لبنان: زيادة أجور هزيلة كإنجاز حكومي
عمال يرزحون تحت خط الفقر.. يزدادون فقرا

تقدر نسبة الأجراء غير النظاميين من مجموع الأجراء العاملين في لبنان، بأربعين بالمئة، وهؤلاء غير مستفيدين من أي قرار لزيادة الحد الأدنى للأجور أو تصحيح الأجور، وبالتالي لا بد من معالجة خاصة لأوضاعهم عبر برامج تستهدف تنظيمهم وتحسين ظروف عملهم. لكن هذا الواقع لم يكن ملحوظاً في مشروع الهيئات الاقتصادية التي سلّمته مؤخراً، وأبلغت السنيورة أنه بمثابة quot;العرض النهائيquot;، أي أنهم لن يقبلوا بأي تعديلات عليه، لجهة مقدار الزيادة ونوعيتها وتاريخ سريانها والفئات المستهدفة بها، أو لجهة زيادة التقديمات والتعويضات الملحقة بالأجر، ورأت الهيئات أن مشروعها يجسد الحدود القصوى التي لا يمكن للمؤسسات تجاوزها.
من ناحية أخرى تدرس روابط الأساتذة والمعلمين خطواتها للتحرك، لتنفيذ سلسلة اعتصامات نقابية لإبقاء القضية حيّة، عشية العودة إلى المدارس، إضافة إلى تنفيذ الإضراب مع بداية الموسم الدراسي، يقول رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن إن قيادة الاتحاد ستنضم إلى أي تحرّك بهدف تحسين شروط تصحيح الأجور، وستبادر إلى إطلاق تحرّكات عمالية ضد الحكومة، في المقابل أنجز وزير العمل، محمد فنيش، تقريره في شأن تصحيح الأجور في القطاع الخاص، ويعكف وزير المال محمد شطح على وضع اللمسات الأخيرة على مشروع القانون المتعلق بزيادة الأجور في القطاع العام. وبحسب معلومات صحافية، فإن الملف سيكون جاهزاً، في مطلع الأسبوع المقبل، لطرحه على مجلس الوزراء، في أول جلسة يعقدها، واتخاذ القرارات التي يراها مناسبة، بما في ذلك المتعلقة بتمويل كلفة الزيادة المترتبة على الخزينة العامة، والمقدّرة بما بين 500 مليار و850 مليار ليرة. فيما تعتبر الهيئات الاقتصادية ان زيادة الاجور حاليا ستؤدّي الى تقليص الوظائف المتاحة امام اللبنانيين. على صعيد الحكومة بات لدى الوزراء المعنيّين تصوّر واضح لما سيتم طرحه على طاولة الحكومة في اجتماعها المقبل لجهة رفع الحد الأدنى الى 500 الف ليرة (333 دولاراً)، وتصحيح الأجور في القطاعين العام والخاص عبر مبلغ مقطوع قيمته 200 الف ليرة فقط لا غير (133 دولاراً). علماً أن هذا المبلغ قد لا يوازي المبلغ الذي يدفع أجير للوصول إلى مكان عمله شهرياً.

مع quot;مشروع الهيئاتquot;

جاء مشروع الهيئات الاقتصادية بصيغة quot;مشروع مرسومquot; يعرض على مجلس الوزراء، ومنه quot;اعتباراً من صدور المرسوم في الجريدة الرسمية يحدد الحد الأدنى الرسمي للأجر بمبلغ خمسمئة ألف ليرة لبنانية ويطبّق وفقاً لأحكام المادتين الأولى والثانية من القانون 63/67 الصادر بتاريخ 16/5/1967quot;. و quot;يضاف إلى أساس الأجر، الذي كان يتقاضاه الأجراء الذين تتراوح رواتبهم بين ثلاثمئة ألف ومليون ونصف مليون ليرة كحد أقصى، مبلغ مقطوع قدره مئتا ألف ليرة لبنانية لا غيرquot;. على أن يعتبر هذا المبلغ quot;زيادة غلاء معيشة وتحسم من قيمة الزيادة كل زيادة رضائية منحت لأجير منذ 1/1/2004 وغير متعلقة بسلسلة الرتب والرواتب لدى المؤسسة أو الزيادات الآلية أو من باب الترقية وإن كانت هذه الزيادات تفوق الزيادة المقررة من هذا المرسوم فلا يجوز خفضها، أما إذا كانت أقل منها فيستفيد الأجير من الفارق فقطquot;.


وقد عكست الصحافة رأي وزير العمل بهذا المشروع الذي اعتبره يمثل تقدّماً ملموساً، إذ إن الهيئات الاقتصادية كانت ترفض إصدار المرسوم من أساسه، وقد اشترطت في بعض مراحل المفاوضات أن يتضمن المرسوم عبارة laquo;لمرة واحدة وأخيرةraquo;، وهي تراجعت اليوم، وقبلت بزيادة الأجور، إلا أن المشكلة تكمن في أن الاتحاد العمالي يصرّ على أن تكون الزيادة أكبر وتمثل نسبة مئوية من الأجر، أي أن لا تكون عبر مبلغ مقطوع، وأن تكون بمفعول رجعي اعتباراً من أول هذا العام. وأشارت معلومات إلى أن الوزير فنيش سيحاول تحسين نوعية القرار الذي سيصدر عن مجلس الوزراء، إذ يمكن أن تطال الزيادة شطوراً أعلى من الأجر، وأن تكون بمفعول رجعي من أول أيار الماضي، وأن يتم تحسين ملحقات الأجر في القطاع الخاص على غرار ما يتم بحثه في القطاع العام.

يبدو ما يراد له أن يصور كإنجاز حكومي لا يعبر عن حاجات الفئات المهمشة في لبنان، فالوضع المعيشي الضاغط قد لا يسمح لشريحة واسعة ترزح تحت خط الفقر من معالجة يومية لحاجات ملحة. أما الطرح القرب للواقع، والذي تنادي به النقابات والاتحاد العمالي العام، والذي يطرح مبلغ يزيد عن 850 الف ليرة لبنانية كحد أدنى للاجور، مع مفعول رجعي يعود إلى أيار مايو الماضي، مع تصور واضح للتناقص المستمر في القدرة الشرائية للمواطن اللبناني، والتي وصلت إلى أرقام قياسية العام الحالي زادت فيه بنسبة 30 بالمئة وفق متوسط القياسات. إنجاز هزيل جداً لا يلبي مطامح العمال والأجراء بسد رمق أطفالهم، ومتابعة صراعهم اليومي مع الضرائب وطبقة الرأسماليين ndash; السياسيين الكبار الذين يتحمكون بالبلاد والعباد. ستظهر الأيام والأسابيع القليلة القادمة مدى إمكانية توظيف الاحتكاك السلمي للنقابات والعمال مع الحكومة، وإمكانية الابتعاد بهذه التحركات السلمية عن الارتهان لهذا الزعيم أو ذاك، كي لا توظف هذه الحركة المطلبية المحقة سياسياً في الحسابات الانتخابية الضيقة للزعماء الذين لم يبالوا أصلاً بمعاناة المواطن طوال فترة تواجدهم المستمر فوق رقاب الناس في المعارضة والموالاة، وتنقلاتهم المضحكة بين الحكومة وخارجها من خندق الى آخر، وقد عودونا أنهم درسوا بشكل مسبق في كل مرة كيفية سلب المواطن لقمة عيشه قبل أن تصل إليه بموجب مرسوم، فلن يتفاجأ المواطن بسلبه هذه الزيادة الهزيلة في مستقبل قريب بعد إقرارها.

عماد الدين رائف