وداعا صدام.. إغفر لهم يا أبت، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون...
هذه من العبارات الأخيرة، التي قالها يشوع وهو على الصليب..كما تذكر الرواية الإنجيلية، لتنتهي بعدها

وداعا أيها البطل الرعديد..هل تتذكرني يوم التقت عيناي بعينيك عند الجسر المعلق، حينها ارتجفت ساقي كقصبة، أما أنت فقد ابتسمت بشكل غامض لم أفهمه تماما!! أعذرني إذا قلت لك إنك رعديد، فقد كان عليك أن تموت واقفا على بوابات بغداد..
قصة طريق الآلام ومسيرة الجلجلة..ويصلب يشوع في يوم الفصح اليهودي، إذاك اقتضت التقاليد أن يطلق سراح أحد المتهمين تكريما للفصح، وهذا ما حدا بالحاكم الروماني بيلاطس، أن يخاطب الغوغاء والفريسيين ممن تجمع عند دار الولاية، خاطبهم ليذكرّهم بتقاليدهم التي تأمر بالعفو...لكنهم لم يسمعوا بل صاحوا : اصلبه...اصلبه..وبما أن هذه الرواية ترعرعت كما هو معروف في ظل ثقافة هيلينية، فمن المؤكد أنها أرادت أن تعفي بيلاطس من دم المسيح، وتصّوره كمن لاحول له ولا قوة، أمام جمهور يهوديّ متعصب متغطرس، إضطره إلى الإذعان وغسل يديه من دم هذا الصديق!!

ما أثارني في القصة ودلالاتها، تلك التقاليد القديمة التي تعظّم المناسبات والأعياد، وتعتبرها فرصة للعفو والصفح والتسامح وكل ما في القاموس من عبارات الرحمة... فإذا كانت الشعوب في تلك العصورالحالكة والبربرية، تقيم وزنا لتلك المشاعر...فما بالنا نحن في هذه الأيام؟ في الحقيقة لم أرد عقد مقارنات سمجة وسطحية، فأنا أعرف أن الكثير من الدماء سالت في عهد صدام حسين، وأن آلاف الأرواح البريئة قد أزهقت في إيران والعراق وغيرها، إبان حكمه الممتلئ بالحروب( وليس بالروح القدس)..لكنيّ أمام حدث تاريخي مشحون بالرمزية، والدلالة..وأمام واقعة تكاد تتفجر ميثولوجية وأسطرة..فصدام هو نفس، وكل نفس ذائقة الموت(حسب التعبير قرآني ) أو على آلة حدباء محمول.. وهو شخص أعدم مرارا : يوم سقطت عاصمته، ويوم قتل أولاده، وتشرد ذووه، ويوم قبض عليه بمهانة.. فالحديث عن عدالة ومحاكمة نزيهة بسبب قضية الدجيل، هي الدجل بعينه، أقول هذا ليس تقليلا من قيمة الضحايا، بل بسبب عذر أقبح من ذنب، فمثل قضية الدجيل ترتكب يوميا، في طول العراق وعرضه، دون أن ترمش لها عين، ولم ننسى بعد، يوم قصف كلينتون العراق بمئات الصواريخ، إثر محاولة اغتيال بوش الأب في الكويت، فما بالك برجل عنيف كصدام تعرض في الدجيل لمحاولة إغتيال؟
إذن ماهي الدلالات العميقة وراء إعدام صدام؟؟


