وجّه صديقي علي حاكم، الكاتب والمترجم وأستاذ الفلسفة، تساؤلاً لي ولمجموعة من الأصدقاء الكتّاب، هذا نصه: ينتسب المثقفون العرب ( الثوريون منهم على وجه الخصوص) إلى صدام، أو عبدالناصر، أو جيفارا، أو ماو، أو أو أو. ويستدعون التاريخ شاهد صدق على ما يقولون ويريدون. ولكن ما من مثقف عربي، ولا من صحيفة عربية، ولا قناة فضائية أو أرضية، ما من مقالاتي، ولا خطيب، ما من رجل دين ولا إمام ذكر يوماً في العاشر من عاشور معنى الحسين؟. يذكر المثقف العربي ( والصبية منهم على وجه الخصوص يحملون صورته نيشاناً) جيفارا بألف خير وخير ويأسفون لغياب الثوار، فهل يُلام الشيعة على لطمهم حيال هذا التجاهل والتناسي.


في البداية أهملت الإجابة عن التساؤل، لأن ما بيننا ممازحات وحوارات يومية تجري في نطاق الاميلات، ولم تتنفس هواء النشر بعد، لكنني أعدكم بالتفرغ لها لاحقاً. لكن علياً أرسل ثانية وهو يلحّ ويريد جواباً، فهل أصرف نظري من باب التكاسل؟ أم من باب لا نريد أن نفتح باب التثقف الزائف في ثقافتنا العربية؟.


من المؤسف، أن ( معنى الحسين ) الذي لا يستوعبه معجم الثقافة العربية، سوف يظل مجهولاً إلى الأبد. لأن ثمة من يختزله في رمزٍ مذهبي، والمتنور أكثر يعتبره رمزاً إسلامياً، والحقيقة أنه رمز إنساني يستوعب الجدل الوجودي في تاريخ البشرية؛ أعني صراع الإنسان مع قوى السلطة التي تستلب إنسانيته. وهكذا، لن يظفر علي حاكم بجواب قط على تساؤله الإشكاليّ، لأن الذين يتوجه إليهم التساؤل إنما هم مشتركون في عملية التباس الجواب. وبسبب ذلك؛ فإنّ الدائرة مُحْكَمَة الإغلاق، فما أن نبارح موضعاً حتى نعود إليه ثانية، كأننا ما بدأنا وما انتهينا. هذا يذكرني بحكاية رجل الدين الذي كان في مجلس خاص يعظ الناس حول اللواط، فقال لهم: إن العرش يهتز لحظة ارتكاب اللواط، وبعد أن هبط الليل وتفرق الناس، ولم يبق إلا هو وابن صاحب المجلس الشاب الوسيم، راود الشيخ ذلك الشاب عن نفسه، فامتنع الشاب مذكّراً الشيخ باهتزاز العرش، فأجابه: دعنا نمارس اللواط وأنا أضمن لك عدم اهتزاز شعرة في مفرق رأسك. هذا هو حال المثقف العربي، يوقد مشعل التنوير في كلماته المعلبة ببلاغة براقة يغوي بها الناس لكنّ قلبه وعقله مترعان بالظلام. يطلب جذوة الثورة في نيكاراغوا ويتناسى الشعلة الوهاجة في كربلاء، وينطبق عليه قول أبي الحسن التهامي:
ومكلّف الأيامَ ضدَّ طباعِها متطلّب في الماءِ جذوةَ نارِ
الجريمة التي ارتكبتها الثقافة العربية بحق الحسين أقسى من الجريمة التي حزّت رأسه، وقتلت أهل بيته جميعاً، وسبتْ عياله، وزيفت التاريخ، وها هي النتيجة، رُكَبٌ يرهقها الركوع، وجباه تتوسطها ( زبيبة) السجود، كما في اصطلاح أخواننا المصريين، وحناجر مبحوحة بتلاوة المصحف، لكن جوهر العملية كلها زائف: جبهة تسجد ويد تسرق [ الأمثلة لا تحصى].. ركب تركع وشهوة تركض[ لنتذكر حكاية السلفي المغربي في سجون المغرب الذي كان يمارس الجنس مع فتاة أدخلت إليه سراً، ورجل الدين البحريني الذي ضبط يمارس الجنس مع فتاة أفريقية في سيارته الخاصة على شاطئ البحر].. حناجر تُبَحّ ولسان يحرّض على العنف [ لنتذكر أسامة والظواهري وأضرابهما ممن يجند لسانه للحث على القتل].


