عبد الجبار العتابي من بغداد: لم اجد الا ان الاستفزاز لكي احصل على آراء بعض الشعراء فيما يقال عن موت الشعر العمودي، فأغلب الشعراء الحاليين يتأبطون ذراع القصيدة الحديثة ويسيرون بها في شوارع الادب، يرسمون تطلعاتهم من خلالها كما يشاؤون وبألالوان التي يشتهونها، ويتباهون في رسم لوحاتهم بلا قيود ولا حدود وكل الاشياء مباحة لديهم للانطلاق والتحليق والقفز، ومتاحة لديهم وفق اشتهاءات القريحة، هؤلاء الشعراء اذا ما فتح احد (يبرة) الشعر العمودي راحوا ينظرون من ثقب استياءهم، ومنهم من يردد قول الشاعر الزهاوي (كل شيء الى التجدد ماض / فلماذا يقر هذا القديم) ومن ثم يترنحون في سيرهم على الوزن والقافية، ومن اجل ان نقترب اكثر وجدت ان افتح باب الاستفزاز امام ممارسي كتابة القصيدة الحديثة واستفزهم بقولي: (لماذا تكرهون الشعر العمودي ؟)، الشاعر حسين علي يونس استقبل السؤال بضحكة حينما انتهى منها رد بثلاث كلمات قائلا: (لانه شعر التاريخ!!)، لكنني طلبت منه ان يستطرد ويوضح ما قاله، فارتسمت عليه ملامح الجد ثم قال: (انه شعر كان يمثل مرحلة، وقد انتهت هذه المرحلة، انه شعر متخلف الشكل لانه يعيش في القرون المنصرمة وهو لا يناسب المرحلة الحالية)، قلت له: كيف تقول هذا.. ؟ قال: لان الكثير من الشعراء الذين يكتبون الشعر العمودي تركوه ومن هؤلاء ادونيس مثلا ومعظم الشعراء العراقيين مثل سعدي يوسف والمرحوم عبد الامير جرس وحسب الشيخ جعفر وفاضل العزاوي وعبد الرحمن طهمازي، كل هؤلاء متمكنون من العروض ولكنهم تركوه وعندما يكتبون قصيدة النثر الحديثة يكتبونها قريبة من النثر وموزونة بدون تفعيلة، الشعر العمودي تم تجاوزه في العراق، الشعر العمودي منذ السبعينات تم تجاوزه والان قصيدة النثر هي السائدة)، وانا اهم بمغادرته قلت له: لماذا لا تقول انه صعب ؟ فقال وقد اهتز ضاحكا: (ليس صعبا بل متخلف!!).
اما الشاعر نصير فليح فما ان رميت عليه السؤال حتى قال متسائلا بأستغراب: (كراهية ؟!!) ثم استطرد: (في الحقيقة ارى صيغة السؤال تنطوي على غرابة، فالمسألة هي مسألة الموقف من الحداثة والتجديد)، واضاف موضحا: (من المعروف ان السياب مثلا، وهو رائد الشعر المعاصر، كان يكتب الشعر العمودي قبل تحوله الى كتابة فصيدة التفعيلة، الان نحن مفصولون من لحظة التجديد تلك بما يزيد على نصف قرن، فهل نستغرب وجود شعراء يعدون الشكل العمودي شكلا تم تجاوزه ؟)، قلت: هل تستغرب ذلك ؟ قال: (بالطبع لا، بالنسبة لي اعتقد ان ما يهم بالاساس هو نوعية الشعر المكتوب، أي ان هناك شعر جيد وشعر ردىء وما بينهما من تدرجات ومستويات، وسواء كتب الشاعر بالشكل العمودي او التفعيلة او النثري، فان الشعر الجيد محسوسا في كل هذه الاشكال والعكس صحيح)، عدت لاسأله واستفزه: الا ترى انكم تجدون صعوبة في كتابته ؟ نظر نصير الي مستغربا ثم قال: (اعتقد ان الشعر العمودي عموما محمل بقيود وقوالب اصبح من الصعب ان تتجاوب مع شاعر يسعى للتعبير عن تجربة داخلية ndash; شعرية غنية ومتنوعة).
