أليس من المفارقات العجيبة ونحن نعيش في عصر انتشار الحريات والثقافات الإنسانية، وتمايز المجتمعات الحديثة بكونها تحيا على منظومة من القوانين الشرعية، وتحت حماية من الدستور الذي ينظم الحياة ويحافظ على العلاقة المتوازنة والصحية فيما بين الدولة كشخصية اعتبارية وبين المجتمع ككل، بما يحتويه من المواطنين وثقافاتهم وطموحاتهم وقيامهم بواجباتهم بروح وطنية جميلة وفعّالة تجاه دولتهم، التي تحافظ على حقوقهم وتحترم مواطنتهم، لتظل الدولة والمجتمع في استمرارية وتفاعل حضاري وعصري، كل هذا يشكل ما يسمى بالوطن.


لكن ونحن في دولة مثل سوريا تعيش في مستنقعات المأساة منذ أكثر من أربعة عقود على ولادة القانون الشؤم، والذي يكنّى بقانون الطوارىء أو الأحكام العرفية، هذا القانون الذي جاء كنتيجة لاستيلاء حزب البعث على السلطة بالقوة العسكرية، وليكون أول نتاجات عقلية البعث هو هذا القانون، الذي هو في حيثياته جملة من القيود والأصفاد على الحريات والدستور والسلطات القضائية والتشريعية وحقوق الإنسان السوري.
قانون الطوارىء الذي جاء بموجب القرار العسكري رقم(2) تاريخ 8\3\1963 والذي مازال يطبق بشراهة وحيوية من قبل مؤسسات الدولة البوليسية وعناصرها، التي تخالف الدستور والقانون، وتعمل تحت عباءة قانون الطوارىء هذا، وليتحول إلى دستور دائم يسمو في قناعاتهم إلى ما فوق الدستور الوطني.


من المعروف في الشرائع والقوانين الوضعية ولدى كل دول العالم أن مثل هذا القانون لا يطبّق إلا في حالة الحرب والكوارث وحصول الاضطرابات العامة، ولكن في دولة البعث تنقلب كل الحقائق والموازين، ويصبح هذا القانون بمثابة عصا وهراوة بيد كل مسؤول، يطيح بها على رأس المواطن السوري أثناء ممارسته لوظيفته أو عمله في دوائر الدولة.


إن من ويلات هذا القانون الجرم، هو أنه عطّل جميع أشكال الدولة والعمل بالسعي نحو دولة القانون والحريات، فمن أسوء نتائجه أن الدستور أصبح معطّلا ومغيّبا عن كل شؤون البلاد، وأضحت السلطات الثلاث تتداخل وتتشابك، في حين نجد أن السلطة التنفيذية تحتكر كل السلطات تحت لوائها، فنجد السجون تمتلىء بالنشطاء وأصحاب الرأي ودعاة حقوق الإنسان، وكل الذين يعبّرون عن آرائهم وقناعاتهم في شؤون البلاد، والسعي نحو بناء المجتمع المدني الديمقراطي، وقد تحوّل ذلك القانون إلى قميص عثمان يلبسه من أصغر عنصر أمني إلى أكبرهم، في اللجوء إلى التعسف في استعمال السلطات وقمع الحريات ومصادرة الحقوق والمنع من التظاهر أو إبداء الرأي، وكل ذلك تحت حجج وشعارات الحفاظ على الأمن الوطني وامن الدولة!!!!
إن قانون الطوارىء الظالم قد حصر جميع السلطات بيد فئة أو نخبة تملك القرار والمصير من السياسيين والعسكريين والفاسدين ممن ينهبون البلاد، فما وجود المحاكم الاستثنائية كمحكمة امن الدولة العليا، إلا أحد نتاجات دولة قانون الطوارىء، وما قيام الأجهزة الأمنية بمداهمة حرمات الناس والقيام باستجوابات أمنية مستمرة بحق النشطاء والمواطنين، ووضع القيود والرقابات على الاتصالات والملكيات والحريات، وحظر التجمع لأكثر من ثلاثة أشخاص، وإصدار الأحكام القاسية من سجن وإعدام دون اللجوء إلى القضاء المدني ولإجراءات المحاكمة العادية ولأصول التقاضي، وأيضا عدم وجود قانون لترخيص الأحزاب أو الصحافة المستقلة والحرة، وحرمان المواطن السوري من المشاركة في الحياة السياسية، واحتكار السلطة، ومنع الشعب من القيام بواجباته نحو الدولة من خلال صناعة القرار والشأن السياسي العام، وتغييبه عن مهامه الوطنية قصدا.