القضية ليست في حزّ رأس الحسين، فالرجل يعرف مصيره ومصير عائلته سلفاً، لكن المصيبة الحقيقية في تحريف روح المجتمع العربي والإسلامي بجعله مجتمعاً يرى في القوي الباطش رمزاً قومياً ولا يكترث باقتران الشجاعة بالفضيلة، ويرى في حامل الدين ديناً مطلقاً ولا يلتفت إلى ما أبعد منه وأسمى فيسقط في عبودية أراد الدين تحريره منها. وهنا تكمن الالتفاتة الذكية للحسين الذي اكتشف أن الدين الذي أراد تحرير العرب من عبودية الوثن، قد تحولوا من الوثن الخالي من الدم واللحم إلى الوثن المكتنز لحماً ودماً، لا بل فكراً معلباً ببلاغة مسكرة للذات العربية عاشقة قشور البلاغة وناسية المعنى الأبعد والأسمى. وبوسعكم أن ترجعوا إلى كتب التفسير، أو كتب الإعجاز، وسترون أن القرآن كله يُختزَل في: الإعجاز البلاغي، وكأن الله تعالى يريد أن يستعرض قدرته البلاغية بوجه العرب، ويثبت عجزهم عن الإتيان حتى بآية واحدة. وعندما تقرأ الأقوام الأخرى هذه النظرية الإعجازية، سوف تتساءل: هل القرآن كتاب أدبي خالص؟ ما الحكمة من نزوله على أمة الأدب والبلاغة؟. طبعاً كتب التفسير والإعجاز والبلاغة، أسرفت إسرافاً شديداً في حصر القضية في الإعجاز البلاغي. ومن حقنا أن نتساءل نحن: وماذا بعد؟ يعني لو افترضنا جدلاً أن الإعجاز كله في البلاغة، ماذا يترتب على ذلك؟ ما الفائدة التي نجنيها من هذا الافتراض؟. طبعاً الإيمان بهذه النظرية، يجعلنا ننسى كيف عالج القرآن أو الإسلام مسألة الإنسان، وهي في نظري أهم مسألة يجب أن نبحث فيها. ومع أن هذه المسألة تحتاج وقفة طويلة، لكن أقول إن الحسين أراد يعيد النظر بمفهوم الإنسان، هل هو الراكع الخاشع الغاطس بعبودية جاهلة تتحكم فيه وتنخر عقله وروحه ووجوده كله؟ أم هو الذي يمارس بروح وعقل منفلتين من قبضة العبودية. هذا هو السؤال المضمر في الحسين.
وبسبب عدم التمكن من صوغ مفهوم للإنسان المتحرر من الداخل في الفكر الإسلامي، أصبح الدين سبباً لتخلف الشعوب، لأن ذوي غرائز التسلط قولبوا المجتمعات المتدينة على ممارسة العبودية تزلفاً للخالق، بمعنى أن الإيمان لا يكون إلا من خلال العبودية، وهذه كذبة السلطة لا الدين، لكنها ألصقت بالدين بسبب خبث السلطة وصراعها الأزلي مع الدين. ومن هذا المنظار يجب أن نعيد قراءة مقولة كارل ماركس: الدين أفيون الشعوب. أي يلزم أن نحيي السياق الذي وردت فيه المقولة، إذ دائماً ما يقصى السياق وتظل المقولة تتأرجح بحسب أهواء المنتقدين.


الحسين رجل قليل الكلام، أوجز كل ما أراده بعبارته الشهيرة التي خاطب بها عبيد بني أمية، أو عبيد السلطان: كونو أحراراً في دنياكم. ولأنهم لا يفقهون معنى التحرر كما لا يفقهه المتثقفون ممن اتخذوا صدام حسين أو عبد الناصر أو.... إماماً ثورياً من دون أن يميزوا بين الثورة والعنف، أو يميزوا بين ثورة مخادعة تبتغي الوصول إلى السلطة وبين ثورة تتوجه إلى النفس والعقل لتحريرهما من عبودية السلطان، أقول لأنهم كذلك وقعوا في عبودية ما حذرهم منه الحسين.


