يدفعنا السؤال السيموطيقي التالي: كيف يدل اللباس؟ وما الذي يجعل من لباس ما دالاً على المحافظة والتزمت، وآخر دالاً على التحرر والإباحية مثلاً؟ بهذا السؤال نحاول أن نسلط الضوء على الموظة التي ظهرت بها جيزال خوري في فضائية العربية مؤخراً، وهي تقدم برنامجها المشاكس بـ العربي. حيث التقت بمنى الكواري قاضية بحرينية، وهي القاضية التي وصلت لأول مرة في البحرين إلى هذا المنصب. ولكن لا يهمنا من ذلك اللقاء، سوى الذي شوهد أن جيزال قد ارتدت لباساً شبه عاري، فيما إذا ساغ لنا أن نقيس حدود العري طبقا لما ظهر في إطار الشاشة التي تعرض في الغالب النصف الفوقي من الشخصية في هذا النوع من البرامج، فقد بدت جيزال بلباس ذي لون أخضر جل مساحاته فارغة. وأن من شأن لون اللباس هذا أن يوّلد معنى ايحائيا Connotation meaning اذا ما جرى تأويله، ليصب في مصلحة خطاب آخر من نوع قديم وراسخ ومقدس أيضاً، في محاولة ابدال لا تنأى بعيدا عن كونها محاولة واعية. إن قراءة أي صورة تعتمد بالضرورة على تاريخ ومرجعية المجتمع وثقافته وتقاليده وممارساته اليومية المعيشة، وكيف يستخدم الناس هذه الاشارات ضمن سياقات محددة لانتاج المعاني الإيحائية. فمن خلال إيكولوجيا اللباس أو أنثروبولجيته يمكن التعرف على مجسات استثارة المجتمع في كل حقوله، وعلى الأدوار والتأثيرات التي يمارسها اللباس في الحرية والقمع. لذلك تستثمر جيزال الرسائل الأنسب التي تُبث عبر الشاشة.
إن ما يلفت النظر في الأمر؛ ظهور جيزال في الحلقة التي تلت هذا اللقاء مرتدية لباسا محتشما وهي تحاور خبيراً عربياً متغربن من وكالة ناسا الفضائية. تبتدئ المقاربة العمدية هنا بالطريقة ذاتها التي كشفت فيها جيزال عن ساقيها في حلقة مضت من برنامجها المذكور أمام شخصية دينية ترتدي العمامة وهو السيد محمد بحر العلوم عضو مجلس الحكم السابق في العراق. تمارس المُقدمة هنا تحدياتها من خلال بدائل إشارية تؤدي وظيفتها، وتبتعد كل البعد عن تلك التي تُعد كأسئلة افتراضية لحوار تقليدي يعالج اوضاعا معينة تجري في العراق مثلاً. ففي مثل هذه الرسائل الميديوية تعتمد جيزال فيها عبر حركات الجسم وانطباعات الوجه والايماءات Gestures التي تتلاعب بها واستخدام الملبس كعناصر، مُبثة عبر الشاشة، على تحليل الشفرات الثقافية وبالتالي القراءات الايديولوجية أو الاسطورية.
انصب موضوع جيزال مع القاضية البحرينية الكواري، المتحجبة والمتبنية ثقافة تقليدية محافظة على كيفية توصل حكومة المملكة البحرينية الى قناعة تنصيبها في مجتمع ذكوري، وفي نظام لم يختبر التحديث سياسيا بعد. وتركزت اسئلتها على ما اذا كان هنالك امكانية توسيع مساحة تمثيل المرأة في البرلمان البحريني، وعلى الحريات والإصلاح وحقوق المرأة. وفيما بدا فأن القاضية اجابت عن الاسئلة الممكنة بمقدار ما كانت تجد نفسها قادرة على الاجابة عليها، وبخلاف ذلك تملصت من الإجابة عن أسئلة رأت أنها لا تعنيها كقاضية. هذه المعادلة التي ألفت طرفيها القاضية البحرينية من جهة وجيزال من الجهة الاخرى قضت أن يكون الرجحان فيها لسلاطة لسان خوري المتمرسة والتي تطرح نفسها منذ زمن كـ ليبرالية لبنانية في فضائية طالما ادعت الحياد والموضوعية. مقابل تراجع واضح في خطاب القاضية البحرينية الذي كان خطابا محافظا ومعتدلاً، ذلك أن رسائل الإعلام اليوم تقوم على سياسة التسويق بدرجة كبيرة. ولذلك نجحت جيزال بايصال ما كانت تروم ايصاله. حيث تحاول جيزال أن ترسل دائما اشارة أو رمزاً معيناً، أو تقدم ايقونة ما الى المتلقي إيمانا منها بأن الرسالة الأيقونية تقيم بإبرازها جزءً من علاقة بنيوية مع نسق لغة وجدته عاجزا هذه المرة، مع ادراكها أن أشياء صورية كاللباس لا تحوز فيها صفة النسق إلا إذا مرت عبر محطة اللغة، التي تقطع دوالها وتسمي مدلولاتها. لكن