قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

سامي البحيري


عندما كنت صبيا كان أحد أحلامى أن ألعب لفريق الزمالك لكرة القدم بالقاهرة، وكان مثلى الأعلى هو شقيقى الأكبر والذى كان يعتبر من أحسن لاعبى كرة القدم فى الحى الذى نشأنا به في القاهرة، وأذكر عندما كنت أشاهده يلعب بقدمه اليمنى وقدمه اليسرى على نفس القدر من الإجادة، كنت أعتبرها موهبة رائعة، وكنت أشاهد شقيقى وهو يلعب بفخر وقلق، كنت أقفز فرحا عندما يفوز فريقه، وأبات مهموما عندما ينهزم، وكانت أكثر المباريات إثارة هى المباريات التى كانت تجرى بين أحياء القاهرة الشعبية، عندما يلعب حى مصر القديمة مع حى المنيرة وحى المنيل مع حى السيدة زينب وحى البغالة مع حى الدرب الأحمر، وكانت تلك المباريات بالنسبة لنا تسلية مجانية، حيث لم يكن دخل أهالينا يتحمل أى تسلية أخرى غير مجانية!!
ولم يوافق والدى رحمه الله على إلتحاق أيا منا بأى نادى رياضى، أعتقادا منه بأن لعب الكرة هو كلام فاضى ولعب عيال، وسوف يشغلنا عن المهمة الأهم ألا وهى التفوق فى الدراسة.
لذلك كنت أنظر بغيرة وحسد وفخر الى بعض أصدقائى الذين يذهبون للإلتحاق بالنادى الأهلى أو نادى الزمالك، وكانوا يحضرون فى المساء ويحكون لنا قصصا كانت بالنسبة لنا كأطفال كالأساطير، كانوا يحكون لنا عن رؤيتهم للكابتن (فلان الفلانى) اللاعب المشهور أو مدرب الفريق الذى يعمل حسابه كل لاعب الكبير قبل الصغير.
وكان فصل الصيف هو فصل أكتشاف المواهب الصغيرة فى المدن الرئيسية (القاهرة، الأسكندرية، بورسعيد، الإسماعيلية)، وكانت الأندية ترسل ما كان يسمى ب (الكشافون) الى الحوارى والشوارع والساحات الشعبية لأكتشاف المواهب وأستقطابهم الى الأندية، وكانت الأندية أيضا تفتح أبوابها فى الصيف لأختبارات النجوم الجدد، وكان يطلق عليها (إختبارات الأشبال) .
ومع إختبارات الأشبال تبدأ قصة صديقى الذى حكى لى حكايته مع كرة القدم، كان صبيا فى الرابعة عشر من عمره، وكان منذ وعى الدنيا يعشق النادى الأهلى، ومنذ وعى الدنيا أيضا كان يلعب كرة القدم فى حوارى شبرا، وكانت أمنية حياته أن يلعب للنادى الأهلى الذى يشجعه لحد الجنون، وقد أجمع الكثيرون ممن شاهدوه يلعب فى حوارى شبرا بأنه موهبة نادرة و نصحوه أن يذهب لإختبارات النادى الأهلى، وصدقهم صديقى وذهب صباح يوم بعد أن( تشعبط ) فى الأتوبيس من حى شبرا الى حى الجزيرة حيث يقع مقر النادى الأهلى بالقاهرة، ولما ذهب هناك، وجد المئات من الأولاد فى سنه متواجدون ويتزاحمون على نيل شرف تمثيل ناديهم المفضل، وبدأت رحلة شاقة من الإختبارات والتصفيات، وأخذ صاحبنا يرتقى من مرحلة تصفية الى مرحلة أخرى، ووجد نفسه مع آخر مجموعة تصفية والتى سوف سيختبرها بنفسه المدرب الأجنبى للنادى الأهلى فى هذا الوقت (الكابتن هيديكوتى) وهو أفضل من درب النادى الأهلى فى تاريخه الطويل، و(هيديكوتى) لاعب عالمى شارك زملاؤه (بوشكاش وكوتشيس) فى فريق المجر الذهبى فى فترة الخمسينيات فى نهائى كأس العالم فى عام 1954.
