قلة هم الذين يشهدون نصراً حقيقياً هذه الأيام، في وقت كثرت فيه الإنكسارات وباتت الهزائم خبزهم وقوتهم.
قلة هم الذين يشاركون في صناعة نصر في أيامنا الحالية، وهم إن فعلوا، فإن ظروفاً خاصة جداً قد تلعب الدور في نيلهم هذه الفرصة.
كثرٌ هم الذين يحلمون بنصر هذه الأيام، لكن قلة هم الذين يحققونه.
وأنا واحدة من هؤلاء القلة الذين شهدوا وساهموا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في صياغة أحدث نصر عرفه وطننا الصغير. إنه نصر التحرير، الذي جعل للبنان مكاناً مرموقاً ومحترماً على صفحات التاريخ، بعد أن ارتبط إسمه خلال السبعينيات وصولاً إلى التسعينيات، بالحرب والدمار والأخوة الذين يقتتلون.
في مثل هذا اليوم منذ خمس سنوات، عرف لبنان، وبالتحديد جنوبه وبقاعه، تحريراً من الإحتلال الإسرائيلي. ولم نكن الوحيدين المسمَرين أمام شاشات التلفاز نشاهد أليات العدو وهي تنسحب إلى غير رجعة خارج الأراضي اللبنانية بل العالم بأجمعه.
في الثالث والرابع والعشرين من مايو 2000، كانت الأنظار مشدودة غير مصدقة إلى جبل عامل المتواضع وهو يطرد العدو وزمرته، الذين تدفقوا كسرب بعوض على بوابة فاطمة طالبين اللجوء والحماية من عدو خدموه لأكثر من خمس وعشرين عاماً في إذية واحتلال واستغلال واغتصاب الأرض والإنسان. وكلنا بكينا غير مصدقين أننا ارتحنا آخيراً من نير هذا الإحتلال الذي خطف أراضينا وثرواتنا وأولادنا لمدة ربع عقد والعالم يتفرج علينا، لا يملك إلا الإستنكار أو الدعوة إلى ضبط النفس. لكن إيماننا بأرضنا ووطننا وحقنا فيهما، دفعا الكثر من أبناء الوطن إلى المقاومة بكل الأشكال والتمسك بتراب الوطن مهما كانت التضحيات، على أمل أن تبزغ شمس التحرير على المؤمنين الصابرين الذين يجاهدون في سبيل استرداد حقهم.
وأنا كنت شاهدة في فجر الثالث والعشرين على تحرير قريتي بنت جبيل الواقعة على الحدود مع فلسطين المحتلة. لم يكن ممكناً البقاء في بيروت نتفرج فقط على التلفاز ونحن نشهد انسحاب العدو الإسرائيلي، كان لا بد أن نتوجه إلى قريتنا لنشارك في طرد العدو والإحتفال بالنصر. وهكذا كان، قدنا السيارة باتجاه الجنوب وعلى الطريق لم نكن وحدنا. كانت السيارات مزدحمة على الطرق تطلق أبواق النصر والإبتهاج، زحمة غريبة في صباح ذلك اليوم والوقت لم يكن يتعدى الخامسة والنصف صباحاً. أخي الذي حرمه الإحتلال من زيارة القرية مدة ثمانية عشر عاماً، كان يتحرق شوقاً للتوجه إلى بنت جبيل ليمتع نظره بضيعته، ليشرب من بئر الماء في بيت جده الذي حافظنا عليه بالرغم من محاولات الإحتلال العديدة سلبه منا، ومثله كثيرون ملؤهم الشوق للأرض سارعوا إلى وجهة واحدة: الجنوب، عيونهم دامعة وقلوبهم تبتهل بالشكر لله.
وصلنا للقرية حوالي الساعة الثامنة صباحاً (مع العلم أن الرحلة لم تكن تستغرق الساعة والنصف في الأحوال العادية خلال الإحتلال) لنجد المئات من السكان يحتشدون في ساحة القرية، يرقصون ويبكون ويزغردون ويوزعون الحلوى. لأول مرة منذ سنوات طويلة، لم أرى هذا العدد الكبير من سكان ضيعتي مجتمعين في الساحة، لكن الوضع اختلف الآن بما أن العدو رحل وعادت الأرض لأصحابها.
حكايات كثيرة سمعناها أدمت قلوبنا عن ممارسات الإحتلال الغاشمة ضد أهالي بنت جبيل والقرى المجاورة، ومثلها قصص مشابهة لا تقل قساوة وألماً في باقي القرى والبلدات التي احتلها العدو، وحكايات أخرى أضحكتنا وأثلجت قلوبنا عن كيف طرد الأهالي جيش لبنان العميل للعدو بضربهم بالصرامي (الأحذية) والحجارة.
فرحنا امتد لكافة الأقطار العربية، ولأول مرة عندما أقول أنني من قرية من جنوب لبنان، أرى الناس ترفع قبعاتها تحية لي وتقول: بارك الله في مقاومة اللبنانيين ولبنان الذي أعاد بنصره على العدو الإسرائيلي، شعوراً بالنصر فقدناه وافتقدناه طويلاً.
اليوم، وبعد مرور خمس سنوات، ما زالت لحظات الإحتفال في ساحة ضيعتي والدموع التي ذرفت فرحاً تستثير في عيوني الدموع وفي قلبي البهجة والإطمئنان أنه ما زال لدينا نصرٌ نحتفل به.
لبنان، مبروكٌ لك التحرير، من ابنتك.
جمانة الصباغ




التعليقات