مقاربة لشخصية انتكونا لدى سوفوكليس، جان آنوي وجان كوكتو
فاضل سوداني: يعتبر الفعل الانساني الرافض لكل اصناف السكونية هو تمرد كامل على الحياة وعبثيتها وما الثورة - مهما كان شكلها ndash; إلا إثبات حق الإنسان وموجود يته واستمراريته فالعالم يعيش في حالة فوضى والثورة التي يحملها الإنسان في أعماقه ما هي إلا رفض كامل لفوضى العالم وإعادة خلقه من جديد،بالرغم من أن التمرد على الموت نفسه هو الذي يمكن ان نطلق عليه بالتمرد الكامل.
ومن جانب آخر فان تمرد كلكامش او الحلاج او اي شكل من اشكال التمرد على الموت، يمكن أيضا أن نعتبره تمردا حقيقيا، لانه يحصل دائما من خلال اقتناص لحظة نقاء كاملة مع الذات كما هو الحال بالنسبة الى دراستنا هذه عن موقف إحدى بطلات المثيولوجيا الاغريقية انتكونا.
والفن هنا كفيل بأن يوصلنا للحظات التجلي الابداعي والتمردي لدى الإنسان التي يمكن أن تلخص أفعاله كتبرير حقيقي للوصول إلى لحظة التمرد الكامل.
ومن الطبيعي القول بان الانسان اذا فقد الاتصال والتفاهم بينه وبين العالم أصبح قبول ما يحيطه كما هو شيء لا معنى له؛ لذلك لابد أن ينطق كلمة (لا) ويتحمل ما يترتب على ذلك.
وإن اختيار التمرد هو إنقاذا للذات قبل أن يكون إنقاذا للآخرين. وبطلة مثل انتكونا أرادت بموتها الخلاص من عبثية الوجود فاختارت الموت بكل وعي وإرادة كاملة حتى تستطيع أن تصل إلى النقاء الكامل.
وعلى ضوء مفهوم هذا التمرد والاختيار أستطيع تناول المسرحية لدى الكتاب الثلاثة سوفوكليس، جان آنوي وجان كوكتو...
ما تحدثنا به الأسطورة اليونانية هو أن الميت إذا لم تؤد له فروض الواجب الديني ويأخذ حق الموتى ويدفن دفنة كاملة الطقوس ستبقى روحه هائمة لا تستقر أبدا. وكما في قوانين الآلهة فان لكل ميت، مهما كانت الميتة التي ماتها، الحق في أن يدفن دفنة طقوسية دينية، واذا حدث عكس هذا فلا بد ان يحدث الصراع ولابد للمأساة تهيمن على الحياة. ومن هنا جاءت ألأهمية لمسرحية (انتكونا) التي كتبها سوفوكليس وعالجها من بعده( كوكتو و آنوي).
وقبل كل شيء يمكن القول بأن سوفوكليس يعرض لنا أحداث مسرحيته بالشكل التالي، فبعد أن قتل الأخوان (بولونيس وايثوكل، أبناء الملك اوديب ) أحدهما الأخر، صعد إلى الحكم خالهما كريون فأصدر بيانا حرم فيه دفن المعتدي(بولونيس) الذي جاء بجيوش لغزو (طيبه) واستلام الحكم من أخيه ndash; وكرم الأخ الثاني (إثوكل) واعتبره جنديا مقداما لأنه دافع عن بلاده، وأمر بأن تقام له مراسيم الدفن الكاملة. وعندما وصل الخبر إلى إختهما (انتكونا) وعلمت بأن أحد أخويها قد حرم الدفن وتركت جثته في العراء طعاما للحيوانات المفترسة، أخذت على عاتقها تحمل مسؤولية تحدي هذا القانون وكسره واعتبرت هذا (مبدأ) يجب أن تدافع عنه وأن تضحي من أجله حتى بحياتها إذا اقتضى الأمر...
وعند دراستي للنص السوفوكلي وجدت أن هناك أبعادا ومضامين خافية تعطينا مفهوما وتفسيرا جديدا له. وكل النقاد الذين تناولوا هذه المسرحية كانوا يتحدثون عن العلاقة بين القانون السماوي والقانون الأرضي وquot;انتكوناquot; حاولت إثبات مبدأها الجديد. لكن السؤال الذي يفرض وجوده هنا هو لماذا تحررت انتكونا من لامبالاتها وسكونيتها؟ ولماذا قامت بهذا التمرد الذي أدى بحياتها؟ هذا ما سأحاول أن أجيب عليه أيضا من خلال تفكيك النص...
ومن جانب آخر فان تمرد كلكامش او الحلاج او اي شكل من اشكال التمرد على الموت، يمكن أيضا أن نعتبره تمردا حقيقيا، لانه يحصل دائما من خلال اقتناص لحظة نقاء كاملة مع الذات كما هو الحال بالنسبة الى دراستنا هذه عن موقف إحدى بطلات المثيولوجيا الاغريقية انتكونا.
والفن هنا كفيل بأن يوصلنا للحظات التجلي الابداعي والتمردي لدى الإنسان التي يمكن أن تلخص أفعاله كتبرير حقيقي للوصول إلى لحظة التمرد الكامل.
ومن الطبيعي القول بان الانسان اذا فقد الاتصال والتفاهم بينه وبين العالم أصبح قبول ما يحيطه كما هو شيء لا معنى له؛ لذلك لابد أن ينطق كلمة (لا) ويتحمل ما يترتب على ذلك.
وإن اختيار التمرد هو إنقاذا للذات قبل أن يكون إنقاذا للآخرين. وبطلة مثل انتكونا أرادت بموتها الخلاص من عبثية الوجود فاختارت الموت بكل وعي وإرادة كاملة حتى تستطيع أن تصل إلى النقاء الكامل.
وعلى ضوء مفهوم هذا التمرد والاختيار أستطيع تناول المسرحية لدى الكتاب الثلاثة سوفوكليس، جان آنوي وجان كوكتو...
ما تحدثنا به الأسطورة اليونانية هو أن الميت إذا لم تؤد له فروض الواجب الديني ويأخذ حق الموتى ويدفن دفنة كاملة الطقوس ستبقى روحه هائمة لا تستقر أبدا. وكما في قوانين الآلهة فان لكل ميت، مهما كانت الميتة التي ماتها، الحق في أن يدفن دفنة طقوسية دينية، واذا حدث عكس هذا فلا بد ان يحدث الصراع ولابد للمأساة تهيمن على الحياة. ومن هنا جاءت ألأهمية لمسرحية (انتكونا) التي كتبها سوفوكليس وعالجها من بعده( كوكتو و آنوي).
وقبل كل شيء يمكن القول بأن سوفوكليس يعرض لنا أحداث مسرحيته بالشكل التالي، فبعد أن قتل الأخوان (بولونيس وايثوكل، أبناء الملك اوديب ) أحدهما الأخر، صعد إلى الحكم خالهما كريون فأصدر بيانا حرم فيه دفن المعتدي(بولونيس) الذي جاء بجيوش لغزو (طيبه) واستلام الحكم من أخيه ndash; وكرم الأخ الثاني (إثوكل) واعتبره جنديا مقداما لأنه دافع عن بلاده، وأمر بأن تقام له مراسيم الدفن الكاملة. وعندما وصل الخبر إلى إختهما (انتكونا) وعلمت بأن أحد أخويها قد حرم الدفن وتركت جثته في العراء طعاما للحيوانات المفترسة، أخذت على عاتقها تحمل مسؤولية تحدي هذا القانون وكسره واعتبرت هذا (مبدأ) يجب أن تدافع عنه وأن تضحي من أجله حتى بحياتها إذا اقتضى الأمر...
