&
صموئيل& شمعون
صموئيل شمعون
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& وضعت بين كتبي ساندويتشة من جبنة "كرافت" الصفراء، تلك الجبنة التي كلما لمحت على علبتها الزرقاء عبارة Made in Australia أسمع صوت أمي "عندكم يا أولاد، أبناء عم يعيشون هناك، في مدينة اسمها سيدني". كان صباحا باردا جدا، ومن حسن حظي انه كان يوم أحد، أي يوم عطلتي من العمل،& وهذا يعني انني سأظل مرابطاً في دفء غرفة الصف، تاركاً نصرت شاه واقفا خلف العربة، يفرك اصابعه الثمانية من شدة البرد.
فوجئت، وأنا في طريقي الى المدرسة، برجال من المغاوير يهرولون في الشوارع، مرددين هتافات صادرة عن شخص يتقدمهم " حيفا فين، حيفا بلدي. عكا فين، عكا بلدي" حتى عندما وصلت الى المدرسة وجدت التلاميذ يتحدثون عن المغاوير ويقلدون حركاتهم، دون ان يتحلقوا من حولي، كعادتهم ككل يوم أحد، لأنقل لهم المعلومات التي كان يزودني بها قرياقوس عن الافلام الاميركية الجديدة . كانوا مندهشين بما رأوه حتى ان المعلم اضطر ان يضرب بعصاه على السبورة مرات ومرات كي يقطع وشوشاتهم داخل الصف، موضحاً " انهم جنود مصريون جاؤوا يتدربون في معسكر الحبانية استعداداً لمعركة تحرير فلسطين المغتصبة". وحين لاحظ المعلم اننا لم نفهم معنى عبارته اضاف وهو يقلّب كتابا كان بين يديه " ما زلتم صغارا ولا تفهمون هذا الموضوع، افتحوا كتاب الحساب". فأجّل التلاميذ حماستهم لتقليد المغاوير في فترات الاستراحة. وحين خرجنا من المدرسة، وجدتني أهرول في رهط طويل من التلاميذ نجوب الشوارع ونحن نردد بحماس آخذ بالتصاعد "حيفا فين، حيفا بلدي. عكا فين، عكا بلدي". قطعنا الشارع المحاذي للسوق، مررنا من امام السينما (لمحت صورة روك هدسون. أمي تحبه كثيراً) اقتربنا من حنفية الغسيل، واتجهنا نحو الجامع القديم، القريب من المدرسة الثانوية.
كنت سأهرول باتجاه بوابة المدينة، واصعد الشارع المرتفع، أعبر الجسر ومن ثم أتيه في سلسلة الجبال المطلة على الحبانية، وأنا أردد " حيفا فين، حيفا بلدي. عكا فين ، عكا بلدي"، دون ان أن أعرف، من فرط الحماسة، ان الرهط قد انفرط من ورائي، وان كل تلميذ قد ذهب الى منزله وانني كنت، منذ ان اقتربنا من الجامع، انما كنت أجري وحيداً، تماماً مثل "عباس المخبل" (1) الذي كان يدور في طرقات المدينة حاملاً فانوسه المشتعل نهاراً وليلاً. كنت أهرول وأردد "اللازمة" وعينيّ مصوبتان في أسفلت الشارع تراقبان ظلي اللاهث، حتى رأيت كتلة اخرى من الظل تندمج في ظلي، وحين رفعت رأسي، كان شاباً يقود دراجة هوائية يدخل بمقدمة دراجته، بسرعة وقوة،& في فمي ويلقي بي خارج الطريق ممدداً جنب برميل الزبالة الكبير. وقد بقي راكب الدراجة ينظر اليّ للحظات وهو يرتعش، وكاد،& لهول المشهد ان يفقد شجاعته ويطلق العنان لعجلتي دراجته ويلوذ بالفرار، لولا انه رأى الدماء وقطع الاسنان المتناثرة في فمي تكاد ان تخنقني، فحملني على دراجته وانطلق نحو المستشفى الجمهوري، مكررا طوال الطريق بصوت مرتعش "والله العظيم ان الحق عليك يا ابن الأوادم، ألم تجد مكاناً تمارس فيه رياضتك غير هذا الطريق. الحق عليك والله شاهد على ما أقول..آه أنت ما زلت صغيرا ولا تدري ما معنى الكيمياء والفيزياء وكيف تدوخان الرأس و.. و..".
