ألقى السيد نوري كامل المالكي رئيس وزراء الوضع الراهن ببغداد كلمة متلفزة يوم الأحد 5/11/2006 بمناسبة صدور الحكم على الرئيس صدام حسين وسبعة آخرين من نظامه،وقد قضى الحكم بحق صدام وأخيه غير الشقيق السيد برزان ابراهيم الحسن والسيد عواد خلف البندر رئيس محكمة الثورة سابقا بالإعدام شنقا،أما بقية الأحكام للخمسة الآخرين فقد كانت مابين المؤبد والخمسة عشرة سنة والإفراج لواحد منهم..
حينما نقرأ النص الرسمي لكلمة المالكي لا نجد لها وصفا مطابقا إلا بكونها ثأرية إنتقامية تقسيمية للبلد والشعب تعمق هذا المنحدر الطائفي والعنصري الذي دفع إليه المواطنون العراقيون والعراق البلد بفضل عمالة بعض (العراقيين) للإحتلال الأمريكي وتناغمهم وخنوعهم للأطماع الإقليمية لبعض الدول المجاورة للعراق..
وبداية نذكر السيد المالكي بأنه كان من فرع حزب الدعوة العراقي اللاجئ في سوريا البعث وحافظ الأسدولسنوات طويلة ويقال بأنه لم تنشا صلات سياسية بين هذا الفرع والولايات المتحدة أيام حكم صدام على العكس من فرع الدعوة المتواجد في لندن آنذاك والذي كان الدكتور أبو أحمد الجعفري يقوده ومع ذلك فقد أسقط صدام ونظامه الديكتاتوري ببغداد ليس بفعل العمل العراقي المعارض سواء من الدعوة أو غيره من الأحزاب والحركات العراقية المعارضةوإنما بالعمل العسكري الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية حيث دخلت بغداد وأسقطت تمثاله في ساحة الفردوس يوم الأربعاء 9/4/2003،بمعزل عن (القوى ) العراقية التي تعاملت معها ومن منطلق العمالة لا أكثر!!،والقصة معروفة ومعاشة يوما بيوم خلال السنوات الماضية والتي غدت أكثر سوادا من أيام صدام وحكمه حيث أخترع العنف الطائفي بين العراقيين وما نسمعه ونراه من القتول والتصفيات التي طالت وتطيل مختلف الشرائح العراقية ومن كل الألوان والجهات العرقية والدينية والمذهبية، وحكومة الوضع الراهن ورأسها مشغولون بعقد الثأر والخوف كما جاء في خطاب المالكي الأخير..
وقبل أن نستعرض فقرات نعتبرها مهمة وذات دلالة نشير الى أن الحكومة قد أعلنت منع التجول المطلق للناس والمركبات يوم صدور الأحكام في محافظات عراقية ثلاث هي العاصمة بغداد وديالى وصلاح الدين وتبعت ذلك محافظة نينوى كما وأغلق مطار بغداد في وجه حركة الطيران المدني،وفي هذا الحيز لم تكن حكومة المالكي موفقة بما يفترض فيه تطبيقها للقانون على كافة العراقيين فقد رأينا من التلفاز كيف تظاهر بعض الناس في مدينة (الثورة ماضيا،وصدام سابقا،والصدر حاليا!!) إبتهاجا بصدور الحكم في الوقت الذي جوبه بعض المتظاهرين المعارضين لهذا الحكم بالرصاص في مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى وتقول الأخبار سقوط قتيل واحد وعدة جرحى نتيجة لفتح النار على المتظاهرين من قبل الشرطة، كما وأن منع التجول الذي سرى مفعوله ودخل حيز التطبيق من الساعة السادسة من صباح يوم الأحد 5/11/06 قد جرى تمديده الى الساعة الخامسة من مساء يوم الإثنين أي أن المواطنين حبسوا في دورهم لحوالي الستة والثلاثين ساعة من دون أي اعتبار أو حساب لمصالحهم وحياتهم والقضية مفهومة فالأمريكان وبقية المحتلين وحكام(المنطقة الخضراء وشعبها!) لا يشملهم هذا الإجراء أما العراقيون فليذهبوا الى حيث ألقت رحلها!