وعند دراستي للنص السوفوكلي وجدت أن هناك أبعادا ومضامين خافية تعطينا مفهوما وتفسيرا جديدا له. وكل النقاد الذين تناولوا هذه المسرحية كانوا يتحدثون عن العلاقة بين القانون السماوي والقانون الأرضي وquot;انتكوناquot; حاولت إثبات مبدأها الجديد. لكن السؤال الذي يفرض وجوده هنا هو لماذا تحررت انتكونا من لامبالاتها وسكونيتها؟ ولماذا قامت بهذا التمرد الذي أدى بحياتها؟ هذا ما سأحاول أن أجيب عليه أيضا من خلال تفكيك النص...
الانسان...ونقاء الموقف
إن مشكلة انتكونا لا تأخذ أبعادا دينية فقط كما يقول ملتون ماركس quot; لقد اصطدمت وجهتا النظر المتمثلتان بالشريعتين السماوية والدنيوية في كل مرحلة من مراحل التمثيلية quot; فالدفاع عن شيء مفروض وأزلي كالقانون السماوي يختلف عن الدفاع عند إثبات شيء جديد يصبح بالتالي مبدأ يفرضه الإنسان ومن خلاله يصل إلى الخلاص الجزئي أو الراحة الجزئية، فيستطيع الإنسان هنا أن يضحي حتى بنفسه لأجل إثبات ذاته وسط ضوضاء العالم بحيث يصبح الموت مقبولا ومبررا في صلب مثل هذه القضية...
انتكونا: أما أنا فسأدفن أخي ولو مت من أجل هذا لكانت سعادة أي سعادة.
فكل فعل يقوم به الإنسان هو إثبات لنفسه سواء كان بوعي ام بدونه. لأن الإنسان الواعي لدوره يعيش صراعا حادا بين ما يريده وما يُـفرض عليه وعليه أن يقبل هذا الفرض.. وهذا معناه قتل ذات الإنسان وذوبانها وسط قوانين العالم المفروضة.. ولا يمكن تغييرها وسط تأزم الإنسان في لحظات قليلة.. وبهذا فإن الإنسان الذي يحاول أن يثبت ذاته له الحق الكامل في التعبير عن نفسه.
ولأجل هذا السبب عليه أن يوجد مبررا لكي يثور على هذا القانون الخطأ، ويتحول السبب الى مبداً ndash; يكون من واجب الإنسان الحق في الدفاع عنه.
(فانتكونا) شعرت بأنها لابد أن تحارب لإثبات وجودها ودورها، وعليها الا تكون ساكنة تجاه القوة الخفية والقانون الآزلي،و ان تقوم بفعل تصل فيه إلى لحظة (التمرد الكامل)، أي أن تختار الدفاع عن مبدأ (دفن أخيها) الذي يفرض.و الدفاع عن هذا المبدأ هو جواز المرور للإنسان للقيام بفعله الإنساني في عالم يحاول أن يفرض قانونه العام الذي لا يتناسب مع الإنسان الواعي وبالتالي يكون الدفاع عن هذا هو السبب المهم للتضحية وتحدي الموت نفسه.
انتكونا:(الى اختها ) صه لو تكلمتِ هكذا لكرهتك، أنه سيغضبك أيضا. اتركيني وشأني في حما قاتي.. لا عقاب يستطيع أن يسلبني ميتتي الشريفة.
هذه الحماقة التي تتكلم عنها انتكونا هي المبدأ الذي ستسير عليه حتى النهاية و لا يثنيها شيء عن إتمامه وهو الذي سيخلق لنا انتكونا جديدة تستطيع أن تمارس فعلها الإنساني.. أما الشيء المقدس الذي هو quot;المبدأ والحماقة quot; عند سوفوكليس، سيتحول الى كلمة (مشروع) لدى (كوكتو):
انتكونا:... دعيني وحدي مع مشروعي فإذا فشل فسأموت بعزة وفخر.
إذن كلمة (مشروع) تحدد لنا لدى (كوكتو) هدف يدافع عنه ndash; و يتبدل الفرض الازلي لدى سوفوكليس الى (مشروع) يختاره الإنسان بنفسه. وليس الدفاع عن مبدأ سماوي خـُرق من قبل شخص مثل (كريون عندما أمر بعدم الدفن ) وإنما المسألة هي اختيار سبب أومشروع من خلاله يسمع الإنسان صوته.
وإذن فالقضية هي قضية إيمان بمبدأ ومن ثم إيجاد التبريرات الأخرى، أي ارتباط هذا المبدأ بعمل للدفاع عن قضية عظيمة.
(فانتكونا) كامرأة لها القدرة لمحاربة مدينة بكاملها عند التزامها بمبدأ صحيح يؤمن به كل إنسان يحاول الخلاص الجزئي، وبذلك فإنها أي انتكونا لا تستطيع السكوت والعيش في عالم يقوم على (مبدأ) قهر الإنسان وعزله بدرجة ان يكون بلا فعالية ولا أي إثبات لفعالية وجوده وديناميكيته.
وبذلك فإن انتكونا هنا تتحدى القانون الذي يمثل القوة الدكتاتورية الغبية ( قانون كريون ) باختيارها طريق الموت، هذا الطريق الذي لا تستطيع نفس القوة عمل أي شيء تجاهه عندما يختار الإنسان الموت بوعي- فهذا الاختيار هو تحد كامل لهذه القوة وإيقاف فعاليتها والحد من صلاحيتها وشلها.
ولكن يبدو ان تحمل مسؤولية تحدي كريون،هو فوق قدرة انتكونا كإنسان أولا وكامرأة ثانيا.
إذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة المجتمع و القانون اليونانيوهلاقتخ بالمرأة فان (ايسمينا ـ الاخت ) منذ البداية تعترف بأنها غير قادرة على قهر الرجال، إذ هم الذين يسنون القوانين.
ايسمينا: فكري نحن سيدتان وليس لنا أن نناضل ضد الرجال.
ولهذا فإن (ايسمينا) باعتبارها وجها من وجوه الذات الأخرى عموما على تحمل عذاب الاختيار ndash; وليس جانب آخر من جوانب انتكونا كما يفسرها بعض النقاد، كلا وإنما هي ذات كاملة تكون دائرة خاصة بها ndash; أقول لكون (ايسمينا) وجها سلبيا او واقعيا او سكونيا فإنها تنسحب من الموضوع كلية حتى أن انتكونا تتهمها بتبرئها من أخيها، ولكن (ايسمينا) لها الحق ايضا باعتبارها إنسانا ضعيفا لا يملك الشجاعة على تحدي القانون ـ السلطة ومن ثم إثبات صوتها أو ذاتها ndash; لأنها في نظرها تمثل العدالة، وأن أي خروج يؤدي بصاحبه الى الهلاك فلهذا تنصح انتكونا بالتخلي عن القضية ولكن (ايسمينا) بعيدة كل البعد عن عالم انتكوناواختياراتها المبدئية.
وانتكونا بوعيها الخاص تستطيع أن تحارب باخلاص لما لديها من إيمان بقضيتها ومن ثم طموحها في ان تصل الى خلاصها الجزئي من جبرية الحياة وقوانينها.
وهذه النقطة واضحة جدا لدى (أنوي) فاختيار انتكونا هو اختيار واع حيث أنها واعية بكل ما يصيبها من إثم نتيجة لاختيارها هذا. لهذا فانها تقول عن كريون:
انتكونا: وسرعان ما سيأتي هنا بشخصه ليعلن قانونه ويؤكده على من يسمع به.
ليس هذا مجرد اي تهديد، فمخالفته عقوبتها الموت رجما.
ومع هذا فإنها لا تأبى بما سيجلب لها هذا الفعل من عذاب ومن ثم فقدان الحياة فتستمر إلى النهاية في الإصرار على تنفيذ(مشروعها) أو (مبدأها) والدفاع عنه، ونحن بالتاكيد نقف مع انتكونا في فعلها وتمردها.