***
حين تلاشت تأثيرات البنج واستيقظت من خدري، كان الطبيب قد إجتث معظم أسناني من جذورها، وملأ فمي بالقطن وهو يقودني الى خارج العيادة لأجد أمي وأبي وشميران يستمعون الى الممرض نيكولاس (2) "عندما تشعرون انه يتألم، ارجوكم اجلبوه اليّ لأفحصه، فهو مثل أخي الصغير. ولا داعي للقلق فعما قريب ستنبت معظم اسنانه". كان أبي (الأصم والأبكم) يهز رأسه موافقاً دون ان يفهم ما يقوله الممرض، فالاشارات التي كانت ترسمها يدي الممرض، غير موجودة في قاموس أبي. وفي طريقنا الى البيت، قالت أمي وهي تنظر الى واجهة صالة السينما (الى صورة روك هدسون، بالطبع) "المجرم، هل يعتقد ان ابني بلا مستقبل حتى يسحقه بهذه الطريقة؟".
"ولكن يا أمي، لو كان مجرماً فعلاً لما حمل جويي الى المستشفى؟" ردت شميران وذراعها اليمنى تطوّق كتفي.
"ولماذا لم ينتظر في المستشفى" تساءلت أمي بغضب.
لكن الطالب المسكين، او "المجرم" حسب تعبير أمي لم يكن هارباً. كانت سيارة بيك أب تقف أمام بيتنا، وثمة رجلاً طويلاً يرتدي دشداشة بيضاء وعقالاً أسود كان يتحدث الى قرياقوس ونصرت شاه وسكينة، وبين لحظة واخرى يرفع عقاله ويجلد "الأرض" ولما اقتربنا رأينا "المجرم" ممدداً على الارض وجسده يتلوى من لسعات العقال.
"هذا الكلب أمامك يا حاجة، انه ابني، افعلي به ما تشائين" قال صاحب العقال وهو يلهث، ثم، وبحركة مباغتة سحب عقاله مرة اخرى وراح يجلد ابنه، مضيفاً "قُم يا حيوان، قُم وقبّل يدي الحاجة علّها تغفر لك". نهض المسكين وهو لا يدري اي منطقة من جسده يحك، وهجم على يدي أمي وراح يقبلهما.
"خلاص يا حاج، وقع ما وقع" قالت أمي بصوت خفيض.
"كان يجب ان يفتح الغبي، عينيه" قال الرجل وهو يهم برفع عقاله، لكن قرياقوس أمسك ذراعه قبل ان تهوى على جسد الطالب، قائلا " يكفي يا حاج، انتهى الأمر".
بعدها ذهب الرجل الى سيارته وجاء بخروف نحيل، وضعه بين يدي "اقبل مني يا ولدي، هذا الحيوان، علّه يخفف بعضاً من آلامك".
***
فيما بعد قال قرياقوس ان "الحادث الذي تعرض له جويي، انما وقع بسبب هؤلاء الغرباء الذين ظهروا فجأة. انهم نذيري شؤم" ثم اضاف وهو ينظر الى نصرت شاه "وانه ليس ببعيد ان يجلبوا عائلاتهم من افريقيا ويوطنونهم بيننا".
"انهم من مصر، وليسوا من افريقيا" قال الاستاذ علي.
"صحيح يا علي... عفواً..." كنا جالسين في منزل نصرت شاه ومن المؤكد ان قرياقوس قد انتبه لصورة الامام علي المعلقة أمامنا، فوجد انه ليس من اللياقة ان يخاطب ابن نصرت شاه بـ" يا علي" طالما نحن جالسين تحت ظلال أمير المؤمنين، لذلك اضاف مستدركاً " عفواً ما اريد ان اقوله يا استاذ علي، ان مصر بلد افريقي". وراح ينتقي كرات "الكفتة" من صحنه ويضعها في الصمون على شكل ساندويتشة، بعد ان أبعد صحن الرز "طعام الشعبيين" حسب رأيه.
"ولكن هل تعتقد حقا، يا مستر قرياقوس، انهم سيجلبون عائلاتهم؟" سأل نصرت شاه.
"كل شيء وارد، عمو نصرت شاه، اذ ان الراديو والجرائد اليومية لا تكف هذه الايام عن الحديث عما يسمونه "القومية العربية" وان البلدان العربية جميعها وطن واحد، تؤكدها وحدة اللغة والدين والتاريخ المشترك، واذن ما الذي يمنع هؤلاء الغرباء من الاستيلاء على منازلنا، استناداً الى تلك الروابط العنصرية".
