"إيلاف" من لندن: بورصة الترشيحات لمناصب الحكومة العراقية المقبلة تفرز كل يوم إسما جديدا، وهذه المرة يظهر إسم عالم الذرة العراقي الذي ألقى به صدام حسين عشرة سنوات في سجن أبو غريب، البروفسور حسين الشهرستاني، الذي تحول ناشطا في حقوق الإنسان، ويوصف بالمستشار السياسي للمرجع الديني الأعلى آية الله السيد علي السيستاني .
فقد ذكر مسؤولون أميركيون اليوم، أن الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان، والمسؤول الأميركي روبرت بلاكويل أحد مساعدي مستشارة الأمن القومي غونداليزا رايس الموجود في بغداد منذ شهرين، يسعيان إلى إقناع الشهرستاني بقبول منصب رئيس الحكومة العراقية الإنتقالية التي ستتسلم السلطة نهاية الشهر المقبل.
وقد أمضى الشهرستاني سنوات في الحبس الإنفرادي في سجن أبو غريب في أيام النظام المخلوع بعدما رفض المشاركة في البرنامج النووي الذي بدأ صدام حسين بناءه لكنه نجح في الهرب من السجن عام 1991 .
والشهرستاني على صلة وثيقة بالمرجع السيستاني، فيما قال المسؤولون في سلطة التحالف المؤقتة في العراق، إن السيستاني والشهرستاني قاما بدور بناء للغاية منذ تحرير العراق. وفي حديث مع صحيفة واشنطن بوست الأميركية قال الشهرستاني إنه سيحاول إقناع الإبراهيمي وبلاكويل بأنه لا يصلح لتولي المنصب لكنه سيقبل في النهاية إذا لم يقتنعا وطلبا منه تولي رئاسة الحكومة " فالأهم هو خدمة الشعب العراقي" كما يقول .
&
من هو الشهرستاني؟
والشهرستاني واسمه الكامل حسين بن ابراهيم الموسوي الشهرستاني،من مواليد مدينة كربلاء (110 كيلومترات جنوب بغداد) في الخامس عشر من آب (أغسطس) عام ،1942 وتخرج من مدارسها وواصل دراسته الجامعيه فى موسكو وإنجلترا وكندا واقترن في عام 1971 بامرأة كنديه كانت قد أسلمت قبل زواجها، ونقل في عام 1971 الى جامعة الموصل ثم الى جامعة بغداد لرفضه الإنتماء لحزب البعث، وعين فى عام 1974 رئيسا لقسم النظائر المشعة فى لجنة الطاقة الذريه ومنح فى سنة 1979 لقب مستشار علمي لرئيس لجنة الطاقة الذرية بعد أن نقل اليها في العام نفسه . زجه صدام حسين في سجن أبو غريب عام 1979 بعد أن اعترض على المساهمة في صناعات عسكرية للذرة وتمكن من الهروب من السجن الى إيران عام 1991 فى أخطر عملية هروب .
وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم النووية من جامعة تورنتو الكندية في مطلع عام 1970 ،وعاد الي العراق والتحق بمؤسسة الطاقة الذرية العراقية كباحث علمي مسؤول عن برنامج بحوث في قسم الكيمياء يعرف بالتنشيط النيوتروني وهي طريقة نووية حديثة في ذلك الوقت تستخدم للكشف عن العناصر الضئيلة الوجود في مختلف المواد.
ويقول المقربون منه أنه استطاع أن يطور خلال دراسته الدكتوراه طرقا نووية جديدة للكشف عن هذه العناصر، التي قد تكون مهمة جدا لعلاج الأمراض أو على الصعيد الإقتصادي حيث كان موضوع رسالته للحصول علي شهادة الدكتوراه، هو تطوير طرق نووية للكشف عن هذه العناصر الضئيلة الوجود بالطرق النووية . وقد أسس في العراق المختبرات الخاصة بهذا الحقل النووي وعمل علي تطويرها مع مجموعة من الخبراء العراقيين في مؤسسة الطاقة الذرية العراقية نفسها.