وبدأ صديقنا الإختبار أمام اللاعب والمدرب العالمى (هيديكوتى) وكانت أمامه دقيقتين فقط لكى يثبت مهاراته وموهبته فى كرة القدم، وكانت فصائله ترتعد وقلبه يدق بشدة وهو يقف أمام اللاعب والمدرب الأسطورة، وكانت فرحته لا توصف عندما قال له (هيددكوتى) بلهجة مصرية مكسرة: "أنت خبيبى لاعب كويس، بس لازم تاكل سوية فول وطعمية!!"، وأشار (هيديكوتى) الى مساعده لكى يضم صديقنا الى فريق أشبال النادى الأهلى . ثم أخذوه الى طبيب النادى لإجراء الكشف الطبى عليه، وبعد أن نجح فى إختبارات الكشف الطبى، طلبوا منه أن يتوجه الى مبنى إدارة النادى الأهلى لكى يسجل أسمه كعضو جديد بالنادى ويأخذ بطاقة العضوية (الكارنيه)، وذهب الى مدير إدارة النادى، ودار بينهما الحديث التالى:
.. أسمك إيه ياشاطر؟
.. أنا أسمى ماجد.
.. ماجد إيه ياحبيبى ؟
.. ماجد نبيه.
.. يإبنى ما تتعبنيش أسمك الثلاثى .
.. ماجد نبيه ميخائيل.
وهنا توقف مدير الإدارة عن كتابة الأسم، وتعجب ماجد، عن سبب توقفه عن الكتابة، وخشى عليه أن يكون على وشك الأصابة بنوبة قلبية، وهنا تردد مدير الإدارة قليلا، وبدأ حوار مختلف تماما:
.. أيوه ياحبيبى أحنا مش حنقدر ناخدك السنة دى.
.. أيوه ياكابتن، بس الكابتن(هيديكوتى) بنفسه أختارنى.
.. أيوه لكن أنا بقولك مش حنقدر ناخدك السنة دى، السنة الجاية تعالى يكون جسمك أشتد شوية، وأعمل زى ما نصحك الكابتن (هيديكوتى)، ضرورى تغذى نفسك وتاكل كويس.
...
ولم يجد( ماجد) مايقوله، وخرج من مبنى الإدارة ومن النادى وهو مكسور الجناح وهو يعانى أسوأ خيبة أمل واجهها فى حياته، ورجع ماشيا الى منزله بشبرا، وكان يبكى طوال الطريق، ويحاول أن يعرف سبب ما حدث، ما العيب فى أسمه (ماجد نبيه ميخائيل)، هل أن أسمه غير سينمائى، هل كان المفروض أن يغير أسمه الى (ماجد الشريف) مثلما غير الممثل (محمد جابر) أسمه الى (نور الشريف). وإذا كان الأمر كذلك، فهو على أستعداد لتغيير أسمه لأى أسم يختاره النادى، وكان على أستعداد لعمل أى شئ كى يرتدى الفانلة الحمراء للنادى الأهلى، ولم يدر بخلده قط أن إدارة النادى رفضته لكونه مسيحيا، لأن الكابتن (هيديكوتى) نفسه أعلى سلطة كروية فى النادى كان مسيحيا!!
وعندما عاد الى البيت، وجد عمه فى المنزل، وكان عمه يشجعه (أكثر من والده) على التفوق فى فى كرة القدم، وحكى( ماجد) لعمه ما حدث، ففهم العم ما حدث، ولم يرد أن يصدمه بحقيقة السبب الذى من أجله رفضت إدارة النادى الأهلى تسجيله، وقال له وهو يواسيه :" يمكن عندهم حق ياماجد يمكن أنت جسمك نحيف شوية، عاوزين نعمل لك برنامج تغذية جامد، علشان ياخدوك السنة الجاية". ودارى عمه دمعة لأنه يعرف جيدا أنهم لن يأخذوه.. لا السنة الجاية ولا السنة بعد الجاية لسبب بسيط وهوأن أسم جده (ميخائيل)!

***
وبالرغم من أنه قد مر على هذه الحادثة عشرات السنين، الا أنها لا زالت محفورة فى ذهن (ماجد) وكأن حياته قد توقفت عند خيبة أمل الصبى (ماجد) وهو يعود باكيا على كوبرى قصر النيل، ويكاد لا يرى السيارات والمارة والنيل الساحر، و هاجر(ماجد) وترك مصر من سنوات طويلة، ولم يحدث أن ُسئل أبدا فى بلاد الفرنجة عن أسمه الثلاثى !!
***
وبالرغم من كل ما حدث فما يزال (ماجد) مجنونا بالنادى الأهلى، وأشترى (دش) مخصوص حتى يتمكن من مشاهدة مباريات النادى الأهلى عبر الأقمار الصناعية فى بلاد الفرنجة، ويبقى النادى الأهلى بالنسبة له، الحلم الضائع.