"انت تبالغ يا مستر قرياقوس" قال نصرت شاه بالفارسية.
" شكرا أختي سكينة" قال قرياقوس وهو يتناول من يدها قطعة من البطيخ الاحمر، ثم التفت اليّ واضاف مبتسماً "The World Moves on". هززت رأسي مواقفاً والقطن يملأ فمي، فأومأ أبي برأسه وكأنه فهم كلام قرياقوس.
***
مع ظهور المغاوير، بدأت المدينة تشهد عروضاً للأفلام المصرية. فذات غروب وقفت في وسط الساحة الكبيرة بالقرب من الحسينية، سيارة كبيرة تابعة للبلدية، وراحت تعرض في الهواء الطلق فيلمين مصريين، واحداً تلو الآخر، تابعهما معظم الاهالي الذين افترشوا الارض، منبهرين بالممثلين الذين يتحدثون باللغة العربية وان بلهجة غريبة بعض الشيء، تلك اللهجة التي انتشرت بين الشباب، لسلاستها ورنين نغماتها العذبة، الحنونة. ولم يتوانى حكمت الهندي مدير السينما وهو يرى الاقبال على هذه السينما الجديدة، ان يجلب من بغداد عدداً هائلاً من الافلام المصرية خصوصا الافلام الاستعراضية الغنائية، اذ ان نجوم هذه الافلام& مثل عبد الحليم حافظ، محرم فؤاد، فريد الاطرش، محمد عبد الوهاب، محمد فوزي، ليلى مراد وكارم محمود كانوا معروفين كمطربين من خلال الراديو. وقد احتلت هذه الافلام قلوب الاهالي، وراحت شيئا فشيئا تطبع تأثيراتها في حياتنا اليومية، فأصبحنا نتبارى فيما بيننا بحفظ مقاطع طويلة من حوارات الافلام واقحامها في أحاديثنا. وذهب غلوبي (أو النغل كما نسميه) الى أبعد من ذلك عندما رأى ان تداول اللهجة المصرية فيما بيننا يعد أمراً سخيفاً. وقال ان المقياس الحقيقي لاتقان هذه "اللغة" انما يتم عن طريق تطبيقها.
"وكيف ذلك" سأل جليل الياباني.
رفع غلوبي بنطاله الى مستوى صرته، وقال مبتسماً كمن يعرف انه يحتفظ بمفاجأة
" نتحدث مع المغاوير".
"المغاوير!" قال ابراهيم.
"وهل تعتقد انهم سيكونون لطفاء معنا" تساءلت بدوري.
"دعوني أجرب ذلك" اجاب غلوبي بنبرة فخورة حاسماً النقاش.
في عصر ذلك اليوم، تجرأ غلوبي واعترض مغواراً مصرياً كان يسير لوحده في الشارع، فحياه قائلاً "ازايك يا بيه" فرد المغوار بكل تهذيب "كويس، وإزاي حضرتك". وحين عاد غلوبي قال لنا ضاحكا "ان المغوار خاطبني كما في الافلام المصرية بالضبط"، مضيفاً ان المغوار قال له في نهاية حديثهما "أيه رأي حضرتك لو آجي بُكرة واخذك تتفسح معايه بالعربية؟".
قلنا لغلوبي ان "بكرة" يعني غداً، فما معنى "عربية" يا نغل؟.
"يعني سيارة" اجاب وهو يرفع بنطاله الى أعلى صرته.
يومها نخرت الغيرة قلوب الأولاد وهم يتبادلون مغامرة غلوبي مع المغوار المصري، حتى اذا ما جاءت ظهيرة اليوم التالي، انتشر الاولاد في زوايا الشوارع القريبة من المعسكر، منتظرين خروج المغاوير الذين تحولوا، بفضل غلوبي، من مجموعة غرباء معزولين عن الأهالي، الى مخلوقات اكتست، بين عشية وضحاها، ملامح نجوم السينما المصرية وجاذبيتهم. وسرعان ما توطدت "العلاقة" بين المغاوير وأولاد المدينة، رغم ان قرياقوس أبدى تذمره لذويهم منبهاً الى خطورة "استحواذ المغاوير على عقول أولادنا".