فالنظام الحاكم قانونه فقط احتكار السلطة وشؤون البلاد تحت سقف قانون الطوارىء والأحكام العرفية، وما الدستور والسلطات القضائية وكل مؤسسات الدولة، إلا وسائل وأدوات لاحتكار النظام لكل شؤون حياة المواطن السوري دون وجه حق.


ولقد أصبح مؤخرا الكثيرين ممن هم في هرم السلطة يفكّرون أنه لابد من حصر استخدام هذا القانون في قضايا ومسائل معينة، أي حصرها فيما يخص امن الوطن فقط حسب مزاعمهم، وخاصة أن سوريا تجاهد منذ عشرات السنين لأجل إرساء عملية السلام العادل والشامل، وأن اشتعال حرب مع إسرائيل أصبح غير ممكنا في ظل الهدوء الطويل بين الدولتين، وظهور بوادر نهاية لأزمة السلام في الشرق الأوسط،ولحلحة دولية وإقليمية سترى النور قريبا.


إذا ما الداعي لهكذا قانون ما دام النظام يفتخر بأن المجتمع السوري هو مجتمع من الوحدة الوطنية، والسلم والأمن الأهليين، فلماذا سريان الأحكام العرفية بحق المواطنين الأبرياء، وتفعيل نوع من فقدان الثقة بين السلطة والمجتمع، إذ أنه من الواجب أن تنزع السلطة عن كيان الدولة كل الإرهاصات والقوانين الاستثنائية، وتعود بالدولة والحياة إلى روح الدستور ومبدأ الفصل بين السلطات، وكبح جماح الأجهزة الأمنية الكثيرة العدد والتي أصبحت عصا مؤلمة على جسد المواطن السوري وحياته.


إن العمل بقانون الطوارىء والاستمرار في الحكم العسكري والتسلّح بالأحكام العرفية قد يؤدي إلى انهيار المجتمع، وخاصة أن الدستور معلّق والقانون مغيّب، والعلاقة بين السلطة والمواطن في تدهور نتيجة عدم توافر الديمقراطية، واحتكار الحريات وحقوق الإنسان، مما ادخل البلاد في حالة من الفقر وما تحت خط الفقر، وأيضا استفحال الفساد بكل أنواعه وتراجع السلطة عن القضاء على الفساد والفاسدين، وهذا كله جعل من النظام يفتقد المصداقية والثقة بنفسه وبالشعب، وما بقاء العمل بقانون الطوارىء إلا نتيجة لشعور البعث بضعفه وعدم تمكّنه من قيادة البلاد دون أحكام عرفية وسياسة العصا لمن عصا، وبقاء الدولة في الحالة العسكرية البوليسية، والانزواء في طقوس التسلّط والحكم الفردي، وتهميش دور الشعب والقانون والقضاء والحياة البرلمانية الشريفة.


إن عصر الحكومات المتسلّطة وقوانين الإلغاء والتهميش، و سياسة النظام القائم على حكم الطوارىء والعرف الاستثنائي قد بدأت في الاندحار، في ظل التحول العالمي نحو تغيير المجتمعات والسياسات الكلاسيكية، والعمل لأجل حقوق وحريات مواطنيها، من خلال عصرنة الدولة والحكم، واللجوء إلى الانتخابات الحرة، ووضع تشريعات قانونية لخدمة الوطن والمواطنين تحت حماية من الدساتير والقوانين التي تساهم في خلق مجتمعات مدنية وعلى أسس من الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبعيدا عن كل أشكال وأفكار الدولة الأمنية ونظام العسكر وقبضات البوليس، لما فيه خير الوطن والمواطن وخلق مجتمع إنساني صحيح ومتوازن.


ونحن في وطننا السوري بحاجة ماسة إلى دولة مدنية تعمل بمقتضى دستور عادل وديمقراطي،
يكون الجميع متساوون دون تمييز أو تفرقة، وطن تكون العلاقة فيه بين الدولة والمجتمع أساسه المواطنة وحقوق الإنسان، والقانون هو أعلى سلطة مطلقة لخدمة الجميع.

جهاد صالح
صحفي وناشط في مجال حقوق الإنسان ndash; سوريا
[email protected]