لكنني قررت مواصلة طرح السؤال بحثا عن اجابات شافية، وحين التقيت الشاعر قاسم العزاوي وسألته اجاب قائلا: (انهم لا يكرهونه وانما قل انه وقته راح، ذهب، انتهى)، استغربت هذه الكلمات المتتالية وسألته: لماذا ؟ فقال: الشعر العمودي فيه تحديد للصورة وتحديد للفكرة، ومن المؤكد ان المدارس والتيارات الادبية قد تطورت الى اساليب حديثة، فليس من الممكن ان يبقى الشعر مقولبا بأسلوبه القديم لكن يبقى الاساس لكل شاعر سواء كان يكتب العمودي او النثر او التفعيلة)، عدت لاكرر كلماتي السابقة من ان الشعراء يهربون منه لصعوبته، فقال العزاوي: (شعر النثر اصعب لانه يعتمد على الموسيقى الداخلية وانثيالات الصور وتكثيف الفكرة وانتشارها داخل النص ايضا).
لم اكتف بما سمعت بل واصلت تقدمي لاضع السؤال امام الناقد والشاعر سهيل نجم الذي اجاب بقوله: (الشعر العمودي استنفد من الناحية اللغوية والشعرية ومن النواحي كافة، لم يعد العمودي يأتي بجديد وهما كبرت عبقرية الشاعر لا اظنه سيأتي بجديد ضمن صياغات وقوالب الشعر العمودي لانها اصبحت مكررة)، طلبت من سهيل التوضيح اكثر فقال: (السابقون طرقوا زوايا الشكل الفني هذا كافة، وهو حسب ظني لا يمكن تجاوزه، وارى ان الحداثة هي الحل، والحياة اثبتت انه لا بد من شيء جديد حتى اصبحت الايقاعات الكلاسيكية رتيبة ولم يكن بالمستطاع لاي شاعر ان يتجاوز السابقين).
ما زلت ادور بين الشعراء اسمع منهم ارائهم ومازالوا يلوحون لي بذات الكلام الذي اسمعه واحاول الرثاء لحال العموديين من السابقين والاخرين، حتى قررت ان تكون اجابة الناقد الادبي سليم السامرائي هي الاخيرة قبل ان اترك الملف مفتوحا للمناقشة، قال السامرائي بحدة اولا: (السؤال ينطوي على خطأ كبير، فالشعراء المحدثون عاشوا ولا زالوا يعيشون على تراثهم الكلاسيكي، ولنأخذ مثلا: السياب.. فبدايته كانت من الشعر العمودي ولكنه وجد ان عليه ان يحترق هذا النمط الشعري مستفيدا من قراءاته للشعر الاوربي) واستطرد السامرائي في كلامه: (اما تقييمي للشعر العمودي فانا اقو لان قمم هذا الشعر ولنأخذ الجواهري مثلا الكثير من شعره لا قيمة له، والمتنبي يقال عنه شاعر البيت الواحد او البيتين!!)، لا اخفي استغرابي من رأي السامرائي هذا والذي اوضح:(الشاعر العمودي يلجأ احيانا او يتكأ على البساطة في التناول كما انه قليلا ما تجد في شعره شعرا من الثقافة المعاصرة، اما الحداثة فهي تتيح للشاعر الولوج الى عالم الاساطير وعالم الثراء المعرفي وكأنموذج لهذا الشاعر ادونيس الذي يقف في مقدمة شعراء الحداثة العربية).
هنا توقفت.. اعدت قراءة الاراء وجدتني لا ادري ما اقول لكنني شعرت ان فتحت ملفا جديرا بالاهتمام والمناقشة، ومن ناحيتي لا اتطابق مع ارائهم، ثم لا اريد ان اخفي سرا ان اغلب من يكتبون القصيدة الحديثة لا يعرفون الاوزان الشعرية!!.