ولم يقل قرياقوس " وشرف بناتنا" لأن أحداً لم يكن يعرف بعد، ان المغاوير المصريين، كانوا قد توغلوا (ولا أحد يعرف كيف حدث ذلك) في فتيات الحبانية واحتلوا، بضربة واحدة، قلوبهن وأجسادهن معاً. وكانت قصص الغراميات ستظل خفية لولا الشجاعة التي أظهرتها جاكلين، بحيث بدت، جرأة غلوبي، أمامها، مجرد عمل صبياني بدون أدنى معنى.
كان الوقت عصراً، وهو وقت تزدحم فيه الشوارع والمنعطفات برواح الناس ومجيئها، سواء الى المقهى او الى الأسواق،، في هذا الوقت وأمام أعين الجميع، اختارت جاكلين ان تعلن قصة حبها مع الضابط المصري الذي بدا الى جانبها، بعد ان فتح باب سيارة الجيب العسكرية، ونزلت منها وهي تعدل تنورتها الضيقة والقصيرة، بدا رجلاً قصيراً وبديناً وأصلع الرأس. لحظتها عشرات الرقاب اشرأبت وعيون أصحابها تتفرس المشهد بذهول، بينما ظلت جاكلين تبتسم لضابطها وهي تتبادل معه كلمات الوداع، دون ان تأبه لنظرات الفضوليين. وعندما همّ الضابط بالصعود الى سيارته مدّت جاكلين يدها اليمنى وربتت بأناملها على كتفيه طاردة الغبار العالقة بالنجوم الستة الموزعة بالتساوي، على الكتفين الخشنين. وكان هذا المشهد كافياً لتنبش الألسن ماضي جاكلين.

"A Women's Fool " قال قرياقوس مبتسماً، حين وصله خبر نزول جاكلين من سيارة الضابط المصري.
كانت جاكلين طويلة ونحيلة، بوجه أقرب الى شكل البيضة، ذو نهدين ضخمين وساقين ممتلئتين وفارعين. وكان قرياقوس أمام "جمالها المدهش" قد عجز تماماً عن مقارنتها بنجمات هوليوود، ولذا لم يطلق عليها اي اسم فني. كانت جاكلين تقيم مع أمها الأرملة وأخوها نيلسون الذي كان معظم رجال المدينة يتوددون اليه ليس لجمال أخته فحسب، وانما لعلاقاته مع الكثير من الفتيات، حتى ان يوشيا البقال لم يجد أي حرج في ان يقول امام جمع من الناس "ماذا نستطيع ان نفعل لجاكلين اذا كان نيلسون نفسه يطارد البنات الشريفات؟!" ثم أضاف "الحمد لله سألتحق قريباً بأبنتي في& ديترويت دون ان اشهد المزيد من حكايات الفساد". وظل يوشيا يكرر تعليقاته أمام زبائنه حتى تناهت الى أذني نيلسون، الذي اضطر ان يدافع عن نفسه قائلاً "لماذا لا يريد هذا البقال النحس ان ينسى الماضي؟ ان ابنته، ومنذ ثلاث سنوات، تعيش في اميركا، ولا اعتقد ان أحداً هناك يعرف قصة البقال الذي دخل منزله يوماً فرأى ساقي ابنته مرفوعين أمام نيلسون".
واثناء العشاء قال قرياقوس ان الأب روفائيل زار منزل جاكلين وتحدث معها. فسألته أمي "وماذا قالت جاكلين؟".
"The Whole Town's Talking " أجاب قرياقوس وهو يقهقه عالياً. ضحكنا معه. فعادت أمي تضرب بيدها على صدرها لتنزل اللقمة التي علقت في بلعومها " قل لنا يا قرياقوس، ماذا قال الآبونا؟".
"قال لها يا جاكلين يا ابنتي، انك تتذكرين ولا شك، حين جئت الى الكنيسة منذ ثلاث سنوات، وقلت انك تريدين السفر الى لبنان لأن ابن داديشو الاسكافي، سيرسل في طلبك من شيكاغو، وقد ساعدناك في سفرك حتى بيروت، ولكنك بعد خمسة شهور رجعتِ ولم تقولي شيئاً. انك تعرفين ان الناس قالت كلاماً كثيراُ، منه انك عاشرت رجلاً من لبنان دون زواج. وها أنك تعيدين القصة ذاتها، مع رجل من مصر".