ولكن كريون باعتباره رجل الدولة يحاول أن يثبت قانونه فقط ضاربا عرض الحائط كل العلاقات والقوانين الأخرى حتى وإن كانت هذه القوانين هي قوانين سماوية. والمشكلة الاخرى وجب على انتكونا ألسير حتى نهاية الشوط لوحدها بعد أن تخلت اختها (ايسمينا) عن القضية كلها وحددت لها موقفها الخاص.
ولهذا فإن انتكونا لدى (كوكتو) كما هي لدى (سوفوكليس) تمثل الصدق الكامل الذي لا يستطيع أن يسكت وسط عالم تعود على نطق كلمة (نعم) بكل وزيف. وكوكتو يظهر لنا كريون رجل الدولة والنظام الذي لا يثنيه شيء عن عزمه، فهو يحدد موقفه مسبقا من الشخص الذي يعصي أمره حيث يكون مصيره الموت، وبذلك تبرز لنا قوتان متناقضتان هما الصدق الذي تمثله انتكونا وتسنده قوة عزيمتها على اختيار مشروعها أو مبدأها والقوة الأخرى هي نظام الدولة (القانون) الذي يسنده كريون.
وتسير هاتان القوتان بخط متواز وعندما يتصادمان يكونان انفجارا هائلا يغير مجرى الأحداث بالنسبة للقارئ أو المشاهد وكذلك بالنسبة إلى كريون نفسه لأنه لا يصدق ان هناك شخصا مهما كانت مكانته( حتى وان كان من داخل القصر ) يخرق قانونه الذي فرضه. ولكن هذا الانفجار ndash; لا يثير أي شيء في نفس انتكونا لأنها تعلم مسبقا نتيجته وتعرف طبيعة تمردها فتقول بكل برود لكريون:
انتكونا: هل تريد شيئا أكثر من موتي؟
كريون: كلا.
لذلك لابد أن تموت انتكونا ببرودها هذا حسب منطق كريون. وإن اتخاذ أي موقف مخالف لهذا معناه السماح للآخرين بالقيام بنفس الموقف الذي قامت به (انتكونا). فلأجل هذا لابد أن تموت انتكونا واسمينا وابنه (هيمون ) وغيرهما إذا اقتضى الأمر، وذلك لكي تستمر سطوة القانون والدولة،وهذا هو منطق الدكتاتور كريون حتى مع ابنه الذي يحبه كثيرا.
ويعالج (كوكتو) نفس الموضوع ويحدد لنا أبعاد كريون كرجل دولة وصاحب الرأي الأول الذي لا يسمع إلا صوته.
فإصراره على رأيه هو في الحقيقة للحفاظ على شكل الدولة ودكتاتوريته حتى وأن كان الشعب غير راض على سياسته، ولكن من الضروري أن يتخذ هذا الموقف من الأحداث.
وكوكتو بهذا يرسم لنا نفس الشخصية التي رسمها سوفوكليس..
فكريون بهذا على حق، لأنه أيضا أراد أن يختار فعله الإنساني في هذا العالم وأن يثبت موجوديته واستمراريته وصوته لا عن طريق كونه ملكا فحسب وإنما عن طريق كونه إنسانا يعيش في عالم يسمع صوته كحاكم دكتاتور وليس كإنسان لذا حاول أن يفرض كلمته وأن يرسم القانون بنفسه بعيدا عن الآلهة التي تكون القوة الخفية التي تفرض قوانينها.
وهو بهذا قام أيضا بعملية تمرد على منطق الحياة الذي يقوم على احترام الآلهة وقوانين الحياة المقدسة. ففرضه لقانون بشري وضعه هو بنفسه معناه رفض قانون الهي وتحد كامل لعبثية الحياة التي تريد فرض منطق محدد. وفي هذا الصدد يقول (البير كامو) أن أي تمرد يقوم به الإنسان في الحياة في الحقيقة هو تمرد على المقدس، وإيمان كريون بالمبدأ الذي وضعه هو، جعل له الحق في الدفاع عنه، ولكنه لا يستمر إلى النهاية كما فعلت انتكونا. وإنما نراه يتخاذل عندما يشعر شعورا كاملا بتراجيديته التي أصابته بموت ابنه و خطيبته ( انتكونا ) كنتيجة للدفاع عن مبدأيهما، فينسحب في آخر الشوط ويسقط سقوطا مأساويا فظيعا في هوة دكتاتورية العدم.
فلا يتساوى البشر في تحمل الألم الذي يفرض عليهم نتيجة لاختيارهم، فبعضهم يستمر حتى النهاية لتحقيق فعله الإنساني من خلال اختياره، والبعض لا يستمر وإنما يقف في منتصف الطريق ويتخاذل كما هو الحال مع كريون.
إن مشكلة انتكونا لا تأخذ أبعادا دينية فقط كما يقول ملتون ماركس quot; لقد اصطدمت وجهتا النظر المتمثلتان بالشريعتين السماوية والدنيوية في كل مرحلة من مراحل التمثيلية quot; فالدفاع عن شيء مفروض وأزلي كالقانون السماوي يختلف عن الدفاع عند إثبات شيء جديد يصبح بالتالي مبدأ يفرضه الإنسان ومن خلاله يصل إلى الخلاص الجزئي أو الراحة الجزئية، فيستطيع الإنسان هنا أن يضحي حتى بنفسه لأجل إثبات ذاته وسط ضوضاء العالم بحيث يصبح الموت مقبولا ومبررا في صلب مثل هذه القضية...
انتكونا: أما أنا فسأدفن أخي ولو مت من أجل هذا لكانت سعادة أي سعادة.
فكل فعل يقوم به الإنسان هو إثبات لنفسه سواء كان بوعي ام بدونه. لأن الإنسان الواعي لدوره يعيش صراعا حادا بين ما يريده وما يُـفرض عليه وعليه أن يقبل هذا الفرض.. وهذا معناه قتل ذات الإنسان وذوبانها وسط قوانين العالم المفروضة.. ولا يمكن تغييرها وسط تأزم الإنسان في لحظات قليلة.. وبهذا فإن الإنسان الذي يحاول أن يثبت ذاته له الحق الكامل في التعبير عن نفسه.
ولأجل هذا السبب عليه أن يوجد مبررا لكي يثور على هذا القانون الخطأ، ويتحول السبب الى مبداً ndash; يكون من واجب الإنسان الحق في الدفاع عنه.
(فانتكونا) شعرت بأنها لابد أن تحارب لإثبات وجودها ودورها، وعليها الا تكون ساكنة تجاه القوة الخفية والقانون الآزلي،و ان تقوم بفعل تصل فيه إلى لحظة (التمرد الكامل)، أي أن تختار الدفاع عن مبدأ (دفن أخيها) الذي يفرض.و الدفاع عن هذا المبدأ هو جواز المرور للإنسان للقيام بفعله الإنساني في عالم يحاول أن يفرض قانونه العام الذي لا يتناسب مع الإنسان الواعي وبالتالي يكون الدفاع عن هذا هو السبب المهم للتضحية وتحدي الموت نفسه.
انتكونا:(الى اختها ) صه لو تكلمتِ هكذا لكرهتك، أنه سيغضبك أيضا. اتركيني وشأني في حما قاتي.. لا عقاب يستطيع أن يسلبني ميتتي الشريفة.
هذه الحماقة التي تتكلم عنها انتكونا هي المبدأ الذي ستسير عليه حتى النهاية و لا يثنيها شيء عن إتمامه وهو الذي سيخلق لنا انتكونا جديدة تستطيع أن تمارس فعلها الإنساني.. أما الشيء المقدس الذي هو quot;المبدأ والحماقة quot; عند سوفوكليس، سيتحول الى كلمة (مشروع) لدى (كوكتو):
انتكونا:... دعيني وحدي مع مشروعي فإذا فشل فسأموت بعزة وفخر.
