حسين الهنداوي
&
&
&
الفيلسوف الفرنسي جاك دونت مأخوذ بدقة المفهوم. وهو امر نادر لا سيما في عصرنا الراهن حيث التعبير يترنح في كل الاتجاهات دون اكتراث، وحيث الدقة ظاهرية في التدليل على المحمولات بما فيها الاكثر جوهرية ورصانة بل خاصة هذه. وهذا الهم الذي يرافقه منذ كتابات مرحلة الشباب، خلق لديه نزعة تكاد تكون لاارادية في حب التدقيق واعادة التدقيق هي في الاحوال العادية حكر على ندرة من الفلاسفة المتمرسين. وجاك دونت، رئيس الجمعية الفلسفية الفرنسية لسنوات طويلة ومؤسس ورئيس مركز الدراسات الفرنسي حول هيغل وماركس لعقود عدة، ورئيس قسم الفلسفة في جامعة بواتيه التي درس فيها رينيه ديكارت وعدد من الفلاسفة الفرنسيين، هو من اولئك المتمرسين فعلا وباعتراف عالمي واسع.
فالعالم الكبير بفلسفة التاريخ والديالكتيك هذا، والمرجع الغربي الاقرب الى الدواخل الحميمة لفلسفة هيغل حاليا، نشر قبل سنوات قليلة اول دراسة عن السيرة الذاتية لهذا الفيلسوف الالماني اعتبرت نظرا للاطروحات الجديدة والمثيرة التي قدمها، أهم مؤلف عن هذا الموضوع حيث نوقشت اكاديميا وحتى اعلاميا بشكل واسع، كما ترجمت سريعا الى معظم لغات الدنيا. و"سيرة هيغل" لدونت هو العنوان الجديد، وليس الأخير، بين مؤلفاته حتى عن فلسفة هيغل التي سبق ان اصدر حولها العديد من الكتب الشهيرة في فرنسا والمانيا ابرزها "هيغل فيلسوف التاريخ الحي" و"اسرار هيغل" و"هيغل وعصره" و"من هيغل الى ماركس" و"ايديولوجيا القطيعة" و"هيغل فيلسف الجدل والصراع"، مما جعل جاك دونت مع استاذه جان هيبوليت في نظر عدد من المتخصصين، اهم فيلسوفين ديالكتيكيين او هيغليين في القرن العشرين، بل وبعده بالنسبة لجاك دونت الذي يواصل بحوثه في مجال فلسفة التاريخ مركزا على الكشف عن الحي وحده في الفلسفات الغربية المعاصرة وايضا عن تناقضاتها وحتى مهازلها من خلال نظرة نقدية مثقلة بالمعرفة العميقة والقسوة احيانا.
تلاميذه بالمقابل، الذين يواصلون مساهماتهم وكل بطريقته ويسمون احيانا بـ "الدونتيين" في الاوساط الهيغلية الفرنسية، كرسوا لتكريمه كتابا كاملا صدر في باريس مؤخرا تحت عنوان "الفلسفة مأخوذة بالتاريخ"، خصصوه لأفكاره ولأهم أنشطته الفلسفية والاكاديمية والحياتية. وتكريما له ايضا من تلميذ عراقي له، ستصدر في بيروت الشهر الجاري عن "دار الكنوز الادبية" اول ترجمة بالعربية لأحد مؤلفات جاك دونت الاخيرة وعنوانه "هيغل والفلسفة الهيغلية"، وهو كتاب ثمين صدر بالفرنسية بأربع طبعات على الاقل سلفا وباعداد كبيرة خلال فترة وجيزة كما انه ترجم الى معظم لغات الدنيا الاوروبية منها وكذلك غيرها كالصينية واليابانية والتركية، فوجدت من الضروري نقله الى العربية التي تظل خاوية في مجال الدراسات الهيغلية.