"وماذا قالت جاكلين"؟& تابعت أمي اسئلتها.
"قالت انه ضابط قبطي، يعني مسيحي مصري، واسمه عماد بطرس، وقد وعدها بالزواج في اقرب فرصة، وانها سترحل معه الى مصر".
أخرجت أمي ثديها الأيسر ووضعته بين شفتي أخي الرضيع جون، نظرت الى شميران متسائلة "وماذا قال الآبونا؟".
"ماذا تريدينه ان يقول" أجاب قرياقوس وهو يعيد شعره الزيتي اللامع الى الوراء، ثم أحنى رأسه وتفحص قميصه، واضاف "طبعاً تمنى لها الخير ونصحها بأن تعقل قليلاً، حتى يأتي هذا القبطي ويطلب يدها". ثم التفت اليّ " هيي جويي، رافقني الى البار لنشرب البيرة مع صديقنا كيكا".
"جاكلين مسكينة" قالت شميران بصوت عال ووجه محتقن. نظرت اليها أمي باستغراب، فأضطرت شميران ان تكمل كلامها بطريقة اكثر حماسية "طبعاً مسكينة، لو كان ابن الاسكافي وفياً لوعوده لما حصل لجاكلين ما حصل. لقد انتظرته مائة واربعة وستين يوماً في بيروت، لكن الوغد بدلاً من ان يرسل في طلبها ارسل لها رسالة يعلمها بخبر زواجه من فتاة اميركية. ان ابن الاسكافي نذل وجبان". ثم نهضت وهي تمسح دموعها "كلب ابن الكلب". صرخت وهي تنتقل الى الغرفة الاخرى.

أحداً منا لم يقل شيئاً.
***
وقبل ان ينسى الأهالي قصة جاكلين، خرج قاسم، حاملاً كيلوتاً من الدانتيلا وشرشفاً أبيض ملطخين ببقع حمراء، يطوف بها في الأزقة القريبة من منزل سمر، معلناً بأعلى صوته" يا ناس انظروا، انظروا يا ناس، انظروا الى الدماء جيداً. هذا لباس سمر وهذا شرشفها. أين الشرف الذي تدعيه هذه القحبة. بالأمس جاكلين واليوم سمر، يا الهي، ماذا يجري في هذه المدينة الجميلة، هذه المدينة التي أحببتها والتي تركت من أجلها مدينتي وأهلي وأصحابي وعملي. كلكم تعرفون، كم اني أحببت هذه القحبة. لكن اليوم، خلاص، كل شيء انتهى، بعدما رأيت ما رأيت. من فضلكم اسمعوني جيداً، أريد ان أعلن لكم الحقيقة، كل الحقيقة. لقد فكرت طوال الظهيرة، وقلت في نفسي، يا قاسم يا ابن الحلال، اذهب وتكلم مع سمر للمرة الأخيرة علّها ترضى بك زوجاً. وفعلاً حين رأيت أم سمر في السوق، وأخوانها الصغار يلعبون الكرة في الساحة، قررت التوجه الى منزلها لأحدثها بغايتي الشريفة. وقد انتظرت أمام الباب اكثر من ساعتين ولم أجرؤ على الدخول، فقد تربيت على مراعاة حرمة المنازل وأعراضها. وبعد ساعتين من الانتظار كالكلب.. يا الهي، ماذا رأيت؟! لقد مزق الألم قلبي، وأقسم لكم انني بكيت مثلما تبكي النساء. لقد رأيت ثلاثة مغاوير مصريين يخرجون من بيت سمر. وكم تمنيت ألا ترى عيني ما رأت. ولما اشتد بي الغضب اقتحمت المنزل، لأرى المشهد المرعب، بل المخجل. لقد رأيت القحبة ممددة على سريرها عارية. أردت أن أخنقها لولا تراجعي في اللحظة الأخيرة، فأنا رجل عاطفي وحنون. قلت في نفسي ان الواجب يتطلب ان أفضحها أمامكم، سرقت لباسها وشرشفها الملطخين بالدم لترونها بأم أعينكم وتعرفون كيف تتصرفون مع هذه البنت الشريرة ..القحبة".