إذن كلمة (مشروع) تحدد لنا لدى (كوكتو) هدف يدافع عنه ndash; و يتبدل الفرض الازلي لدى سوفوكليس الى (مشروع) يختاره الإنسان بنفسه. وليس الدفاع عن مبدأ سماوي خـُرق من قبل شخص مثل (كريون عندما أمر بعدم الدفن ) وإنما المسألة هي اختيار سبب أومشروع من خلاله يسمع الإنسان صوته.
وإذن فالقضية هي قضية إيمان بمبدأ ومن ثم إيجاد التبريرات الأخرى، أي ارتباط هذا المبدأ بعمل للدفاع عن قضية عظيمة.
(فانتكونا) كامرأة لها القدرة لمحاربة مدينة بكاملها عند التزامها بمبدأ صحيح يؤمن به كل إنسان يحاول الخلاص الجزئي، وبذلك فإنها أي انتكونا لا تستطيع السكوت والعيش في عالم يقوم على (مبدأ) قهر الإنسان وعزله بدرجة ان يكون بلا فعالية ولا أي إثبات لفعالية وجوده وديناميكيته.
وبذلك فإن انتكونا هنا تتحدى القانون الذي يمثل القوة الدكتاتورية الغبية ( قانون كريون ) باختيارها طريق الموت، هذا الطريق الذي لا تستطيع نفس القوة عمل أي شيء تجاهه عندما يختار الإنسان الموت بوعي- فهذا الاختيار هو تحد كامل لهذه القوة وإيقاف فعاليتها والحد من صلاحيتها وشلها.
ولكن يبدو ان تحمل مسؤولية تحدي كريون،هو فوق قدرة انتكونا كإنسان أولا وكامرأة ثانيا.
إذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة المجتمع و القانون اليونانيوهلاقتخ بالمرأة فان (ايسمينا ـ الاخت ) منذ البداية تعترف بأنها غير قادرة على قهر الرجال، إذ هم الذين يسنون القوانين.
ايسمينا: فكري نحن سيدتان وليس لنا أن نناضل ضد الرجال.
ولهذا فإن (ايسمينا) باعتبارها وجها من وجوه الذات الأخرى عموما على تحمل عذاب الاختيار ndash; وليس جانب آخر من جوانب انتكونا كما يفسرها بعض النقاد، كلا وإنما هي ذات كاملة تكون دائرة خاصة بها ndash; أقول لكون (ايسمينا) وجها سلبيا او واقعيا او سكونيا فإنها تنسحب من الموضوع كلية حتى أن انتكونا تتهمها بتبرئها من أخيها، ولكن (ايسمينا) لها الحق ايضا باعتبارها إنسانا ضعيفا لا يملك الشجاعة على تحدي القانون ـ السلطة ومن ثم إثبات صوتها أو ذاتها ndash; لأنها في نظرها تمثل العدالة، وأن أي خروج يؤدي بصاحبه الى الهلاك فلهذا تنصح انتكونا بالتخلي عن القضية ولكن (ايسمينا) بعيدة كل البعد عن عالم انتكوناواختياراتها المبدئية.
وانتكونا بوعيها الخاص تستطيع أن تحارب باخلاص لما لديها من إيمان بقضيتها ومن ثم طموحها في ان تصل الى خلاصها الجزئي من جبرية الحياة وقوانينها.
وهذه النقطة واضحة جدا لدى (أنوي) فاختيار انتكونا هو اختيار واع حيث أنها واعية بكل ما يصيبها من إثم نتيجة لاختيارها هذا. لهذا فانها تقول عن كريون:
انتكونا: وسرعان ما سيأتي هنا بشخصه ليعلن قانونه ويؤكده على من يسمع به.
ليس هذا مجرد اي تهديد، فمخالفته عقوبتها الموت رجما.
ومع هذا فإنها لا تأبى بما سيجلب لها هذا الفعل من عذاب ومن ثم فقدان الحياة فتستمر إلى النهاية في الإصرار على تنفيذ(مشروعها) أو (مبدأها) والدفاع عنه، ونحن بالتاكيد نقف مع انتكونا في فعلها وتمردها.
ولكن كريون باعتباره رجل الدولة يحاول أن يثبت قانونه فقط ضاربا عرض الحائط كل العلاقات والقوانين الأخرى حتى وإن كانت هذه القوانين هي قوانين سماوية. والمشكلة الاخرى وجب على انتكونا ألسير حتى نهاية الشوط لوحدها بعد أن تخلت اختها (ايسمينا) عن القضية كلها وحددت لها موقفها الخاص.
ولهذا فإن انتكونا لدى (كوكتو) كما هي لدى (سوفوكليس) تمثل الصدق الكامل الذي لا يستطيع أن يسكت وسط عالم تعود على نطق كلمة (نعم) بكل وزيف. وكوكتو يظهر لنا كريون رجل الدولة والنظام الذي لا يثنيه شيء عن عزمه، فهو يحدد موقفه مسبقا من الشخص الذي يعصي أمره حيث يكون مصيره الموت، وبذلك تبرز لنا قوتان متناقضتان هما الصدق الذي تمثله انتكونا وتسنده قوة عزيمتها على اختيار مشروعها أو مبدأها والقوة الأخرى هي نظام الدولة (القانون) الذي يسنده كريون.
وتسير هاتان القوتان بخط متواز وعندما يتصادمان يكونان انفجارا هائلا يغير مجرى الأحداث بالنسبة للقارئ أو المشاهد وكذلك بالنسبة إلى كريون نفسه لأنه لا يصدق ان هناك شخصا مهما كانت مكانته( حتى وان كان من داخل القصر ) يخرق قانونه الذي فرضه. ولكن هذا الانفجار ndash; لا يثير أي شيء في نفس انتكونا لأنها تعلم مسبقا نتيجته وتعرف طبيعة تمردها فتقول بكل برود لكريون:
انتكونا: هل تريد شيئا أكثر من موتي؟
كريون: كلا.
لذلك لابد أن تموت انتكونا ببرودها هذا حسب منطق كريون. وإن اتخاذ أي موقف مخالف لهذا معناه السماح للآخرين بالقيام بنفس الموقف الذي قامت به (انتكونا). فلأجل هذا لابد أن تموت انتكونا واسمينا وابنه (هيمون ) وغيرهما إذا اقتضى الأمر، وذلك لكي تستمر سطوة القانون والدولة،وهذا هو منطق الدكتاتور كريون حتى مع ابنه الذي يحبه كثيرا.
ويعالج (كوكتو) نفس الموضوع ويحدد لنا أبعاد كريون كرجل دولة وصاحب الرأي الأول الذي لا يسمع إلا صوته.
فإصراره على رأيه هو في الحقيقة للحفاظ على شكل الدولة ودكتاتوريته حتى وأن كان الشعب غير راض على سياسته، ولكن من الضروري أن يتخذ هذا الموقف من الأحداث.
وكوكتو بهذا يرسم لنا نفس الشخصية التي رسمها سوفوكليس..
فكريون بهذا على حق، لأنه أيضا أراد أن يختار فعله الإنساني في هذا العالم وأن يثبت موجوديته واستمراريته وصوته لا عن طريق كونه ملكا فحسب وإنما عن طريق كونه إنسانا يعيش في عالم يسمع صوته كحاكم دكتاتور وليس كإنسان لذا حاول أن يفرض كلمته وأن يرسم القانون بنفسه بعيدا عن الآلهة التي تكون القوة الخفية التي تفرض قوانينها.
