منذ اسبوعين تنشغل الأوساط السياسية والشعبية في إقليم كردستان بالأزمة التي تعصف بالإتحاد الوطني الكردستاني حزب الرئيس العراقي جلال طالباني وهي أزمة حقيقية تقترب بإعتقادي وبدون مكابرة أو خداع للنفس الى حد الإنهيار بالحزب، وهذا يشكل كارثة حقيقية على مجمل العملية السياسية في كردستان ستجر بتداعياتها حتى على العملية السياسية في العراق..

وكانت ردود فعل السيد مسعود بارزاني تجاه الأزمة نابعا من قراءة ذكية ومبكرة لتداعيات مثل هذه الأزمة على الأوضاع الكردستانية حينما أكد في تصريحات صحفية نسبت اليه quot; أن الأزمة التي تعصف بالإتحاد الوطني ستكون لها آثار سلبية كبيرة على مجمل أوضاع إقليم كردستان، فمصير الإتحاد الوطني مرتبط بمصير تجربة إقليم كردستان برمتهاquot;.
هذه المخاوف المبررة لدى السيد بارزاني وحزبه وهو الخصم اللدود للإتحاد الوطني ومنافسه على السلطة منذ أكثر من أربعين عاما، كانت كافية بإعتقادي لتدفع بأعضاء قيادة الإتحاد الوطني الى مراجعة للذات، ووقف صراعاتهم داخل التنظيم بفعل التكتلات الحزبية التي إشتدت صراعاتها وتكالبها على السلطة منذ سقوط النظام السابق، وتحديدا مع إنهمار المليارات من الدولارات سنويا على إقليم كردستان الخاضع لسيطرتهم مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الحليف لهم.

كادت الجهود المخلصة للدكتور برهم صالح نائب الأمين العام أن تنجح في إحتواء الأزمة ووأدها في مهدها، بعد أن نجح في إقناع زميله النائب الآخر للأمين العام كوسرت رسول علي بلقاء طالباني وتسوية المشاكل معه عن طريق التفاهم والحوار الأخوي البناء، وثم مشاركته في صياغة مشروع إصلاحي شامل على المستويين الحزبي والحكومي يعيد اللحمة الى الإتحاد الوطني، ولكن الإستقالة الجماعية التي أصر أربعة أعضاء من المكتب السياسي للحزب على تقديمها قوضت تلك الجهود الخيرة، فتحولت الأزمة الى كارثة حقيقية باتت تهدد كيان هذا الحزب ومستقبله.

هناك تكهنات وتحليلات كثيرة تصدر هنا وهناك، ومجملها لا تستند الى الحقائق، أو تحاول الإبتعاد عنها عندما تحلل الأسباب التي أدت الى تفجر الأزمة الحالية. فهناك من يربط بين الأزمة وما يقال حول صفقة مالية كبيرة وحرمان بعض الرؤوس الكبار من حصتهم، وهناك من يعتبرها مجرد لعبة أو سيناريو مفتعل هدفهما جر السيد نوشيروان مصطفى النائب السابق لطالباني والمنشق حاليا عن الإتحاد الوطني الى صفوف الحزب مرة أخرى، خصوصا وأن هناك ثلاث إنتخابات مصيرية تنتظر كردستان هذا العام وهي إنتخابات مجالس المحافظات والبرلمان الكردستاني وإنتخابات مجلس النواب العراقي،وما يشاع من نية السيد نوشيروان بتشكيل كيان سياسي مستقل لخوض تلك الإنتخابات مما سيضر بحصص الإتحاد الوطني من مقاعد تلك المجالس المهمة، وهناك من يعتبر الأزمة مجرد مغامرة غير محسوبة النتائج من بعض قيادات الإتحاد الوطني تدخل في نطاق النفوذ الحزبي تسببت بغير قصد في تفجر الجروح وتجدد الصراعات داخل الحزب.
في خضم كل هذه الطروحات التي لا تتسق كثيرا مع الحقيقة بإعتقادي، لأن الأزمة هي بالتأكيد نتيجة تراكمات سابقة من صراع التكتلات الحزبية وليست وليدة حسابات مالية أو التكالب على السلطة أو النفوذ، لأن الأطراف الأساسية للأزمة وهي قيادات الصف الأول في الحزب لا تعاني من مشكلة النفوذ أو السلطة بقدر ما تحتسب لمستقبل تلك الكتل. فأنا بأعتقادي أن الأزمة لها علاقة كبيرة بمستقبل هذه الكتل داخل الإتحاد الوطني، وبصراحة أكبر لها علاقة وطيدة بخلافة طالباني في زعامة الحزب.
فالسيد طالباني مع دعائنا له بطول العمر يعاني من مشاكل صحية بسبب ثقل مسؤولياته الحزبية والرسمية، فهو ينوء بهذا العمر تحت ثقل مسؤولية إدارة بلد مضطرب أمنيا وسياسيا،الى جانب ما يحمله من عبء المشاكل الحاصلة داخل حزبه والصراعات التي تفتك به، وكما يقال فإن للعمر أحكام، وأن صحة طالباني لم تعد تتناسب مع هذا الحمل وهذه المسؤوليات الكبيرة، خصوصا في هذا الظرف العصيب الذي يمر به العراق وإستمرار صراع الأحزاب في كردستان الى جانب التكتلات الحزبية الداخلية، ولذلك تعتقد تلك الكتل الحزبية داخل الإتحاد الوطني أنه قد آن الأوان للبحث عن خليفة لطالباني في زعامة الحزب..
ولقد سبق أن تم الحديث عن هذه المسألة وإن من وراء الكواليس قبل عدة أشهر، حين تعرض السيد طالباني الى وعكة صحية أدت به الى إجراء عملية جراحية معقدة في القلب بالولايات المتحدة، وكانت الدائرة المصغرة المحيطة بالرئيس طالباني على علم بما قيل أنها وصيته بالخلافة كتبه قبيل سفره الى أمريكا،ولكن الكثير من قيادات الحزب تكتمت في حينه عن الحديث حول نص تلك الوصية.
المهم أن مسألة الخلافة تأجلت حينها مع نجاح العملية الجراحية التي اجريت لطالباني، ولكنها عادت هذه المرة لتطرح نفسها بقوة أكبر،خصوصا لدى قادة الكتل الحزبية داخل الإتحاد الوطني وإن لم يصرحوا بها علانية.