ثم أخذ قاسم يبكي ويمسح دموعه، قائلا " يا للعار، يا للعار، سون لن ترون وجهي بعد اليوم". واختفى . ليأتي دور سمر في التطواف على البيوت، بيتاً بيتاً، تكذّب ما قاله قاسم دون ان تتوقف عينيها عن سكب الدموع " يا خالة فهيمة، صدقيني ان أي غريب لم يدخل دارنا". "اقسم لكم ايها الناس انني لم أعاشر رجلاً في حياتي". "صدقيني يا ام شمشون ويا خالة سكينة انني بريئة، وان هذا الوغد، كذاب، تسلل الى دارنا من النافذة الخلفية، سرق ملابسي الداخلية ولطخها بالدماء. اقسم لكم انني بريئة.. انني شريفة؟.انتم تعرفون، ان قاسم تقدم للزواج بيّ عدة مرات وانني رفضته. أليس هذا كافياً لكي يحقد عليّ". "صدقوني ان بنت شريفة، ان الله ورسوله شاهدان على ان مصرياً واحداً لم يدخل بيتنا أبدا".وقد قالت فاطمة بنت نصرت شاه انها رأت سمر تضرب على صدرها وتقول " لا أحد يصدقك يا سمر، الوغد نفّذ خطته جيداً". أما قرياقوس فقال انه رأى سمر حزينة وشاحبة وانها "ذكرتني بالممثلة مارغو غراهام تسير متعبة وشاحبة الوجه في مشهد من فيلم The Informer".
ومع اختفاء قاسم، بدأت ثرثرات الأهالي تنير بعض الجوانب المظلمة التي كنت أرى انها كانت تكتنف شخصية قاسم ( على أية حال كنت دوماً متعاطفاً معه، لأن قرياقوس اخبرني ان قاسم وأمثاله، "شخصيات درامية".). وقد قيل انه جاء من مدينة الرمادي لأول مرة منذ اربعة سنوات. كان في الثانية والعشرين من عمره، ومثله مثل العديد من شباب المدن والقرى المحيطة، نظر الى الحبانية باعتبارها جنّة تتوسط محيطاً من الحياة العشائرية، البدوية المتخلفة. وقد اعجب بالمدينة وبناسها، وظل يكرر زياراته كل شهر ثم كل اسبوع، حتى رأت عينيه، سمر، فصارت زياراته يومية. وقد قال الأهالي ان قاسم منذ أن أعجب بسمر، اخذ يجلب لها ولعائلتها الكثير من الهدايا، وانها لم تستلطفه أبداً. وحين توفي قمندار، والد سمر، فان قاسم هو الذي اشترى كيسين من الرز والفاصوليا البيضاء، التي طبخت ووزعت على الناس في ليلة تأبين قمندار.
ولم يأبه قاسم لرفض سمر، بل ظل يطلب يدها اكثر من مرة. والمصيبة ان سمر لم تكن تخفي كراهيتها له. فقد حدث مراراً ان صرخت في وجهه "عليك ان تفهم يا قاسم انني لا أحبك". وظن قاسم انها ربما ستغير رأيها ذات يوم. وذلك ما لم يحدث. على العكس، ازدادت علاقتهما& خراباً. فقد صرخت سمر في وجهه أمام حشد من الناس، عند حنفية الغسيل " والله العظيم، لو انك بقيت الرجل الوحيد على سطح الارض فانني سوف لن أدعك تلمسني. انني أكرهك، هل فهمت؟" يومها، مسكها قاسم من يدها، وقال" لم يبق شاباً واحداً في المدينة لم يداعب جسدك. كوني عاقلة، ويكفينا فضائح" ولم تنفع صرخات سمر وهي تكرر " اتركني ايها النذل، انني أكرهك" حتى اضطرت ان ترفع فستانها وتصرخ ، مشيرة الى ما بين فخذيها "هذا لي وأنا حرة به، هل تفهم؟ منذ ساعة فقط، اسمع جيداً، منذ ساعة واحدة فقط وهبت هذا الجسد لرجل أحبه، نعم لرجل أحبه".
" أعرفه" رد قاسم وهو يكبت انفعالاته.