وهو بهذا قام أيضا بعملية تمرد على منطق الحياة الذي يقوم على احترام الآلهة وقوانين الحياة المقدسة. ففرضه لقانون بشري وضعه هو بنفسه معناه رفض قانون الهي وتحد كامل لعبثية الحياة التي تريد فرض منطق محدد. وفي هذا الصدد يقول (البير كامو) أن أي تمرد يقوم به الإنسان في الحياة في الحقيقة هو تمرد على المقدس، وإيمان كريون بالمبدأ الذي وضعه هو، جعل له الحق في الدفاع عنه، ولكنه لا يستمر إلى النهاية كما فعلت انتكونا. وإنما نراه يتخاذل عندما يشعر شعورا كاملا بتراجيديته التي أصابته بموت ابنه و خطيبته ( انتكونا ) كنتيجة للدفاع عن مبدأيهما، فينسحب في آخر الشوط ويسقط سقوطا مأساويا فظيعا في هوة دكتاتورية العدم.
فلا يتساوى البشر في تحمل الألم الذي يفرض عليهم نتيجة لاختيارهم، فبعضهم يستمر حتى النهاية لتحقيق فعله الإنساني من خلال اختياره، والبعض لا يستمر وإنما يقف في منتصف الطريق ويتخاذل كما هو الحال مع كريون.
الوعي بالموت
ولكن كريون كبطل وموقف لدى (آنوي) يستمر إلى النهاية لأن اختياره كان بوعي كامل، لأنه يمتلك فهما كاملا لعبثية الوجود فنراه في النهاية عندما يموت ابنه (هيمون ) وخطيبته يدخل وهو يحمله بين يديه ويضعه على الأرض ويذرف الدموع عليه ولكنه في النهاية يلتفت إلى خادمة ويسأله ما لديه من أعمال تنتظره فيرد عليه الخادم، أن لديه اجتماعا مع المجلس فيقول له كريون، هيا بنا وكأن شيئا لم يحدث، ولكننا نحس بأن هنالك جوا من الحزن يغلف المكان وان هنالك استسلاما كاملا لجبرية الحياة.
إن هذه الالتفاتة المصيرية والعبثية من (أنوي) التي أضافها إلى كريون جعلته يمتلك أبعادا عظيمة ليست موجودة عند أكثر الناس. هذا الفهم الكامل لمأساة الإنسان هو الذي أضاف على كريون قيمة جديدة جعلته يكون بطلا يضاهي انتكونا بتحمل الألم بسبب اختياره. وكريون هنا لا يكفر عن ذنبه كما هو الحال بالنسبة (لكريون) لدى سوفوكليس وكوكتو وإنما كان يشعر أن موقفه هذا لابد أن يتخذه وأن كل واحد يجب أن يحقق فعله الإنساني في هذا المسرح الكبير وأن يتحمل مسؤولية اختياره كإنسان.
بعكس (كريون) سوفولكليس وكوكتو فإنه يطلب من الآخرين أن ينفوه كما فعل قبله ( أوديب) ولكن هذه الحقيقة واضحة لدى (أنوي) حيث نرى كريون يصر على رأيه والدفاع عن مبدئه الذي اختاره حتى النهاية بالرغم من حزنه العظيم على موت ابنه وعلى انتكونا نفسها.
فإذن يبرز لنا في هذه التراجيديا البشرية مبدأن (كريون وانتكونا). وهاتان القوتان تتصارعان ولابد أن تنتصر أحداهما على الآخرى حسب قوة إيمان ووعي صاحبها، فلو لم يتخاذل كريون في النهاية لاتخذت شكلا آخر. ولاصبح كريون يضاهي انتكونا قوة وشجاعة وموقفا، بالرغم من أنه يملك صفات البطل التراجيدي لأنه يحاول إثبات قانون اختاره هو، ولكنه في النهاية لم يكن يعرف أن الأمور ستصل إلى هذا الحد بحيث تؤدي بحياة ابنه وخطيبته. ومسألة الوعي هذه هي التي تحدد بعدا جديدا ومستوى معينا يقف عليه كريون لدى (أنوي) وكريون لدى (سوفوكليس وكوكتو).
وحتى (ايسمينا) هذه التي تخلت عن القضية في البداية وحاولت أن تعيش في هذا العالم بدون أن تؤدي أي موقف إنساني.. نراها في النهاية تحاول أن تشترك في هذا الفعل الذي يضفي على صاحبه فعل التمرد، ومن خلاله يستطيع كذلك أن يتوصل إلى ذاته التي يبحث عنها... وتستمر المسرحية لدى (سوفوكليس) كما هو الحال لدى (كوكتو) حتى دخول (هيمون) فيحاول أن يوضح خطأ والده وأحقية انتكونا في مشروعها أو اختيارها وكأنه رجل الدفاع في هذه المحكمة.
ويحاول أن يثبت مبدأ جديدا يؤمن به هو، أن القانون يجب ألا يفرض فرضا وإنما يجب أن يختار الإنسان قانونه الذي يبغيه. وأن الدولة هي ليس ملك الدكتاتور وإنما هي ملك الناس وأن الخطأ يجب ألا يستمر حتى لا تتكون مأساة البشر الجزئية والتي تجلب لهم الألم. و(هيمون ـ ابن كريون) كان متحمسا للدفاع عن قضيته التي هي اختياره أكثر من تحمسه عن الدفاع عن قضية النظام والقانون.
فهو حاول الدفاع عن (اختياره) وعدم السماح بفرض الأشياء عليه حتى وإن كانت صادرة من والده (كريون).فاختار خطيبته انتكونا كخلاص جزئي من عبثية الحياة وبذلك فإن هذا الاختيار هو المبرر الكامل على معايشة (هيمون) للحياة والتناقض الذي رفضه هو أن والده يحاول أن يمنعه من هذا الخلاص أو هذه التسلية التي هي الحب.
وهذا الفعل يفقد حب الحياة لدى (هيمون) ولا يمنعه من أن يختار الموت على قبول قانون خاطئ مفروض عليه (الذي هو قانون كريون الصادر بحق موت انتكونا) ومن اجل الدفاع عن موقفه، ولا يملك هيمون شيئا سوى اختيار الموت كبديل لتحمل الألم الذي سيلاحقه في حالة عدم العيش بحرية كاملة وباختيار واعي، وبهذا يتكون لنا مبدأ ثالث لابد من التضحية من أجله.
ثلاثة مستويات مختلفة لمبادئ تتصارع فيما بينها وبذلك تتهيأ المأساة التي ستنفجر. فالكل هنا يبحث عن نفسه وسط زحمة من الفرضيات والقوانين. ولذلك لابد أن تتصادم هذه المبادئ الثلاث ولابد أن تكون الانهيار الكامل لهذا العالم الذي تتحرك فيه هذه المبادئ... فالكل يشعر بالخطورة والكل ينصح كريون بعدم الاستمرار في هذه اللعبة حتى (تريسياس) ذلك العراف العارف بأمور الغيب، يحذره من هذا الانفجار ولكن كريون لا يريد إلا لمبدئه الانتصار حتى يستطيع بذلك أن يصل إلى ذاته وإلى نفسه في هذا العالم.
فكريون هنا بصفته رجل سلطة يحاول أن يحافظ على النظام،وهو كإنسان يبحث عن نفسه ويحاول أن يطرح أسئلة كثيرة ويبغي جوابها الكامل من العالم المحيط.
ومن خلال هذه الأسئلة يحاول كريون (الإنسان) أن يصل إلى نفسه وإلى ذاته إذ أن قانونه الذي فرضه هو سؤال كامل طرحه على العالم ويجب ألا يتخلى عنه.
ويلعب معنا (سوفوكليس وكوكتو) لعبتهما الخطرة بطرح الأسئلة ولذلك فبعد التصادم تتكشف لنا أرضية هذه التراجيديا وتكشف عن أحداثها معلنة موت انتكونا وهيمون مما يؤدي هذا الى انبثاق شخصية جديدة في داخل (كريون)، ويكون الوقت قد فات لإصلاح الأمر. فتتكدس الفواجع بشكل مذهل ويصاب بالتخاذل والانهيار التام كبطل تراجيدي أراد الوصول إلى خلاص جزئي.