ويقول أنه أصبح والدكتور جعفر ضياء جعفر وهو دكتور وخبير ومن الكوادر الممتازة علميا في مجال الفيزياء النووية، مستشارين لرئيس لجنة الطاقة الذرية للشؤون العلمية، وكان صدام حسين نفسه هو رئيسا لهذه اللجنة، وهو أعلى منصب علمي وأكاديمي في العراق كما أبلغ مجلة الزمان الجديد الصادرة في لندن في حديث سابق، مضيفا أنه اختير لإشغال منصب المستشار في عام 1979 وهو العام الذي تولى فيه صدام حسين رئاسة الجمهورية في العراق مضيفا أنه لن يدخل في نقاشات معه حول الصناعات النووية، فهو لم يدخل في تفاصيل فنية بل كانت التوجهات تعكس من خلال شخصين هما نائب رئيس لجنة الطاقة الذرية عبد الرزاق الهاشمي، وهو بعثي قيادي خريج الولايات المتحدة في مجال الجيولوجيا وعمل في الطاقة الذرية لفترة طويلة، والثاني هو همام عبد الخالق الذي كان ضابطا بالقصر الجمهوري في مكتب صدام حسين، عندما كان نائبا لأحمد حسن البكر وهو ضابط مهندس صغير نقل إلى الطاقة الذرية فأصبح مع عبد الرزاق الهاشمي، مسؤولين عن الإدارة العلمية حيث تخصص همام بإدارة الشؤون الاستراتيجية "وبمعني آخر أن صدام حسين لم يتحدث معنا بشكل مباشر عن صنع القنبلة الذرية وأعتقد هو أول من أطلق (البرنامج الاستراتيجي) على صنع هذه القنبلة ".
وفي ما يتعلق بالبرنامج النووي العسكري العراقي يقول، أنه توفرت إمكانية مختبرية وكادر علمي لبدء العراق برنامجاً من هذا النوع، لو استكملت بعض الأجهزة في المختبرات وتوفرت مواد أولية معينة. ويضيف أنه في عام 1979 وهو العام الذي اعتقل فيه أولا، ثم أعقب ذلك اعتقال الدكتور جعفر ضياء جعفر الذي قابل صدام حسين بصفته رئيسا للجنة الطاقة الذرية وطلب منه إطلاق سراحه "متحججا بأن ذلك ليس دفاعا عن الشهرستاني بل إن عدم مساهمته في البرنامج النووي العراقي سيؤدي إلى فشله" فاعتبر صدام هذا الحديث تضامنا مع الشهرستاني وتمردا من صديقه جعفر ورفضاً منه للمساهمة في البرنامج، ويشير الشهرستاني الى أن الدكتور جعفر لم يكن يقصد ما ذهب اليه صدام اذ حاول أن يوضح أن البرنامج يحتاج إلى تخصصه وهو الكيمياء النووية.
وأدى حديثه مع صدام إلى إصداره أمرا باعتقاله بعد خروجه من المقابلة، ونقل إلى مركز التحقيق التابع للمخابرات العراقية في بغداد، وتعرض إلى تعذيب نفسي اضطر للرضوخ لما طلب منه خلافا لقناعاته كما اعتقد، فهو ابن وزير للإعمار في العهد الملكي وليبرالي،أكمل دراسته في المملكة المتحدة وغير ملتزم عقائديا، ومقتنع بالمفاهيم الإنسانية ومؤمن بحقوق الإنسان والديمقراطية ومناهض للدكتاتورية ولم يكن منتميا لحزب البعث، لكنه أجبر على التعاون من أجل تنفيذ البرنامج النووي العسكري العراقي.
&
اعتقاله
&
وحول أسباب اعتقاله يقول أنه عندما أصبح مستشارا لرئيس مؤسسة الطاقة الذرية كان معروفا بتوجهاته الإسلامية وليس الانتماء إلى تنظيم حزبي إسلامي معين.. وأثار نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 نقاشا وتجاوبا في العراق، لكن الحكم أو النظام توجس منها وقام بقمع أي نشاط إسلامي علني بالعنف، فأعدم خلال تلك الفترة عدد من أصدقائه وأقربائه فلم يترك له ذلك خيارا سوى انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان في العراق ويوضح أنه لاحظ تسامحا من النظام معه لسببين، فقد كانت أجهزته تفضل ان يتحدث علنا بدل قيامه بنشاطات سرية اضافة إلى أنهم كانوا راغبين التعرف على قناعاته السياسية بشكل دقيق.
