قدرة الحياة في إمكانية المجتمع على تفكيك الإشكاليات التي يواجهها،ولكي يمتلك هذه القدرة يستلزم من قواه السياسية بالذات والاجتماعية والاقتصادية وأية قوة مستترة أو ظاهرة عموما، أن تحدد الأوليات المهمة التي تشترك فيها الغالبية العظمى من أفراد المجتمع،لكي يتسنى لقوى الفعل مهما كان مسماها أن تفّعل المجتمع وتنمي قدراته الذاتية نحو تحقيق المستقبل المنشود.


( هذه الطروحات تبدو مثالية إن لم تكن حالمة، ولكن للحلم ما يبرره من متابع ومعاني يعيش في خضم هذا الواقع حاله ليس بأفضل من غريق يتلهف إلى منقذ.)
وإذا ما أردنا أن نسقط هذه الطروحات في الواقع العراقي،فالإشكالية العراقية المعقدة والمدمرة يمكن تفكيكها على النحو التالي:
حيث القدرة على فهم متطلبات الحياة المعاصرة، ألآ وهي( الحداثة)...والتي تكاد تختفي في العقلية العراقية من اعلى الهرم السياسي وحتى أدنى المستويات الاجتماعية.


فمفهوم( المستقبل) في هذه العقلية لا يتعدى مدى السيطرة والتفوق ألقسري وإلغاء الأخر تغلفه همجية بدوية لا تمت إلى النزعة الحضارية التي تبحث عن الخلاص أو الانعتاق من كل قيود التخلف والانحطاط، ولما كانت المدركات ذات محتوى متخلف فمن الطبيعي أن نجد قوى متسترة بحجج وادعاءات كان الأولى بها أن تنحيها جانبا وتتجه إلى خلق الفرص لواقع أكثر حيوية، واقع فعال يحقق الإنجاز، إلا أننا نواجه حالة معاكسة تماما.


حالة من الاجترار اللامعقول والمتدني للماضي بكل أشكاله المأسوية المتخلفة والهمجية والتي لا تنتج إلا مزيدا من الانحطاط والتشرذم، والغاية هي دعم التفوق والسيطرة،رغم أن تجارب الماضي البعيدة والقريبة وبكل تفاصيلها تكشف أن الفشل كان ملازما بل ملتصقا بها. فهناك حالة انهيار عام لن يسلم منها احد، وإن لم تستدرك القوى الفاعلة في المجتمع العراقي هذا المأزق فان رؤية المستقبل لن تكون في متناولها،والقادم من الأيام ستكون لفظا تاريخيا لمشاريعهم وانهيارا لكل إدعائتهم!!


ولكن ما هي الحلول التي يمكن أن نبحث عنها في خضم هذه الحالة وما تنتجه من تعقيدات لا حصر لها؟.
إن أولى الحلول هي أن نعي الحقيقة التاريخية للإحداث التي نواجهها،ففي الغالب تفسر أو تفهم الأمور بكليتها على أنها مؤامرة أو تدخلا خارجيا مجردا من كل المعطيات والتفاعلات الداخلية،فالعراقيين لو لم يكن لديهم الاستعداد الكلي للمساهمة في الخلل المؤدي للانهيار لما كان ممكننا أن ينجز المشروع ألتدميري الذي يواجه البلد كما هو حاصل ألان وخلال الأربع سنوات الماضية بل منذ سنوات القرن الماضي.


كما أن النظام المعرفي الذي يتمسك به العقل العراقي يكاد أن يكون العامل الفعال في رسم وتثوير الصراعات والتناقضات المستمرة،من خلال الادعاء بتمثلية أو حماية المقدس الذي حملة المخيال الاجتماعي.