وأخيرا فإن كل الشخوص حاولت أن تدافع عن مبدأ أو حقيقة آمنت بها وضحت من أجلها. ومن ثم حاولت إثبات حقها والإعلان عن صوتها في هذا العالم، فيمكن القول أن (الكل على حق) كما يؤكد هيجل.
وبهذا يكون الإنسان مسؤولا عن اختياره لأن متعته هي التي تسبب مأساته أحيانا كما يقول سوفوكليس على لسان الكورس...
وعند معالجة (كوكتو) لهذا الموضوع لم يضف شيئا على الأحداث وإنما جعل الشخصيات تتحرك بنفس الاتجاهات التي كانت تتحرك فيها شخوص (سوفوكليس) ولكنه أضاف لغة جديدة إلى موضوع (انتكونا) حيث لم يغير كثيرا في أحداث النص الأصلي، ولهذا فإنه ألبسها ثوبا جديدا يتناسب مع العصر الذي يعيش فيه الكاتب. فحاول أن يعطي للكلمات القديمة التي كتبها سوفوكليس معنى جديدا بتغيير بسيط يحدثه في بعض الكلمات.. وقد حدثنا كوكتو عن هذا في مقدمة مسرحيته حيث يقول:
quot;أننا إذا نظرنا إلى إنتاج الإغريق من فوق طائرة استطعنا أن نرى هذه النتاجات بشكل جديد ولها تضاريس جديدة تختلف عما كانت عليه سابقاquot;.
بهذا المفهوم انطلق كوكتو في معالجته للنص.. ولهذا فأنا لا أرى اختلافا كبيرا بين نص سوفوكليس ومعالجة كوكتو بالنسبة إلى الحدث والصراع بين الشخوص الذي يؤدي إلى تشابك الحدث وتناميه والوصول به إلى النهاية حيث أن شخصيات مثل انتكونا هيمون وكريون وكل الشخصيات الأخرى هي نفسها لدى كوكتو كما رسمها سوفوكليس مما دفعني الى أن أعطي تفسيرا واحدا للمعالجتين مع الاختلاف في بعض الأبعاد وما تحويه بعض المضامين. ولكن الشيء الذي لا ينكر أن كوكتو حاول استغلال إمكانات فضاء المسرح الحديث فاستطاع ملء الفراغات الزمنية لإعطاها طابعا زمنيا سواء في الديكور اوفضاء المسرح عموما. وكذلك أعطاها رشاقة وشفافية مسرحنا المعاصر، ولكنه اقتصر بعض الأحداث التي تمت خارج المسرح والتي طرحت بطريقة اخبارية وشغلت مساحة زمانية أكبر لدى سوفوكليس. ولذلك فإن كوكتو جعل مثل هذه الأحداث تدور في منطقية ومعقولية.
أما بالنسبة إلى الكورس.. فإن مهمته تختلف لدى سوفوكليس عنه لدى كوكتو فهو لدى سوفوكليس يمثل رأي الشعب او الامة لذلك نراه يطلق بعض الأحكام التي تحدد رأيه في الاحداث التي تجري أمامه، اذ لا يعطينا رأيا واضحا يغير من مجرى الأحداث وإنما فقط يقوم بعملية النصح والإرشاد بالنسبة إلى كانتكونا وكريون في آن واحد، وهذه مسألة منطقية لوظيفة الكورس الاغريقي.
أما لدى كوكتو فان الكورس مختلف نوعما، إذ لم يجسده لنا كشخصية تشغل مساحة مكانية ولها وجود فعلي على المسرح وإنما أظهره لنا كصوت يخرج من الديكور، وبهذا فإنه أعطى قيمة جديدة له، حيث نرى هذا الصوت (الكورس) يفرض نفسه على الأحداث بشكل غيبي، ولهذا فإنه أصبح يمثل لنا تلك القوة التي تفرض وجودها على الإنسان والتي لا يعرف مصدرها وغير مفهومة ايضا تلك الخيوط التي تحركها.
ولكن كريون كبطل وموقف لدى (آنوي) يستمر إلى النهاية لأن اختياره كان بوعي كامل، لأنه يمتلك فهما كاملا لعبثية الوجود فنراه في النهاية عندما يموت ابنه (هيمون ) وخطيبته يدخل وهو يحمله بين يديه ويضعه على الأرض ويذرف الدموع عليه ولكنه في النهاية يلتفت إلى خادمة ويسأله ما لديه من أعمال تنتظره فيرد عليه الخادم، أن لديه اجتماعا مع المجلس فيقول له كريون، هيا بنا وكأن شيئا لم يحدث، ولكننا نحس بأن هنالك جوا من الحزن يغلف المكان وان هنالك استسلاما كاملا لجبرية الحياة.
إن هذه الالتفاتة المصيرية والعبثية من (أنوي) التي أضافها إلى كريون جعلته يمتلك أبعادا عظيمة ليست موجودة عند أكثر الناس. هذا الفهم الكامل لمأساة الإنسان هو الذي أضاف على كريون قيمة جديدة جعلته يكون بطلا يضاهي انتكونا بتحمل الألم بسبب اختياره. وكريون هنا لا يكفر عن ذنبه كما هو الحال بالنسبة (لكريون) لدى سوفوكليس وكوكتو وإنما كان يشعر أن موقفه هذا لابد أن يتخذه وأن كل واحد يجب أن يحقق فعله الإنساني في هذا المسرح الكبير وأن يتحمل مسؤولية اختياره كإنسان.
بعكس (كريون) سوفولكليس وكوكتو فإنه يطلب من الآخرين أن ينفوه كما فعل قبله ( أوديب) ولكن هذه الحقيقة واضحة لدى (أنوي) حيث نرى كريون يصر على رأيه والدفاع عن مبدئه الذي اختاره حتى النهاية بالرغم من حزنه العظيم على موت ابنه وعلى انتكونا نفسها.
فإذن يبرز لنا في هذه التراجيديا البشرية مبدأن (كريون وانتكونا). وهاتان القوتان تتصارعان ولابد أن تنتصر أحداهما على الآخرى حسب قوة إيمان ووعي صاحبها، فلو لم يتخاذل كريون في النهاية لاتخذت شكلا آخر. ولاصبح كريون يضاهي انتكونا قوة وشجاعة وموقفا، بالرغم من أنه يملك صفات البطل التراجيدي لأنه يحاول إثبات قانون اختاره هو، ولكنه في النهاية لم يكن يعرف أن الأمور ستصل إلى هذا الحد بحيث تؤدي بحياة ابنه وخطيبته. ومسألة الوعي هذه هي التي تحدد بعدا جديدا ومستوى معينا يقف عليه كريون لدى (أنوي) وكريون لدى (سوفوكليس وكوكتو).
وحتى (ايسمينا) هذه التي تخلت عن القضية في البداية وحاولت أن تعيش في هذا العالم بدون أن تؤدي أي موقف إنساني.. نراها في النهاية تحاول أن تشترك في هذا الفعل الذي يضفي على صاحبه فعل التمرد، ومن خلاله يستطيع كذلك أن يتوصل إلى ذاته التي يبحث عنها... وتستمر المسرحية لدى (سوفوكليس) كما هو الحال لدى (كوكتو) حتى دخول (هيمون) فيحاول أن يوضح خطأ والده وأحقية انتكونا في مشروعها أو اختيارها وكأنه رجل الدفاع في هذه المحكمة.
ويحاول أن يثبت مبدأ جديدا يؤمن به هو، أن القانون يجب ألا يفرض فرضا وإنما يجب أن يختار الإنسان قانونه الذي يبغيه. وأن الدولة هي ليس ملك الدكتاتور وإنما هي ملك الناس وأن الخطأ يجب ألا يستمر حتى لا تتكون مأساة البشر الجزئية والتي تجلب لهم الألم. و(هيمون ـ ابن كريون) كان متحمسا للدفاع عن قضيته التي هي اختياره أكثر من تحمسه عن الدفاع عن قضية النظام والقانون.