ونحن نسمع يوميا تصريحات مطمئنة يطلقها البعض من أعضاء قيادة الإتحاد من الصف الأول وهي تشدد على ضرورة توحيد الصف ورأب الصدع والتصالح بين الكتل الحزبية التي إستفحلت أمرها بما باتت تشكل تهديدا حقيقيا لبنيان الإتحاد الوطني كحزب قيادي في كردستان. ولعل تأكيد تلك القيادات على عملية المصالحة الداخلية الشاملة هو المبعث الوحيد للأمل بتجاوز تلك الأزمة، فمن دونها لا أعتقد بأن الإتحاد الوطني سيستعيد عافيته ويصحو من هذه الضربة القاضية التي وجهتها له الإٍستقالات الجماعية لأعضاء المكتب السياسي، خصوصا وأن هناك أحاديث تدور في الخفاء بإستتباع تلك الخطوة بإستقالات أخرى سيتقدم بها قياديون آخرون مما يعني الإنهيار الكامل لبنيان الإتحاد إذا لم تتداركه القيادة الحزبية.

إن الإجراءات التي إتخذها المكتب السياسي فيما وصف بإصلاحات فورية على المستويين الحزبي والحكومي قبل عدة أيام لم تكن على المستوى المطلوب، وأعتقد بأن تلك الإجراءات بتغيير نائب رئيس الحكومة وبعض الإجراءات الصغيرة على المستوى الحزبي، وما يتردد حول تغيير بعض مسؤولي المكاتب التنظيمية والإعلامية، أنها خطوات غير كافية جاءت نتيجة ردود فعل سريعة ومفتعلة، فتغيير الأشخاص وتداول المناصب بين هذا وذاك لا يغير من الأمر شيئا، وهي لا تعدو سوى إجراءات تشبه الى حد ما بالإسعافات الأولية لشخص أصيب بحادثة سبارة لو لم يسرع به الى المستشفى لوقف النزيف وإجراء العمليات الجراحية الضرورية فإنه سيكون من الصعب إنقاذه بالمسكنات والمهدئات.


إن الإتحاد الوطني الذي وصل بإعتقادي الى مفترق طرق حاليا، بحاجة ماسة الى إجراء عملية إصلاح جذرية تبدأ وتنتهي بالمصالحة الشاملة داخل صفوف الإتحاد ومن دون إستثناء، ليتمكن الإتحاد من ترميم بيته الداخلي، ومن أولى أولويات المصالحة بإعتقادي هو الإسراع بإستعادة الأطراف والأجنحة المنشقة عن الحزب، فمن دون إستعادة هذه الأجنحة لايمكن بأي حال من الأحوال إعادة بناء هيكل الإتحاد الوطني الذي بدأ يفقد جماهيره وتتفكك صفوفه بفعل صراعات أجنحته المختلفة.
في الختام أؤكد مرة أخرى على إعتبار المصالحة الداخلية الحقيقية ونبذ التكتلات الحزبية والعودة الى القيم الديمقراطية التي ناضل من أجلها الإتحاد الوطني هي مفتاح الحل الأوحد لإعادة اللحمة الى جسد هذا الحزب، ودرء كارثة حقيقية تنتظر كردستان في حال إنهيار أحد الأعمدة الأساسية في العملية السياسية بكردستان، لأن إنهيار هذا الحزب على رغم مساوئه يعني إختلال التوازن السياسي والعودة الى نظام الحزب القائد الذي لم نجن منه في بلدنا سوى الخراب والدمار، وما نظام صدام الدكتاتوري عنا ببعيد...

شيرزاد شيخاني

[email protected]