كان من المؤمل أن يسلك المالكي بخطابه هذا التأكيد على ما أعلنه من سعي للمصالحة الوطنية الشاملة طريقا للخروج من أزمة الحكم المستعصية فإذا بنا نقرأ خطابا ليس ببعيد عن المناشير السرية التحريضية لأيام زمان في المعارضة وليس لرجل يفترض فيه أن يكون المسؤول الأول في النظام وبدل أن تكون كلماته محسوبة بإتجاه تعزيز الوحدة الوطننية العراقية وتناسي أخطاء وجرائم الماضي والتصدي بحزم وشجاعة للجرائم التي ترتكب هذه الأيام ضد العراقيين والتي لم يشهدها عهد صدام على بشاعته وظلمه وإذا بنا نجد المالكي يختار حزمة من الشتائم يوزعها على البعثيين وحزب البعث متهما إياهم (..إن حزبه(يقصد صدام) هو أسوء حزب في تاريخ العراق ) وفي مقطع آخر من الخطاب يقول المالكي ( إن حزب البعث مسؤول عن كل الجريمة ولم يكن المجرم صدام ليكون لولا أن تحول البعثيون الى أسلحة للقتل والتخريب وأقلامهم الى تقارير تنتهي بالأبرياء الى السجون والمعتقلات..)
لو كان المالكي منصفا وموضوعيا لما غفل قوافل الشهداء من البعثيين الذين عملوا ضد صدام ونظامه ووصل إليهم وقضى عليهم قتلا وشرد عوائلهم وللتاريخ نقول بأن أول عراقي أغتيل يوم إنقلاب 17/تموز/1968 كان بعثيا هو المرحوم حارث ناجي شوكة وكرت السبحة كما يقال على البعثيين وباقي فصائل القوى السياسية المعارضة خلال السنوات الخمس والثلاثين من عمر النظام المندثر،لكن المالكي وعلى ما يبدو من لهجة خطابه خائف من أن يتجاوز مفهوم وعمل المصالحة الوطنية ومتطلباتها ما كان يرمي من المناورة لا أكثر ولربما أراد الإيحاء بأن زيارة وزير الأمن الأمريكي (جون نيغروبونتي) لبغداد والإحتفاء به بأن (دار السيد مأمونة) على وزن ما كان يهزج به المرحوم نوري السعيد قبيل ثورة تموز/1958!!.
لا أحد يجادل بأن هذا الحكم بالإعدام قد استقبلته شرائح من الشعب العراقي بالراحة والبهجة ممن تعرض ذووهم للإعدام والتشريد والإغتيال داخل وخارج العراق طيلة حكم صدام حسين،لكن هذا الشعور سرعان ما يتلاشى أمام أزمات المواطن العراقي القاتلة والتي تحاصره من كل جانب بداية بأمنه وحياته ومرورا الى تهجيره من مسكنه الى المجهول وتعاملا مع الشلل الكامل لكل متطلبات الحياة العصرية من كهرباء وماء نظيف صالح للشرب ومجاري ونسأل مالذي سوف يستفيده المواطن من إعدام صدام أو بقائه ؟؟ إن تجربة السنوات الماضية وكل ما فيها من إخفاقات وفشل وجرائم قتول أظهرت مقابر جماعية جديدة وخيانة الأمانة والمسؤولية بفضائح نهب المال العام من قبل المسؤولين في هذا النظام وتبديد أموال العراق وترواته الوطنية ومن ثم التطاول وبمخطط شرير يخدم أعداء العراق والسعي لتمزيقه وتشظيه تحت اسم الفيدرالية المشبوهة،كل تلك وغيرها تجعل هذا السيناريو ملهاة للعراقيين لا أكثر ولا نريد أن نجادل المالكي فيما إذا كانت له ولحكمه سيطرة على سجن صدام حسين وأعوانه أم أن الأمر بيد الأمريكان الذين دفعوا بالعديد من المسؤولين العراقيين السابقين من المعتقل الى خارج العراق وفي مقدمتهم الدكتور سعدون حمادي رئيس المجلس الوطني في عهد صدام ومحمد سعيد الصحافآخر وزير إعلام في عهد صدام وغيرهما..فالسيد المالكي الذي صرح قبل أيام بأنه لا يستطيع إصدار أمر عسكري لسرية في الجيش العراقي على الرغم من تسميته القائد العام للقوات المسلحة،عليه أن يراجع حساباته بدقة في مسألة مصير صدام حسين وأعوانه المتبقين، أنني لا أشارك من يقول بأن الإدارة الأمريكية أرادت الإستفادة لصالح جورج بوش والحزب الجمهوري الأمريكي بتوقيت صدور هذه الأحكام قبل يومين من الإنتخابات الأمريكية يوم الثلاثاء 7/11/2006 لسبب بسيط أن المواطن الأمريكي العادي لا يرى في صدام حسين خطرا عليه وعلى أمنه بعد أن توضحت له أكاذيب إدارته الحاكمة في مسألة أسلحة الدمار الشامل العراقية والمواطن الأمريكي ليس معنيا بأن يكون جورج بوش (رسول) الديمقراطية الأمريكية للعراقيين!! وذلك من خلال استمرار نزيف الدم الأمريكي في العراق جراء مقاومة العراقيين للإحتلال الأمريكي وتصميمهم على هزيمته وإنهائه..
وهناك من يفسر التوقيت الأمريكي لصدور الحكم على صدام هذه الأيام بأنه جاء (ليضرب أكثر من عصفور بحجر واحد) فمن جهة يعطي المالكي دفعة معنوية ليصبح أكثر ثقة في نفسه وليستجيب بشكل أفضل وبحماس للمتطلبات الأمريكية والتي على رأسها مسألة حل الميليشيات الطائفية وعصابات القتلة المنشرة في أجهزة الدولة الأمنية ووجوب التصدي لها وإنهائها هذا من جهة أما من الجهة الأخرى فهو جعل مسألة صدام ومصيره موضوع مساومة مع البعثيين الذي يقال بأن منهم من يتحاور مع الأمريكان هذه الأيام !!،وفي هذا الصدد نقول بأن على كل الوطنيين العراقيين ومنهم البعثيون بأن لا يفسحوا المجال لكي تصبح مسألة صدام ومصيره على مائدة المساومات بهدف التفريط بمصالح الشعب والوطن العراقي العليا..
لقد أختتم المالكي خطابه بعبارة متفائلة قال فيها (إن الحكم على الديكتاتور الذي يعد إنصافا لعوائل ضحايا مجزرة الدجيل وإنتصارا لجميع ضحايا النظام البائد،يمثل نهاية مرحلة سوداء وبداية مرحلة جديدة لبناء عراق حر ديمقراطي إتحادي يسود فيه حكم القانون ودولة المؤسسات ويتساوى فيه الجميع،فالعراق اليوم لكل العراقيين،يشمخ بعزتهم وترتفع رايته بوحدتهم الوطنية..)
كلمات حلوة،لا أرى على أرض الواقع من معنى مجسد حقيقي لها مع الأسف..

اسماعيل القادري


لنــدن

E-mail: [email protected]