فهو حاول الدفاع عن (اختياره) وعدم السماح بفرض الأشياء عليه حتى وإن كانت صادرة من والده (كريون).فاختار خطيبته انتكونا كخلاص جزئي من عبثية الحياة وبذلك فإن هذا الاختيار هو المبرر الكامل على معايشة (هيمون) للحياة والتناقض الذي رفضه هو أن والده يحاول أن يمنعه من هذا الخلاص أو هذه التسلية التي هي الحب.
وهذا الفعل يفقد حب الحياة لدى (هيمون) ولا يمنعه من أن يختار الموت على قبول قانون خاطئ مفروض عليه (الذي هو قانون كريون الصادر بحق موت انتكونا) ومن اجل الدفاع عن موقفه، ولا يملك هيمون شيئا سوى اختيار الموت كبديل لتحمل الألم الذي سيلاحقه في حالة عدم العيش بحرية كاملة وباختيار واعي، وبهذا يتكون لنا مبدأ ثالث لابد من التضحية من أجله.
ثلاثة مستويات مختلفة لمبادئ تتصارع فيما بينها وبذلك تتهيأ المأساة التي ستنفجر. فالكل هنا يبحث عن نفسه وسط زحمة من الفرضيات والقوانين. ولذلك لابد أن تتصادم هذه المبادئ الثلاث ولابد أن تكون الانهيار الكامل لهذا العالم الذي تتحرك فيه هذه المبادئ... فالكل يشعر بالخطورة والكل ينصح كريون بعدم الاستمرار في هذه اللعبة حتى (تريسياس) ذلك العراف العارف بأمور الغيب، يحذره من هذا الانفجار ولكن كريون لا يريد إلا لمبدئه الانتصار حتى يستطيع بذلك أن يصل إلى ذاته وإلى نفسه في هذا العالم.
فكريون هنا بصفته رجل سلطة يحاول أن يحافظ على النظام،وهو كإنسان يبحث عن نفسه ويحاول أن يطرح أسئلة كثيرة ويبغي جوابها الكامل من العالم المحيط.
ومن خلال هذه الأسئلة يحاول كريون (الإنسان) أن يصل إلى نفسه وإلى ذاته إذ أن قانونه الذي فرضه هو سؤال كامل طرحه على العالم ويجب ألا يتخلى عنه.
ويلعب معنا (سوفوكليس وكوكتو) لعبتهما الخطرة بطرح الأسئلة ولذلك فبعد التصادم تتكشف لنا أرضية هذه التراجيديا وتكشف عن أحداثها معلنة موت انتكونا وهيمون مما يؤدي هذا الى انبثاق شخصية جديدة في داخل (كريون)، ويكون الوقت قد فات لإصلاح الأمر. فتتكدس الفواجع بشكل مذهل ويصاب بالتخاذل والانهيار التام كبطل تراجيدي أراد الوصول إلى خلاص جزئي.
وأخيرا فإن كل الشخوص حاولت أن تدافع عن مبدأ أو حقيقة آمنت بها وضحت من أجلها. ومن ثم حاولت إثبات حقها والإعلان عن صوتها في هذا العالم، فيمكن القول أن (الكل على حق) كما يؤكد هيجل.
وبهذا يكون الإنسان مسؤولا عن اختياره لأن متعته هي التي تسبب مأساته أحيانا كما يقول سوفوكليس على لسان الكورس...
وعند معالجة (كوكتو) لهذا الموضوع لم يضف شيئا على الأحداث وإنما جعل الشخصيات تتحرك بنفس الاتجاهات التي كانت تتحرك فيها شخوص (سوفوكليس) ولكنه أضاف لغة جديدة إلى موضوع (انتكونا) حيث لم يغير كثيرا في أحداث النص الأصلي، ولهذا فإنه ألبسها ثوبا جديدا يتناسب مع العصر الذي يعيش فيه الكاتب. فحاول أن يعطي للكلمات القديمة التي كتبها سوفوكليس معنى جديدا بتغيير بسيط يحدثه في بعض الكلمات.. وقد حدثنا كوكتو عن هذا في مقدمة مسرحيته حيث يقول:
quot;أننا إذا نظرنا إلى إنتاج الإغريق من فوق طائرة استطعنا أن نرى هذه النتاجات بشكل جديد ولها تضاريس جديدة تختلف عما كانت عليه سابقاquot;.
بهذا المفهوم انطلق كوكتو في معالجته للنص.. ولهذا فأنا لا أرى اختلافا كبيرا بين نص سوفوكليس ومعالجة كوكتو بالنسبة إلى الحدث والصراع بين الشخوص الذي يؤدي إلى تشابك الحدث وتناميه والوصول به إلى النهاية حيث أن شخصيات مثل انتكونا هيمون وكريون وكل الشخصيات الأخرى هي نفسها لدى كوكتو كما رسمها سوفوكليس مما دفعني الى أن أعطي تفسيرا واحدا للمعالجتين مع الاختلاف في بعض الأبعاد وما تحويه بعض المضامين. ولكن الشيء الذي لا ينكر أن كوكتو حاول استغلال إمكانات فضاء المسرح الحديث فاستطاع ملء الفراغات الزمنية لإعطاها طابعا زمنيا سواء في الديكور اوفضاء المسرح عموما. وكذلك أعطاها رشاقة وشفافية مسرحنا المعاصر، ولكنه اقتصر بعض الأحداث التي تمت خارج المسرح والتي طرحت بطريقة اخبارية وشغلت مساحة زمانية أكبر لدى سوفوكليس. ولذلك فإن كوكتو جعل مثل هذه الأحداث تدور في منطقية ومعقولية.
أما بالنسبة إلى الكورس.. فإن مهمته تختلف لدى سوفوكليس عنه لدى كوكتو فهو لدى سوفوكليس يمثل رأي الشعب او الامة لذلك نراه يطلق بعض الأحكام التي تحدد رأيه في الاحداث التي تجري أمامه، اذ لا يعطينا رأيا واضحا يغير من مجرى الأحداث وإنما فقط يقوم بعملية النصح والإرشاد بالنسبة إلى كانتكونا وكريون في آن واحد، وهذه مسألة منطقية لوظيفة الكورس الاغريقي.
أما لدى كوكتو فان الكورس مختلف نوعما، إذ لم يجسده لنا كشخصية تشغل مساحة مكانية ولها وجود فعلي على المسرح وإنما أظهره لنا كصوت يخرج من الديكور، وبهذا فإنه أعطى قيمة جديدة له، حيث نرى هذا الصوت (الكورس) يفرض نفسه على الأحداث بشكل غيبي، ولهذا فإنه أصبح يمثل لنا تلك القوة التي تفرض وجودها على الإنسان والتي لا يعرف مصدرها وغير مفهومة ايضا تلك الخيوط التي تحركها.
الحياة مسرح كبير..ولكل منا دوره
لقد أفردت مكانا خاصا لمعالجة (أنوي) لذات الموضوع وكذلك الوظيفة الجوهرية للكورس.فهو عالج هذه المأساة بشكل يختلف عن الذين سبقوه، إذ قد غير كل القيم الموجودة في الحادثة الأولى وبذلك فقد أبرز لنا أحداثا وشخوصا جديدة تتطور بتطور الأحداث، وأضاف شخصيات اخرى جديدة لا وجود لها في المعالجات السابقة لاحداث انتكونا.
تبدأ مسرحية (آنوي) عندما ترجع (أنتكونا) إلى البيت مع الفجر وظلام الليل يلف القصر، فتلتقى عند دخولها المرضعة التي كانت تبحث عنها فتأنبها على خروجها في غبشة الفجر وتتهمها بانها تلتقى حبيبا آخر غير خطيبها (هيمون).