وجاك دونت مفكر مسؤول. فبرأيه: ان على الفلسفة الجواب على اي سؤال يواجهها بداهة، انما عليها ان تجيب بشكل دقيق. فهذه اهم فوائدها. اما عن مهمتها الرئيسية، فمنذ عدة ألاف من السنين والسؤال بشأنها مطروح. انها "حب الحكمة" كما كان يقال. وهذا بحد ذاته كاف كمبرر لوجودها. وهو يعني تحقيق توافق بين الاجزاء المختلفة المتحركة في وجود ما من اجل خلق كل منسجم ونشيط وسعيد. لكن هذا التعريف الاول للفلسفة تعرض طبعا للتغيير والتطوير عبر الازمنة. بيد ان دونت يتفق مع هيغل بالقول ان مهمة الفلسفة وجوديا هي "فهم ما هو قائم"، وادراك بماذا يتقوّم التاريخ، وما يمثله فيه عملنا وما نقدمه من مقترحات ناجحة وما نسعى لأنجازه كمشروع انساني بالضرورة. انه برنامج هائل الابعاد. فالفلسفة تتميز عن غيرها بزعمها المثير انها متفوقة على كل الفروع الاخرى. اذ يحصل لها غالبا ان تضع هدفا لنفسها الوصول الى فهم اجمالي للكل: الوصول الى فكرة حول الكل ككل باعتباره موضع التفكير ككل ايضا.
وطبعا لا يتم الوصول الى ذلك الا جزئيا. وفي الواقع فان الفلسفات المتنوعة هي التي صارت في عصرنا تتنازع التفوق بل بالاحرى ان التنافر هو الذي يسود عالم الفلسفة اليوم.وبالتالي لا يمكن الادعاء بان ايا منها قد حققت هدفها الاسمى.
وطبعا لا يتم الوصول الى ذلك الا جزئيا. وفي الواقع فان الفلسفات المتنوعة هي التي صارت في عصرنا تتنازع التفوق بل بالاحرى ان التنافر هو الذي يسود عالم الفلسفة اليوم.وبالتالي لا يمكن الادعاء بان ايا منها قد حققت هدفها الاسمى.
&
متى اذن يستطيع المرء ان يقول انه فيلسوف؟
منذ اللحظة التي يولد فيها يجيب جاك دونت: الولادة تبدأ بصرخة. وصرخة الوليد هي سلفا صرخة احتجاج، اذاً، انه نقد حيوي ما يظهر اولا في العالم. بداهة، ان للفسلفة طموحات اخرى غير الصراخ، لكنه يظل في التحصيل الاخير صراخ الانسان حيال عالم لا يفهمه دائما، بل يبدو له معاديا في كثير من الاحيان. الفلسفة تتموضع اذاً وأصلاً في مواقع الفكر الاكثر رثاثة عندما تكون هذه فكرا محضا يضع مكوناته موضع الاستفهام، غير مكتف بالتعامل المسالم معها. فالاسئلة هنا هي التي تعبئ الذات الى الحد الذي يشعر الكائن معها غير مسالم هو نفسه.
منذ اللحظة التي يولد فيها يجيب جاك دونت: الولادة تبدأ بصرخة. وصرخة الوليد هي سلفا صرخة احتجاج، اذاً، انه نقد حيوي ما يظهر اولا في العالم. بداهة، ان للفسلفة طموحات اخرى غير الصراخ، لكنه يظل في التحصيل الاخير صراخ الانسان حيال عالم لا يفهمه دائما، بل يبدو له معاديا في كثير من الاحيان. الفلسفة تتموضع اذاً وأصلاً في مواقع الفكر الاكثر رثاثة عندما تكون هذه فكرا محضا يضع مكوناته موضع الاستفهام، غير مكتف بالتعامل المسالم معها. فالاسئلة هنا هي التي تعبئ الذات الى الحد الذي يشعر الكائن معها غير مسالم هو نفسه.
ان مفهوم دونت للفلسفة "تسامحي" اذاً، نظرا لأنه مفتوح للكل، ملاحظاً "ان معظم الفلاسفة الكلاسيكيين، قبل العصر الحديث، كانوا نقديين. وكلمة نقد لا تتضمن محمولا عدائيا، انما تعني التمحيص الذي يعني بدوره اننا لسنا مرتاحين لما نجده سلفا امامنا".