"طبعاً تعرفه" قالت سمر وهي تنزل فستانها وتحجب عن الناس كيلوتها البنفسجي (البعض قال كان اصفراً) وأضافت " وكيف لا تعرفه وهو الذي أشبعك ركلاً ورفساً، وكنت أنت مثل المرأة ممدداً على الارض تئن وصرخ (يكفي يكفي)". وقد احتقن قاسم ولم يتمالك اعصابه فهجم عليها ضربا بيديه وقدميه " يا قحبة اذا كان اخوتك صغارا وأمك المسكينة غير قادرة على تربيتك، فان قاسم يعرف كيف يعيدك الى الطريق المستقيم". يومها، ورغم ان بعض الاولاد ابلغوا& قاسم، ان سمر تقدمت عند الشرطة بشكوى ضده، فانه لم يحاول الهرب او الاختفاء ريثما يتدخل بعض الناس فتسحب سمر شكواها، بل ذهب الى المقهى، طالباً قدحاً من الشاي، ومشمراً عن ساعديه وقائلاً& "ماذا تعتقد القحبة، ألا يوجد رجل يحميها؟" وبقي قاسم هناك حتى جاء شرطيان واقتاداه ليمضي اسبوعين في السجن. وحين ردد كلامه أمام معاون الشرطة "ماذا تعتقد القحبة، ألا يوجد رجل يحميها؟" قال له المعاون ساخراً : ولكن يا قاسم، ألا ترى انك لست ابوها ولا أخوها ولا زوجها ولا قريبها، فأنت من عشائر الدليم البدوية، وهي من عائلة تركمانية ؟
وبعد حكاية جاكلين وسمر مع المغاوير، توجه معاون الشرطة الى مقر القيادة العسكرية، حيث قدم احتجاجاً شديد اللهجة ضد سلوك "اخوتنا المغاوير المصريين". وفي الظهيرة زار المعاون الأهالي وطمأنهم الى ان المغاوير سوف لن ينزلوا الى المدينة إلا يوم الجمعة فقط " وستكون تحركاتهم خاضعة لمراقبة شديدة من رجالي". كما ارسلت ادارة الشرطة مذكرة توقيف الى مدينة الرمادي تطالبها بايقاف المدعو قاسم مخيليف الدليمي لاعتداءه على سمر قمندار. وقد قام المعاون بهذه الاجراءات لتهدئة الناس، لأن قصة سمر ليست مثل قصة جاكلين " وكلكم تعرفون ان بنات أخوتنا المسيحيين يقلدون بنات الانكليز بعلاقتهن بالرجال والأزياء" كما قال معاون الشرطة نفسه.
" سأقيم أكبر حفلة اذا صح ما قاله شاكر الهندي" قال قرياقوس وهو جالس وفي حضنه كيساً ورقياً منتفخاً، وطالما ردد اسم شاكر الهندي، فانني خمنت ان الكيس مليء بالتفاح.
"ماذا قال شاكر الهندي" ؟ تساءلت سكينة.
" كلاماً يسر القلب يا ننه سكينة. وأرجو ان يبقى هذا الكلام بيننا. لقد ابلغني ان معاون الشرطة اخبره بان الغرباء.."
" المصريين" قاطعته سكينة
" الافارقة يا ننه سكينة" رد قرياقوس بسرعة واكمل "ان هؤلاء الغرباء سيرحلون بعد ان يقوموا بمهمة استعراضية في الاسبوع المقبل.. آه أخيراً سيرحلون".
"مهمة استعراضية؟" تساءل علي.
"نعم. والله اعلم ما هي هذه المهمة؟" تمتم قرياقوس وهو يلقي نظرة نحو مربعات قميصه، السوداء والحمراء، ثم اخرج تفاحة وقدمها لي قائلاً بفرح:
" خذ Strong Boy"
" لا أحب التفاح" أجبت.
"خذ " عاود قرياقوس؟
" لا أريد.. لا أحب التفاح..لا أحب التفاح" أجبت وانا أنهض باتجاه غرفة السينما.
أخذ المغاوير ينتشرون في شوارع المدينة ومنعطفاتها. كانوا يرتدون ثيابا عسكرية مرقطة ويحملون رشاشات الكلاشينكوف. وفي الساعة العاشرة (تقريبا ) وكنت أساعد نصرت شاه ببيع ساندويتشات العنبة، سمعنا سيارات البلدية تعلن، وهي تقترب من المدرسة ان "سيادة رئيس الجمهورية سيصل المدينة بين لحظة واخرى لافتتاح الجامع الجديد" وتدعو الناس بالتجمع عند مدخل البوابة الرئيسية وحتى جسر الحبانية " للترحيب بالضيف الكبير..".
