع الفن للسياسة. لقد ظل دائما محافظا على مسافة بينه وبين الحركة الاشتراكية في باريس، وظل يرفض النظر إلى الكلمة والفعل بطريقة أداتية، يرفض محاكمة الفن وتحويل العلم إلى مذهب.
وإذا قرأنا موقف هابرماس في سياق الفلسفة المعاصرة، فسنجده موقفا وسطا بين "المثقف العضوي" لغرامشي ورفض كل شكل من أشكال "التحقيق الأنطولوجي" لدريدا. إن غرامشي يرى أنه لا وجود لفلسفة مستقلة عن السياسة. إن الفلسفة تتحقق فقط في علاقتها بالجماهير. إنها أداة سياسية. لقد كان غرامشي، كما كتبت عنه غلوكسمان، في بحث دؤوب& عن فلسفة تكون هي نفسها سياسة. وحياة غرامشي نفسها كما كتب رفيقه توغلياتي، جمعت بين التنظير والعمل السياسيين. إن المثقف التقليدي في نظر غرامشي يكتفي بدوره العلمي أو النظري، إنه متعال عن قضايا الجماهير، في حين أن علاقة المثقف العضوي بمجتمعه هي علاقة جدلية، إنه يؤثر على مجتمعه. فالايديولوجيا ليست وهما كما يقول ماركس، بل معرفة. أما دريدا، الذي ينتقد في "أطياف ماركس" الايديولوجيا الرأسمالية التي ترفض الاختلاف، فإنه يرفض في نفس الآن كل شكل من اشكال التحقيق الأنطولوجي أو تحويل الفكرة إلى عمل، لأن ذلك في نظره يفضي إلى التوتاليتارية.
ويعود هابرماس في فصله المعنون:"مفهومان للحداثة" ليطرح مسألة الحداثة من جديد. ويرى أنه ضد مفهوم الحداثة كما حدده هيغل وطورته النظرية الاجتماعية عند ماركس وفيبر ولوكاتش ومدرسة فرانكفورت، برز تيار فلسفي جديد يقوم على عقل لغوي واجرائي، وينقسم إلى اتجاهين: اتجاه ما بعد الحداثة الذي يعلن تجاوزه للعقل، مؤسس الحداثة، واتجاه ثان ينتقد الحداثة دون أن يعتبرها منتهية.
إن الحداثة بالمعنى الهيغلي للكلمة، محكومة بالعقل. فباسم العقل والتنوير تجاوزت التقليد. والفلسفة حامية هذا العقل على حد تعبير هيغل. فلسفة تأسست منذ ديكارت على الوعي الذاتي أو مبدأ الذاتية، لكن الاستلاب والتشيؤ الذي يحكم المؤسسات والعلاقات الاجتماعية، يفضح مبدأ الذاتية كمبدأ للقمع يختفي خلف قناع العقل. إن الطبيعة القمعية للعقل ترتبط ببنية التفكير الذاتي نفسه، يقول هابرماس، أي بالمرجعية الذاتية لذات عارفة تحول نفسها إلى موضوع. فهذه الذات نفسها& التي تم الاحتفاء بها كينبوع للحرية، تبدو في النهاية مصدرا لموضوعية متوحشة. إذ كما يرى هوركهايمر وآدورنو، فإن العقلانية الذاتية التي تستغل الطبيعة الخارجية والداخلية كليا، قد احتلت مكان العقل، حتى أن العقل تحول إلى مجرد عقل أداتي.
لقد قدم كل من هايدغر وفتغنشتاين مفهوما بديلا للعقل ومنهجا جديدا لنقد العقل. لقد قدما كل بطريقته نقدا للعقل القائم على مركزية الذات، نقدا تحرر من القوة الكليانية للعقل الهيغلي وجدله. والإثنان معا ينتقدان الميتافيزيقا التي غيبت البعد التكويني للغة، ويرفضان الأخطاء الأفلاطونية، المتمثلة حسب هايدغر في نسيان الوجود وحسب فتغنشتاين في تغييب اللغة، السياق الواقعي لكل الأسئلة الفلسفية. وتستند مدرسة ما بعد الحداثة إلى هذا النقد، وتخلط بين العقل من جهة وبين عمليات ملكة الفهم من جهة أخرى، ولا تبقي على شيء من الميتافيزيقا الكلاسية، التي عبر آدورنو في "الجدل السلبي"، رغم نقده لها، عن تضامنه معها لحظة سقوطها الأخير. فهذه المدرسة لا تنتقد فقط عقلا محضا لا مشروطا ولكن العقل في ذاته وكل أفكار الوعي الذاتي والتحديد الذاتي والتحقيق الذاتي.
إن هابرماس لا يعترض على احتفاء ما بعد الحداثة بالغيرية والاختلاف والمميزات المحلية للجماعات والأفراد، لكن هذه المدرسة تخطئ في نظره في أمرين: أولا، إنها تمثل نوعا من المثالية اللغوية، فهي تقوم على الفيلولوجيا وعلم الجمال وليس على النقد الاجتماعي، وثانيا، لا تأخد بعين الاعتبار انجازات الحداثة، وتصف كل نظرية عامة بالامبريالية.

Jürgen Habermas
Zeitdiagnosen
Edition Suhrkamp
2003

يورغن هابرماس
تشخيصات الزمن
سوركامب 2003
عدد الصفحات: 264

&