قد يأخذ هذا المقدس عدة اتجاهات فتارة يأخذ منحى الاتجاه الديني ليتمحور في مذهبية متدنية تنحدر إلى طائفية تنحي الموضوعية جانبا وتتبنى كل سلوكيات التطرف التي تؤججها القيادات الساعية إلى مكاسب في الغالب لا تهم الناس بأي شكل بل تتعارض ومصالح الغالبية العامة لأبناء المجتمع وفي حقيقتها تتناقض بشكل واضح مع أصول الدين الذي يدعون أنهم الممثلين الصادقين له.


وأخرى تأخذ منحى قومي تنحدر إلى هاوية العنصرية التي لن تنجز مشروعا ولن تقدم حلولا، فهي ببساطة قوى قبلية أو عائلية تزعمت الجماهير باستنهاض العواطف والتطلعات المثالية التي لن تقدم برنامجا تحديثيا حقيقيا.


فالاتجاهين معا يسهمان بشكل فعال في إنتاج استبدادية فاسدة لن تسعى إلا لمزيد من السيطرة والاستئثار بكل ما يمكن أن يعزز سلطتها ونفوذها، وتأريخ الدولة العراقية يكشف عن ذلك بوضوح شاخص.


فمهما ادعت هذه الاتجاهات من شعارات إنسانية أو تثويرية أو تحديثية فلن تكون صادقة في دعاويها لأنها ببساطة غير مؤهلة تاريخيا لقيادة مرحلة الحداثة والتطور العقلاني البحت،وبالتأكيد ستلاقي التراجع و الفشل ذاته الذي لاقته الفعاليات والقوى السابقة التي حضيت بفرصة قيادة المجتمع وأدارته،ولكن بعد أن تخلف ورائها المزيد من الضحايا والتدمير. كما نؤكد على عبثية جموح القوى المتنفذة في المجتمع العراقي نحو استثمار النزعات والتصورات التاريخية والادعاءات بالأحقية، فحتما ستواجه المصير ذاته الذي واجهته القوى السابقة و التي سلكت السبيل ذاته فسقطت بشكل مريع لأنها ببساطة وصلت إلى نهاية الشوط عندما كشفت كل إخفاقاتها عن مدى تدنيها وسطحية شعاراتها أو ادعاءاتها.


لقد ثبت واقعيا أن عصر الايدولوجيا وفي غالبية المجتمعات الحديثة قد تلاشى وأفل نجمه ومن الأجدر بكل القوى مهما كان اتجاهها العقائدي، أن تنحي اليوم هذه التصورات لأنها حتما لن تقدم لهم قراءة صحيحة وحقيقية للواقع الذي يتجه إلى تبني( الإنجاز الحقيقي والامثل) كمعيار للاستمرارية والنجاح والتفوق.


فالإنجاز الامثل الذي يمس حياة الإنسان ويجعله يحيا ككائن يستحق الحياة المثلى، الحياة التي تقدم له المعنى المتجدد لوجوده وتفتح أمامه سبل الأمن بشموليته وتيسر له السبل الناجعة التي تمكنه من التمسك بالوطن ليجد بل ليخلق مفهومه النوعي للوطن، هي الحياة التي تستحق أن تعمل كل القوى المتصدية لإدارة البلد على تحقيقها.


إن الإنسان ببساطة شديدة،هو كائن يبحث بطبيعته عن استمراريته في الحياة بل يقاتل من اجلها وقد يفقد حياته في لحظة المواجهة،لأنه في النهاية يّعد الوجود حقيقته الأولى والأخيرة.


إن القدرة على التحول وتبني المفاهيم الحيوية والفعالة للإنجاز هي السبيل الأكثر جذوة وملائمة لإحداث التغيير الحقيقي الذي تبشر به القوى المتصدية،والتي يقتضي منها أن تكوّن نظرة جديدة للأخر،ولم تعد القناعات إن كانت صحيحة أو تعاني من خلل أو صادقة أو محرفة ذات أهمية، إنما المهم والأساسي هو،ماذا أحدثت هذه القناعات من آثار وأوضاع ومواقف وسياسات،وما هي فعاليتها في تحديد وجهة المجتمع، هل ستشكل حاجزا أمام التغيير والتحول أم ستدعم الاتجاهات التي تجسد بنى وأسس التطور باتجاه الحداثة والانعتاق نحو المستقبل؟.