في هذا النوع من الاهداف أو الرسائل المتبناة في أقل تعديل، تبدو فيه الرسائل اللسانية شديدة التشفير، على حين تبدو صورة جيزال الحية، نقلا متحققا للواقع بكامل العضوية والطبيعية. لذلك قُدم الواقع المعروض مرئيا كرسالة بدون شيفرة على نحو ما يذهب اليه بارت. ومع ذلك لم تكتف جيزال بعرض نفسها شبه عارية، وانما تعمدت التكثيف في ذر العلامات، فتراها تعلق صورة الليبرالي سمير قصير كأيقونة اعلانية على صدرها، سعيا لاكسابها نوعا من القداسة باتباع آلية التكرار، طالما انها تعلقها بصفة مستمرة على صدرها لتصبح منتجا تسويقيا يديم حضوره، ويتشكل بصور فنتازية متنوعة product fiction غير صورته الاصل، كجزء يترسخ في ثقافة تستهلك على الدوام. ونلاحظ كيف تُستبدل تلك الحميمية في العلاقة الأسرية القائمة على رباط زوجي بليغ(صورة الزوج المعلقة على الصدر) بحميمية أخرى، لكن حميمية ايديولوجية هذه المرة، لتفصم بها أواصر طاهرة بحكم التاريخ، لمصلحة تفويض ايديولوجي يلّون طيف جديد من العلاقات السياسية الهادفة. ونلمس هذا التفويض من خلال الثأرية الواضحة في سلوكها بُعيد مقتل زوجها قصير، حينما راحت تتغرب عن أداء وظيفتها كإعلامية وحسب، لتتحدث بندية في ما تختلف عليه مع ضيوفها بمفردات سياسية تنشطت في الآونة الاخيرة، كمصرع رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ومن يقف ورائه، أو تتحدث عن امكانية انسحاب آخر جندي من جنود الجيش السوري من تراب لبنان، عبر استضافة شخصيات من قبيل الصحفي غسان تويني أو السياسي وليد جنبلاط، أو نائب الأسد المعارض عبد الحليم خَدام، إشارة الى البعد الإيديولوجي الذي تنطوي عليه غايات مُقدمة البرنامج، لذلك توحي تلك العلاقات الى تحشيد خطاب يتشكل من خلال ايحاءات وشذرات سياسية يُصرح بها هنا أو هناك، وفي هذا اللقاء أو ذاك. فاللقاء بغسان دال signifier يؤكد رصانة العلاقة التاريخية بصحيفة النهار الليبرالية وبمؤسسها غسان تويني، وتحزيب عمدي للعامل المشترك بينهما؛ مقتل سمير و جبران معاً، وكلاهما ليبراليان. ودال آخر حينما يعبر لقاءها بجنبلاط عن الوجه المضاد للوجود البعثي السوري في لبنان، ما يشبع في جيزال تلك الروح النزاعة لبعد بيروتي مفضوح من خلال استخدام مُتعمد لـ اللهجة، ما يُعلي من الرغبة في تبني فكرة الهوية الأقرب إلى الصحة من سواها، بديلا عن هويات سائدة تراها لا معنى لها فرضت فرضاً وبالقوة. ولنأخذ اللقاء بخدام دالاً آخر يقدم الوجه التقليدي المنسحب من نظامه القومي.
تنساب في هذا السياق ضمنا الاهداف الكامنة التي ترنو اليها فضائية العربية، تلك التي تبث برامجها من بيئة كانت بالأمس القريب بيئة سلفية تكفيرية عانت مسيرة المملكة السعودية بسببها ما عانت من مقاطعات سياسية، اهمها الجفاء الدبلوماسي الذي مرت به مع الولايات المتحدة، ما اضطرها الى البحث عن مخارج بديلة لتصريف أزمات من هذا النوع. كما كانت إلى وقت قريب فضائية العربية مناهضة لما يحصل في العراق بالكامل الا انها اخذت في النصف الثاني من مشوار بثها تدافع عن المشروع التغييري في العراق .... وهنا تبدو جيزال مُعبرة عن أدوار تؤديها بالوكالة لسياسات كبرى من خلال برنامج اعلامي لا يعدو ان يكون ـ اذا ما أُخضِع للتشريح ـ غير معرض صغير تسوق فيه بضائع إعلامية لا تحمل معنى إلا بمقدار ما تُعرض فيه، بل مفضوحة الأهداف. أحالت بها جيزال وظيفتها كأعلامية الى موظفة مؤسسة ليست إلا، قابلة للتدجين بخلاف ما تبدو عليه كـ ليبرالية متمردة. ربما يعد لجوئنا إلى مقاربة سيموطيقية من هذا القبيل خطوة هامة في الكشف عن القيم الدلالية، وإعادة المعنى غير المرئي للصورة والإنسان والتاريخ معاً. ففي لعبة السيموطيقا لا يمكن لكل الأشياء الأخرى أن تنفلت من تورطها في لعبة المعنى.

محمد عطوان
[email protected]