غزوات لندن ـ2ـ

العنف والدم يجد له مبررا دوما، ولكن من الخطأ نقاش المبررات بل يجب علينا الخوض في التفسير كي لا تلغي هذه المبررات عقولنا من جهة، ومن جهة أخرى كي لا يأخذنا المدافعين عن السلطات الهجينة بحجة أن الخلل المركزي في الشعب الإسلامي ودينه. لدينا موجتان الآن يجتاحان الإعلام العربي والعالمي: الأولى التي تفسر مبررة الإرهاب الإسلامي بحجج لها علاقة بالصراع العربي الإسرائيلي واحتلال العراق وبالتهميش الاجتماعي والفقر وأزمة الهوية..الخ والثانية تفسر الأمر بأنه يجب اقتلاع الدين الإسلامي واتباعه من جذورهم لأنهم هم هكذا جملة وتفصيلا: اتباع عنفيين لدين عنيف ودموي. والأديان الأخرى جميعها مسالمة حتى لو كانت طوائف من الإسلام ذاته! وهنا العجب العجاب، فتارة يأتون بمثال عن سماحة الدين المسيحي أو الهندوسي..الخ. وكأن الدين الإسلامي الذي بقي مضمرا تحت جناح السلطات في البلدان ذات الغالبية الإسلامية نصف قرن من الزمن: كان دمويا ولكنه متحالف مع السلطة. وهذه السلطة هي من كانت تضبطه. أما الآن فلم يعد هنالك سلطة ما تمارس هذا الضبط عليه وتحول فجأة إلى وحش يلتهم العالم. ومن الملفت للانتباه أيضا أن الكثير من الكتاب يتحدث عن سلطت شمولية واستبدادية في العالم الإسلامي، ولكن عندما يأتي الحديث عن الإرهاب الإسلامي يتم عزل مفاعيل هذه السلطات عن هذا الإرهاب الإسلامي. ويصبح الإرهاب الإسلامي قضية قارة ووجودية لا علاقة لهذه السلطات بها. وهنا يبدأ التضليل الأيديولوجي. منذ أكثر من خمسة عقود وحتى اللحظة لا يوجد إرهاب لا إسلامي ولا ماركسي ولا ليبرالي! دون وجود حامل سلطوي له خصوصا في البلدان ذات السلط الشبيهة بسلطنا. إن التأسيس الممنهج لخصوصية سلطاتنا في المجتمعات العربية والإسلامية سواء لجهة خصوصية دينية لمواجهة اليسار في السابق والآن خصوصية ثقافية قومية لمواجهة المد الديمقراطي والحقوق إنساني. وليعطونا هؤلاء مثالا واحد فقط: أي تنظيم إرهابي إسلامي في العالم ليس له حامل سلطوي بل هو تنظيم قطاع خاص!؟ هذا السؤال موجه للغرب والشرق على السواء. وإذا كانت تنظيمات القاعدة بكل تفريخاتها القطرية والعالمية قد أسست لها الحرب الباردة قاعدة مادية ولوجستية تتحرك بها في الغرب والشرق. فإنها الآن غير الحامل بحكم نهاية هذه الحرب وأصبح الحامل هو السلطات التي لازالت خارج التاريخ: إيران سورية ليبيا وبعضا من مراكز قوى داخل سلطات أخرى. أليس من الطرفة أن يتحول الظواهري وبن لادن إلى قوة لا تستطيع كل قوى العالم مجتمعة القبض عليهم فيما لو أرادت! ألم يهدد الظواهري لندن قبل فترة وجيزة! ما الذي تفعله السلطات العربية في التعامل مع الفكر السلفي بمنتوجه العنفي والجهادي: ببساطة تعتقل أفرادا من جهة وتمنع الثقافة الليبرالية والحقوق إنسانية وتغيب مفهوم الحرية! ولكنها لا تستطيع منع الجامع والنص القرآني..الخ ومع ذلك هي تستطيع لو أرادت أو لوجدت أنها مهددة من هذا النص. هل قوى القاعدة والإرهاب تنزل من السماء؟ أما أنها تربت بيننا؟ ووفق نفس السلطات؟ هذا الإرهاب ببساطة هو قوى خارجة عن القوانين الدولية والمحلية. ولأنها كذلك لا يمكن لها أن تتحرك في أية دولة بالعالم دون أن: يكون لها حامل سلطوي. هذا الأمر يدركه الغرب جيدا ولكن سلم أولوياته يمنعه من الإفصاح عنه على ما يبدو. كما يمنعه من البحث في أصول الظاهرة الدموية هذه في علاقتها بالسلطات السياسية التي باتت أقوى مما يتوقعه الكثيرين في الدفاع عن آخر معاقلها الاستبدادية حتى لو نشرت العنف في كل العالم.
الإرهابيين في العراق من أين ياتون؟ من يدعم حركة حماس؟ لماذا الإعلام الغربي أحيانا يحمل الإرهاب في العراق للسلطات المجاورة من جهة ولا يرد على هذا الأمر من جهة أخرى!
ومن النافل القول أن لندن كانت أهم مركز من مراكز تحشيد المد السلفي والأصولي خصوصا إذا عرفنا أن بريطانيا لم تكن بعيدة أبدا عما يجري من تحولات في كل منباكستان والهند وأفغانستان. ولهذا هي كانت تدرك ما يمكننا تسميته بالصحوة الإسلامية في بلدان الشرق وتعرف مداها ومغازيها. ولهذا هي من ساعدت على تأسيس قاعدة لوجستية لهذا الإسلام المتطرف في بريطانيا. وكلنا يذكر أزمة السياح في مصر وأين كان قادتها؟ كما حاولت السلطات المصرية جاهدة أن تقومة بريطانيا بتسليمها هؤلاء لكن بريطايا كانت ترفض ذلك. ومع ذلك يمكننا التأسيس ولو جزئيا على أن الإسلام المتطرف في لندن هو نتاج أكيد لدور بريطاني سلطوي إسلامي ـ في البلدان الإسلامية. انطلاقا من ذلك يمكننا أن نتحرك في تعقيدات ما يجري من غزوات لندن. ألم تكن بريطانيا القوة الأكثر دعما للإسلام السياسي بعد أمريكا الذي أرادته بمواجهة اليسار عموما والسوفييت في أفغانستان خصوصا؟ وفي نهاية الأمر هنا نقول: ما كان لقيام هذا النوع من الحلف السياسي شعبيا دون إعطاءه عنوانا مناسبا لحجم فعله وهو العنوان الأكثر تجييشا وتحشيدا ( الصحوة الإسلامية )
يتبع....


غسان المفلح