وقد استغرقت هذه الـ"بين لحظة واخرى" اكثر من خمس ساعات. كنا واقفين فوق الجسر، في تلك الظهيرة عندما حطّت طائرة الرئيس من بعيد، ثم مرت من فوق رؤوسنا، في طريقها نحو مدرج القاعدة الجوية.
"ما أجمل هذه الطائرة. انني أحب الطائرات كثيرا كثيرا" قال أخي الصغير روبن مغمضاً عينيه الى النصف.
"انها حقاً جميلة" اجبته. وألقيت نظرة اليه قائلا " ماذا تفعل يا روبن اذا اعطيناك طائرة الرئيس؟".
"أنا" قال روبن مندهشاً وأضاف " آخذ شمشون الى سيدني، وتيدي الى ديترويت، وأنت وعمو قرياقوس الى هوليوود.. ثم أطير بها لوحدي".
" الى أين؟"
" لا أدري. أبقى في السماء". وبعد لحظات من الصمت وسط صخب الناس المحتشدة ووشوشاتها، قال روبن، فجأة، مستدركا " اذهب الى كندا".
" الى كندا" سألته.
هز رأسه موافقاً " نعم الى كندا. انها بيضاء. رأيتها في الصور".
" وهل تحب اللون الأبيض؟"
هز رأسه موافقاً وراح ينظر الى طائرة الرئيس وهي تسير ببطء على مدرج المطار.
لقد مرض روبن، مرضاً شديداً بعد أيام، حين انفجرت طائرة الرئيس ومعه انفجرت جثته. مرض روبن ولم يذهب الى المدرسة لأكثر من عشرة أيام ليس حزناً على الرئيس، بل على طائرته التي أحبها، اذ انه لم يسمع ابدا بانفجار طائرة. وقد صرخ في وجهي، وأنا أشرح له الدروس التي تعملناها اثناء غيابه.
" أنت لا تحبني، لماذا لم تخبرني ان الطائرات تنفجر".
"انني لست الله لأعرف انها ستنفجر" قلت ذلك والتفت بسرعة الى صورة المار شمعون المعلقة في المنزل.
" قل والله بانك لم تعرف ان الطائرات تنفجر".
"برأس المار شمعون لم أسمع أبداً بانفجار طائرة". أقسمت وأنا أعرف جيداً انني قد سمعت بانفجار مئات الطائرات.
ولم يصدقني روبن، الى ان علمت وبالصدفة، من زبون لاحظ انني أنظر الى الجريدة التي كان يحملها وأنا أمد له الساندويتش، فقال لي وهو يريني الصورة المنشورة "انها صورة الهيليكوبتر التي انفجرت بالرئيس". مساءئذ عدت مسرعاً الى البيت وأخبرت روبن ان الرئيس انما كان يستقل هيليكوبتر وليس طائرة. وفي الصباح، شفي روبن وكان رفيق طريقي الى المدرسة، كان يُطيّر راحته اليمنى في الهواء ومن فمه يُخرج صفير اقلاع الطائرات.
في غرفة السينما، قلت في نفسي، انني عندما أكبر، سوف لن أركب الطائرة، مهما كلف الأمر، في طريقي الى هوليوود، ولأبعد عني شبح طائرة الرئيس، طفتُ بنظري في الصور المعلقة على الجدران، فاختارت عينيّ التوقف عند صورة الأم الحزينة مارغريت مان ماسكة بيدها الاثنتين رسالة تعلمها بوفاة أحد اولادها في الجبهة، وساعي البريد، ألبرت غران" الى جانب النافذة المطلة على الحديقة . لقد تملكني الحزن اكثر حين نظرت الى& الصورة الاخرى ، جندي منبطح خلف المتراس، بانتظار الموت، هو الاخر. كنت أفكر بالموت، حين دخل أبي وهو يصفق ويصفر راسما الاشارات التالية: وضع كفه اليمنى الى الجانب الأيمن من جبينه/أشار الى ذكره ومرّرَ سبابته اليمنى فوق السبابة اليسرى وكأنه يقطعها/ مدّ راحته اليمنى أمامه وهزها يمنة ويسرة/ اصدر أصوات غريبة وعجيبة من فمه/ عفّط وهو يطلق يده في الهواء. وقد فهمت انه يقول لي " العساكر، مقصوصي القلفة، والذين نراهم يثرثرون في السينما، قد رحلوا".

&