ثمة فرق كبير بين المثقفين والكتبة. المثقفون لا ينتجون الثقافة اعتماداً على وسائلها المثيرة، بل ينتجون موقفاً ومعنىً ينتج عنهما ضرورةً دعم وقوة لوسائل الثقافة. هكذا يجب أن تُفهَم أفكار الفلاسفة، وكلمات الثوريين، وأساليب الأدباء والفنانين، وحجج الكتّاب وطرائقهم في تحليل العالم.
ومثلما تكمن قيمة نيتشه وهوسرل ودريدا وحتى انشتاين في السخرية من الحقائق المطلقة والمعنى الثابت، فإن قيمة الحسين في رفضه فرضية إطاعة الحاكم الجائر، تلك الفرضية الغريبة عن جسد الإسلام، التي صكتها الدكتاتورية الدينية في عهودها الاولى لدى الأمويين والعباسيين.
لا يمكن اختزال الحسين في الدلالة الدينية، ولا في الدلالة الأضيق الطائفية، إنما في تحريره من عقلية الاختزال التي يمارسها المثقف العربي حياله. يخجل المثقف العربي lt;lt; الليبراليgt;gt; أو lt;lt; العلمانيgt;gt; من أية مرجعية فكرية أو ثورية ذات علاقة بالحسين، لا بل يمرّ في أقصى وأقسى لحظات الخجل عندما يجد تطابقاً ما بين الحسين وفكرة علمانية مثلاً. المثقف العربي، لا يني من ممارسة عقدة المرجعية مع أية نظرية أو فلسفة أو فكرة جديدة ( الماركسية، الوجودية، البنيوية، الظاهراتية.... ) بأن جذورها جذور عربية، هو لا يخجل من الفهم الساذج، ولا يخجل من نبذ النظرية أو الفلسفة وتبنيها في آن كما حدث لدى عدد كبير من المتثقفين الذي قرأتهم وناقشتهم فغضبوا وزعلوا رداً على مناقشتي. المثقف يخجل من الحسين، لأنه ينظر إليه من خلال نافذة الشعائر، ونافذة الطقوس، التي أعتقد أنها زادت المتثقف تجهيلاً بالحسين. لكن التساؤل المشروع، هل هنالك فكرة بحجم الحسين من دون شعائر؟. استعرضوا معي تاريخ الديانات ndash; وهو أهم تاريخ في الوجود البشري- ستجدون أن الطقس جزءلا يتجزأ من الدين، وبوسعكم أن تبدلوا المفهوم كما تشاؤون من الطقس إلى الشعيرة إلى الأسطورة، فليس ثمة فرق.
طبعاً لا يمكن معالجة الحسين؛ الرجل المُبَلبِل لتاريخ العرب قاطبة، الرجل القالِب المفاهيم، المطابِق بين المُثـُل والفعل، الرجل السبّاق إلى اكتشاف معضلة الوجود أعني معضلة العبودية الروحية، وأعلن كل ذلك في جملته الوجيزة الكنيزة إذا جاز لي الاشتقاق: كونوا أحراراً في دنياكم، أقول لا يمكن معالجة الحسين في هذه المقالة التي ربما أجني من ورائها تهمة: أنني طائفي، على عادة المتثقفين الذين يُجهّزون التهم كمثل الخُشُب المسنَّدة قبل أن يفكروا أو يعتبروا بفكرة الحق.


ويخطئ من يعتقد أن الشيعة، فهموا جوهر الحسين وتعلموا منه التحرر الداخلي من العبودية، وينطبق الأمر نفسه على السنة الذين ينظرون إليه من وراء حجاب الصراع الطائفي، أو الذين مازالوا يكررون: نحن نحب الحسين ويزيد بنفس المستوى؛ هؤلاء صحابة ونحن لم نصل حتى إلى تراب أرجلهم. طبعاً هنا تُسكَب العبرات الحقيقية، حينما يتساوى المجرم والبريء، ولم نعد نميّز بين الفاسد والطهور. وهنا يجب أن نتذكر قول أبي الطيب المتنبي:
فما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرهِ إذا استوتْ عندهُ الأنوارُ والظلمُ
والموقف نفسه يتكرر اليوم، حينما نقول: إن صدام حسين ارتكب فواحش الإجرام، يهب من يهب ويقول: وماذا تقول عن فرق الموت؟. والحق يقتضي أن ندين الاثنين، ولا نقيس هذا بذاك؛ أي لا يمكن أن نطهر صدام حسين بسبب وجود فرق الموت، أو وجود الاستبداد في العراق الآن.
الحسين خالق الفتنة، الفتنة لا بمعنى حرث الباطل، إنما حرث الروح لغرس الحق بالتحرر من العبودية. وهكذا فهو يستثمر الطاقة الدلالية المشرقة في كلمة: الفتنة، أعني دلالة الجمال، ودلالة الغواية على ممارسة الحق.
ومع ذلك أجدني قاصراً ومقصراً في الجواب؛ لأن الموضوع لا يتعلق بالحذلقة في الجواب، إنما في الموقف والاعتقاد المسبّق. ولو وصل العقل العربي إلى نقد المسلمات المسبقة، فقولوا معي: اعتبرنا بعِبرة الحسين، وكنّا أحراراً في دنيانا.

ناظم عودة

[email protected]