"كل ما ولد ينبغي ان يموت". هذا القول الذي ردده غوته وبعده هيغل، يردده دونت معتبرا انه "ذو مضمون ديالكتيك محرف.. لأن فيه نوعا من الاستنتاج الديالكتيكي: "الاشياء لا تظل ابداً على ما هي عليه. ان قانون العالم هو الصيرورة. المبدأ الاول هو ليس الوجود كما انه بالمقابل ليس العدم. المبدأ الاول هو العبور من الوجود الى العدم ومن العدم الى الوجود. أي انه اذاً الولادة من العدم الى الوجود والموت من الوجود الى العدم. ان عبارة غوته تعبر عن هذا المعنى بشكل أكيد. اذ ان فكرة ان كل شيء سيموت هي لأن كل شيء قد ولد، لكن من كل موت ينبغي ان يولد شيء ما من جديد. انها فكرة مخيفة ربما الا انها الحياة". وهكذا، فالاشخاص والمنظومات تولد وتموت، ولا مفر من ذلك: "الكل يدخل التراب ليبدأ اللعبة".
لكنه دفاع من نوع خاص عن الفلسفة وعن التاريخ الحي بالتالي ما يمور به هذا التعريف "الحزين" لكن الذي يظل في الجوهر، ولهذا السبب ربما، اطراءً سامياً بهما معا وباتحادهما القدري. لأن جاك دونت بقدر ما هو مفكر مسؤول هو رجل موقف وكلمة ومن هنا وفاءه المدهش وغير الدوغمائي وغير المبسط لهيغل ولماركس برغم كل انزعاجه في احيان كثيرة من بعض استنتاجاتهما الجوهرية او الواثقة جدا. فقد ظل كل عطاءه الفلسفي ينتصب بثقة هادئة ودون تهريج بوجه الفصل الجارح والظالم بين الفلسفة وتاريخها من جهة وبينهما معا والتاريخ الكوني من جهة اخرى. وهو الفصل الذي اقدمت عليه خلال القرن العشرين وبتهريج كبير احيانا كل المدارس الفلسفية او المزعومة هكذا في الغرب سواء البرغسونية او الشخصانية او الظاهراتية او الوجودية او البنيوية او ما بعد الحداثوية...&
على العكس يرى دونت ، ان العلاقة بين الفلسفة والتاريخ هي علاقة ديالكتيكية عميقة فكلاهما يفترض الآخر لوجوده، وكلاهما ينتصر بأنتصار الآخر. فعلاقة الفلسفة بالحياة هي كالوعي الذي يكونه العالم عن نفسه وعن تحولاته الانسانية وبين نفسه ذاتها. لأن كل تفكير، كل تكوين وعي عن الذات يتم عبر الذات، لكن هذا يتطلب الديالكتيك لأنه يفترض تقسيما للذات عبر الذات، ولأن الذات لا تتطور الا في خضم لحظاتها الداخلية المتعددة والمتضاربة والمعقدة.
وفي إعلاء فكرة الديالكتيك، الهيغلية خاصة، اذ ان الديالكتيك الماركسي يبدو اقل خصبا واصالة بنظره، يمثل عمل جاك دونت جهدا متميزا بل رائعا وجديدا في كل الفكر الفلسفي الفرنسي بل الغربي المعاصر برأينا خاصة وان أي دفاع عن الديالكتيك خلال نصف القرن الماضي كان يجري، كما يرى دونت نفسه، في خضم ثقافة يعتبرها الى هذا الحد او ذاك غير مؤاتية واحيانا مناهضة. لكن خيار الديالكتيك ظل يمثل في نظره ليس فقط وسيلة معرفية شديدة التأثير او حتى الوحيدة القادرة على انقاذ مفهومي التاريخ والفلسفة- انما عبرت لديه ايضا عن الدعوة الى ثقافة واخلاقية جديدتين تستعيد فيهما الفلسفة دورها ومعناها من اجل حياة الانسان.
شاعر وكاتب عراقي






التعليقات