إن السياسات والفعاليات اكتسبت أهمية قصوى في تحديد معايير التقييم،فلم تعد الشرعية أو الأحقية التاريخية هي الأساس الامثل والدائم الذي يعتمد لدى الغالبية العظمى من المجتمع في عملية القبول أو الرفض،إنما السؤال الكبير الذي يطرح وبكل وضوح، هو ماذا تحقق...؟ وما هو حجم الإنجاز النوعي الملموس!!!؟


ولنأخذ مثلا الادعاء الديمقراطي، بأن صناديق الاقتراع هي الفيصل الأول في تحديد معيار الشرعية،وهذا صحيح إلى مدى محدد،حيث أن هذا التقييم يتلاشى مع أول خطوة في طريق تحمل المسؤوليةlsquo;أضف إلى ذلك أن صناديق الاقتراع هي آلالية المثلى لحد الآن لإيصال من هو كفئا للمهمة،وليس معيار مطلقا ودائما للشرعية.


فالإنجاز هو المعيار الحقيقي والواقعي للشرعية وديمومتها،وكل من لا يتمكن من تحقيق فعل يسمو إلى مستوى الإنجاز النوعي ستنهار شرعيته عاجلا أو آجلا،وهذا هو مفهوم الديمقراطية، ومن يدعي بأنه مؤمنا أو يسعى إلى واقع ديمقراطي عليه أن يدرك ذلك بوضوح.


قد يكون الادعاء تكتيكيا أو مرحليا،وقد تتم عملية السيطرة والحسم باتجاه التفرد إلا أنه مع بداية شروع القوة التي تتبنى هذا المنهج ستسقط حتما في هاوية المأزق التاريخي الذي سيتعمق يوما بعد آخر إلى أن تصل هذه القوة مرحلة الانهيار و التلاشي،بعد أن تخلف ورائها تجربة مأساوية تعاني منها أجيال المجتمع المتعاقبة وهنا لابد أن نؤكد بان التاريخ لن يقف بجانب احد سواء أكان فردا أم شعبا فمتغيراته مستمرة ولن تنفع حينها كل محاولات وصمه بأنه مؤامرة كبرى.


ولأن الحضارة ليس ادعاء، وبناء أسسها ليس نزهة أو مغنما سلطويا أو عملية أدعائية،بل هي تفاعل تاريخي وحيوي مستمر للإنجاز النوعي الذي يخلق إنسانا قادرا على فهم امثل لوجوده. لذلك فان كل القوى (الوطنية) الشاخصة في الساحة العراقية ومهما كانت برامجها وادعائتها ومشاريعها عليها أن تدرك هذه المسألة، إذا أرادت أن تؤسس لبنى حضارية فعلا وكانت صادقة مع جماهيرها ومجتمعها ووطنها.


وهناك مسألة في غاية الأهمية والحيوية آلا وهي أن التشرذم والتنافر وتأجيج التناقضات لن يتسق والمستقبل المنشود،لأن من يسلك هذا السبيل لن يتمكن ولا يمتلك القدرة على خلق أي مجتمع مهما صغر حجمه وان وصل إلى عدد أفراد العائلة الواحدة. فالتاريخ يكشف بل يعلمنا بأن كل الحضارات الإنسانية المتعاقبة،امتازت بالشمولية وقبول الآخر وتحقيق التفاعل الإنساني،بل إحدى أهم مقومات الحضارة هي التفاعل مع الأخر وإلغاء الحواجز وحل التناقضات وتفكيك الإشكاليات،وما تبشر به و تسعى له العولمة المعاصرة اليوم هو مثال ساطع لما ندعيه.

جمال البزاز
أكاديمي عراقي