لاشك أن رد الأمر على الحكومة العراقية فيه نوع من التبسيط والخرافة..فالكل يعلم أن المحكمة قد فصّلت على مقاس الحذاء البرتقالي للحاكم المدني بريمر ( وقصة هذا الحذاء مدوّنة في مذكراته : عام قضيته في العراق، حيث تباهى بإستخدامه مرارا في لبط مؤخرات الساسة العراقيين الجدد على حد تعبيره )..إذن فالكلام عن عدالة ونزاهة في ظل حكومة دميّة، لا تفك رجل دجاجة!! مسألة تضحك( حتى ربات الحجال البواكيا ) فما بالك بالتاريخ الذي سيقهقه ملء شدقيه.. ليس لأن صدام فوق الإعدام، فهو يستحقه، حتى بالأعراف العسكرية الفجّة، لأنه لم يدافع عن عاصمته كما يليق بالرجال الرجال، ولم يمتلك شهامة يوسف العظمة( وزير دفاع سوري )الذي أصرّ في موقعة ميسلون على مواجهة الجنرال الفرنسي غورو وأرتال دروعه، بصدره العاري، كي لايسحقه عار التاريخ!! لذا أعتقد أن شنق صدام كسارق خيول ( من أفلام كابوي )، وبأيدي عراقية، ويوم عيد الأضحى..يخبأ جملة من المعاني.. أهمها ما تشحنه هذه الصورة من أثار رمزية في الذاكرة الجمعية( بإعتبار التاريخ البشري في صيرورته العميقة تراكم لرساميل رمزية ومادية )..ما الذي منع أن يحاكم صدام كميلوشوفيتش في لاهاي، خصوصا أنه خاض حروبا أقليمية لم يرتكبها الزعيم الصربي، وهذا يبيح محاكمة دولية بامتياز!! وأن يتاح للإنسانية وقوى الضمير الأطلاع على ( ماخفيّ وهو أعظم )!! هل لأن ميلوشوفيتش كان زعيما أبيضا لاتجوز إهانة قدسية عرقه ( بالمفهوم التاريخي للإهانه )؟؟ ألأم يخفي الحلفاء بعد محاكمة نوريبنرغ، صور إعدام القادة النازيين، حرصا على عدم خدش الوعيّ الأوروبي وتمزيق ضميره؟؟ لماذا أصر بيلاطوس الأمريكي على غسل يديه والبراءة من دمه؟؟ أليس في ثنايا الفعل..محاولة لإختزال صدام بأنه مجرد شخصية سنيّة، تشنق في جمهورية شيعستان الثأرية البربرية؟؟ أسئلة وأسئلة...كم من الأنفس البرئية ستموت في فورات ودورات وثورات العنف والثأر؟ من سيمنع تشكيل كتائب جديدة ( للشهيد صدام )؟ والسؤال الغريب : لماذا يقتل الرجل في يوم إحتفالي يقدسه الموروث؟؟ ألم يكن ممكنا تأجيل الحكم؟؟ أسئلة قد تلخص الآلية اللاإنسانية التي تحوّل الأمم إلى مختبرات فئران، وميدان سايكولوجي للإحتقار والإذلال والترويض في سرك الأمركة!!
كلمة أخيرة:


وداعا أيها البطل الرعديد..هل تتذكرني يوم التقت عيناي بعينيك عند الجسر المعلق، حينها ارتجفت ساقي كقصبة، أما أنت فقد ابتسمت بشكل غامض لم أفهمه تماما!! أعذرني إذا قلت لك إنك رعديد، فقد كان عليك أن تموت واقفا على بوابات بغداد.. كما تموت الأشجار!!..لكنك آثرت الحياة وهربت واختبأت في حفرة؟؟ لن يناسها التاريخ..كثيرون سيفرحون اليوم، وآلاف البيوت في إيران والعراق ستنثر الحلوى وهذا حقها وهذا يومها، فقادسيتك الحمقاء تركت في كل بيت ( أنة وعويل )...الكثير من العرب سيذرفون الدمع أيضا...ليس لأنهم رأووا فيك البطولة المعتقة، كنبيذ الجرار وحسب..بل لأنهم جرحوا في فؤادهم وكبريائهم القومي!! ربما رأى بعضهم، منظر حبل الإعدام، وعقدته الدراميّة، وبوسعهم أن يتخيّلوا أرجلك في الهواء، وقد غدت فردتا حذائك أعلى من هامات مشاهدي حفلة الموت. لكن قلة قليلة ستعرف أنك آخر فرسان القرون الوسطى العربية، الذين أدمنوا المبارزة في وقت لاسيوف به.

نادر قريط
[email protected]