&
ويضيف أنه لم يعترض علنا على البرنامج النووي العراقي، لكنه انتقد انتهاك حقوق الانسان في العراق أكثر من مرة أمام خبراء يعملون معه بعد استلام صدام حسين لرئاسة الجمهورية، وقال أنه تحدث مع الدكتور جعفر ضياء جعفر اكثر من مرة بضرورة عدم مساهمتهما في هذا البرنامج في ظل نظام صدام "وأقدر الآن وجود احتمال معرفة الامن والمخابرات بما دار عن طريق أجهزة الانصات التي عرفت لاحقا أنها كانت موضوعة للتجسس في مختبرات مؤسسة الطاقة الذرية، " إضافة إلى اعتراف أحد المعتقلين من حزب الدعوة الاسلامية على أصدقائه الذين يتجمعون في أحد البيوت لتداول الاخبار وانتقاد السلطة ووضع البلد العام، وكان اسمه من ضمن الاسماء التي أوردها لمشاركته في احدى هذه الجلسات مما ادى إلى اعتقاله بتهمة علاقته التنظيمية بحزب الدعوة في عام 1979". وفشل المحققون الذين حققوا معي من المخابرات بانتزاع اعتراف مني عن علاقة الدكتور جعفر ضياء جعفر بالمخابرات الغربية والإسرائيلية فقد تعرضت إلى ضغط كبير بهدف انتزاع اعتراف مني بهذا المعني لكني رفضت الاستجابة لهم بشكل قاطع ولم اكن امتلك اي دليل قاطع لتوجيه مثل هذه التهمة ".
&
قصة هروبه من ابو غريب
ويشير الى أنه وضع في زنزانة انفرادية في سجن أبو غريب لمدة عقد كامل من عام 1980 إلى عام 1990 وتعرض خلالها للمراقبة في كل دقيقة لكسر إرادته .. وبعد توقف الحرب مع ايران في آب (اغسطس) عام 1988 ولم تعد الجمهورية الاسلامية وفقا لحسابات النظام خصمه الرئيسي، جرى التخفيف عن السجناء المنتمين للحركة الاسلامية حيث سمحوا له بالاختلاط مع بقية السجناء، ويتذكر وجود مجموعة من السجناء ينتمون إلى حركة فتح التي يترأسها ياسر عرفات، تم اطلاق سراحهم بعد توافق النظام مع قيادة المنظمة ورأت قيادة المخابرات في السجن استخدام أحدهم وهو علي عريان لتقديم الخدمات لهم كالطبخ والمكوى وصيانة السيارات، واصبح تدريجيا يتولى نقل الطعام له في زنزانته وقد فاجأه في احدى المرات قائلا نحن نعرف عنك كل شيء. وانا مستعد لخدمتك حتى اذا كنت راغبا في الهرب من السجن .
وقال أن هذا الشخص أصبح موضع شكه لأنه كان يعتقد بانه في ملاك المخابرات لذلك شكره على الخدمة التي عرضها عليه، "وحرصت لاحقا على تطوير علاقتي معه وقررت اختبار نواياه فطلبت منه تسليمي مفتاح باب الزنزانة التي سجنت فيها لاستنساخه فجلب لي المفتاح فعلا فاستنسخته، واصبحت قادرا على فتح الباب في اي وقت أشاء لكن ذلك لا يعني أبدا توفير امكانية لهروبي فالزنزانة داخل قسم المخابرات أي داخل قسم الأحكام الخاصة في سجن أبو غريب".
ويضيف أنه عندما سمح له بالاختلاط مع السجناء في أيار (مايو) عام 1990 وبدأت عائلته تتردد على السجن لزيارته،أبلغ زوجته بوجود امكانية لهروبه خاصة بعد بدء القصف الجوي لبغداد خلال حرب تحرير الكويت وقيام مخابرات السجن بانزال أبراج الاتصال فاستنتج عزلتهم عن القيادة وفقدانهم امكانية الاتصال بالمناطق الاخرى .. "عندها قلت لعلي الذي عرض علي المساعدة سابقا (هل ما زلت مستعدا لتهريبي من السجن؟) وعندما رد بالايجاب عرضت عليه خطتي وفعلا سارت الامور كما خططت لها، فقد ارتديت بدلة عقيد مخابرات دبرها علي لي وساعدني على التسلل إلى خارج المبني الذي تقع فيه زنزانتي بعد أن هيأ احدى السيارات المستخدمة من قبل المخابرات لنهرب بها والمعروفة لدى الحراس وأجهزة الأمن بتبعيتها لضباط المخابرات من خلال أرقامها حيث تسللنا بهذه السيارة إلى خارج سجن أبو غريب ومنه إلى منطقة المنصور حيث تقيم عائلتي المكونة من زوجتي واطفالي، لنتوجه بعدها إلى مدينة كركوك في شمال العراق ثم مدينة السليمانية ومنها عبرنا الحدود إلي ايران ".
ويبدو أن سجن أبو غريب مقبل على شهرة جديدة بعد فضيحة تعذيب عسكريين أميركيين لمعتقلين عراقيين داخله وهي الفضيحة التي هزت الإدارة الأميركية وما تزال .. فها هوأحد نزلائه قد أصبح رئيسا لوزراء العراق الجديد .