وبهذا فان انوي يخلق مستويين من الحوار تفرضه طبيعة الشخصية وكل مستوى له مدلوله و معناه فنرى أن المرضعة تتكلم عن الفضيحة التي ستلحق بالعائلة عندما يعلم الناس أن (أنتكونا) تستيقظ كل صباح لتلقى حبيبا فتؤيدها انتكونا ولا تتوقف عند هذا الحد بل نراها تصف حبيبها الذي التقته هذا الصباح بشكل نشعر من ورائه بأنها مغرمة به إلى درجة كبيرة.. وطبعا فأنتكونا لا تتكلم عن حبيب تعشقه بل عن حبها لأخيها والمرضعة تتكلم عن شيء آخر. فأنتكونا استيقظت لدفن الجثة بعد قرار (كريون) الذي منه ذلك. وتهيم البطلة فرحا لأنها قامت بعملية الدفن الذي سيثبت موجوديتها واستمراريتها، وهذا واضح من حوارها مع المرضعة: -
المرضعة: ولكن خالك كريون سيعرف وأعدك بهذا.
أنتكونا: (متعبة قليلا وفجأة) نعم خالي كريون سيعرف. اتركيني الآن.
ومن هنا تبدأ عظمة وقدرة (آنوي) في إعطاء الحوار أبعادا جديدة وتأويل الكلمات لإبراز معنى بعيدا عن مفهوم الشخصية الأخرى (المرضعة). ولكن القارئ يفهم المعنى المستتر للحوار الدائر بين الشخصيتين وعندما تدخل (ايسمينا) إلى الغرفة... نعلم أنها وانتكونا قد تكاشفتا في دفن أخيهما منذ البارحة (فايسمينا) ترفض دفن أخيها لأنها تعرف أن هذا الفعل سيؤدي بفاعله إلى الموت...
ايسمينا: - سيحكم علينا بالموت
انتكونا:- لكل دوره فهو يجب أن يحكم علينا بالموت.. ونحن يجب أن ندفن أخانا.. هكذا وزعت الأدوار. ماذا تريدين أن نفعل.؟
من هذا نفهم أن هناك قوة مفروضة على الإنسان تسيره وتقوده نحو مصيره حتى النهاية. ولكنا نحس أن (انتكونا) لها وعيها الخاص وأنها تفهم جيدا ما تقوم به وبالذات دورها الذي خلقت من اجله. فماذا يفعل الإنسان حيال ما فرض عليه من قوانين لا تقبل النقاش من قبل البشر، فترد اختها.
ايسمينا: لا أريد أن أموت.
انتكونا: ولا أنا أيضا، وددت لو أني لا أموت..
إن (آنوي) كأي مبدع يمتلك رؤيته للعالم فإنه لابد ان يعالج اي موضوع من خلال هذه الرؤيا فهو ينظر للعالم على أنه مسرح كبير والكل يمثل فيه وله دوره الخاص به وعليه بالتالي أن يتقن تمثيل هذا الدور بالشكل الذي رسم له.
فالحدث كله وكأنه مسرحية تمثل، وهنالك مخرج يفرض الأشياء والعلاقات والأبعاد ولذلك نرى (آنوي) في بداية المسرحية يعلن لنا ذلك بحيث يضع كل الممثلين المشتركين ndash; على المسرح ndash; وكل يراجع دوره الذي سيؤديه. مما يجعلنا هذا ان نشعر أن هنالك قوة كبيرة تفرض نفسها وأن الإنسان أداة لتأدية أوامر هذه القوة. وأنوي يطرح هذه القضية بوعي كامل فلذلك نرى الشخوص كلها تقوم بأدوارها بشكل منتظم. و(انوي) قادر على رسم شخصية بطلته بحيث يضفي عليها الكثير من العمق ووعيا كاملا بما يحيطها.
وإن شخصية مثل انتكونا تحمل في نفسها (قدرة على التمرد الكامل) لابد أن تختلف اختلافا جوهريا عن الشخصيات الأخرى. فنرى الاختلاف كبيرا بين (انتكونا) وبين المرضعة في الوعي والإدراك، ونفهم هذا من خلال تاويل الحوار حيث يضفي (أنوي) على حوار انتكونا أبعادا ومعاني عميقة، ومما بدفهنا هذا الى ان نعرف بان انوي يعبر بشكل غير مباشر عن مهمة انتكونا الشاقة، مازجا ماساتها بجو من الشاعرية حيث تحلم بالفجر الذي يحدد عندها ولادة جديدة لها لأنها تؤمن لأول مرة بشخصيتها وقوتها عندما قامت بفعل لا يستطيع الآخرون القيام به.
بالإضافة إلى ذلك أن هناك منطقا خاصا بالحياة يسيرها دائما ويفرض عليها مسارا معينا يجب ان تتخذه حتى النهاية، وهذا المنطق يجعل الحياة قابلة للعيش بالنسبة للناس الذين لا يحملون أي وعي لأنهم يمارسون هذه الحياة بتخدير كامل فيقبلوها على أنها شيء مفروض عليهم ولا يمكن تغيره لأنهم يؤمنون بأن هذا هو منطق الحياة ويحاولون أن يفرضوا هذه الحقيقة(كما يسمونها) على الآخرين وبالتالي فإن أي تمرد من الآخرين يعتبر غير منطقي وغير مشروع حسل منطقهم كما هو الحال بالنسبة الى تمرد(دانتون) ndash; رجل الثورة الفرنسية الذي ثار على نفسه أولا ndash; بعد أن أحس بعبثية الحياة ndash; والتزم جانب السلب في الحياة.
لقد ثارت (انتكونا) أو تمردت ونطقت كلمة (لا) لكي تستطيع أن تثور على منطق الحياة هذا (الذي يحاول أن يقتل ذات الإنسان وسط قوانين غير منطقية) والثورة يجب أن تأخذ مكانها في داخل الإنسان كفرد أولا ومن ثم ينطلق بها إلى الخارج فانتكونا إنما ثارت لنفسها قبل أن تثور لغيرها.. والثورة هذه هي احتجاج على كل المعاملة التي عوملت بها منذ طفولتها- أو على السلوك الذي رسم لها من قبل أشخاص في القصر باعتبارها ابنة ملك ndash; لأنها عاشت حياة مقننة ومنتظمة مما ادى الى فقدانها ذاتها. ولكونها ابنة ملك فلابد أن تفرض عليها الأشياء بدون أن تحصل على أي تبرير، وحتى وان سألت لايمكن ان تحصل على أية إجابة.
فالكل كان يعاملها بمنطق التعليمية باعتبارها ابنة ملك، مما يؤدي بها الى عدم ممارسة حقها بطرح آرائها وانما عليها ان تقبل الأشياء باعتبارها مفروضة وقوانين موضوعة لنظام كامل لقصريدير دولة، وهذا يفرض عليها أن تقول دائما (نعم) مما جعلها ذات مسطحة.
وعندما قررت أن تثور فإنها في الحقيقة ثارت على منطق نظام الحياة الذي يفرض على الإنسان أن يقبله، وثورتها هي فرض رأيها الذي كان دائما لا يسمع. ومثل هذه الثورة قد تحمل طابع العناد الكامل لا لشيء إلا لكسر طوق المنطق والتقنين ndash; والهدف من هذا الوعي الجديد بالتمرد هو الحصول على بعض من السعادة وإلا فإنها تفضل الموت.
انتكونا: انتم تثيرون اشمئزازي جميعا بسعادتكم وحياتكم التي يتعين أن
يحبها المرء مهما كان طعمها،ككلاب تلعق كل ما تجد أمامها،
إنني أريد كل شيء، أنا وعلى الفور، كل شيء كاملا أو أرفض. أريد أن أكون واثقة من كل شيء اليوم. وأن يكون كل شيء جميلا أو أموت.
فإذن ليس هناك بديل آخر لتبرير وجودها، ولكنها قد تحصل على راحة ما عدا السعادة الكاملة وبالرغم من هذا فإن الآخرين يقتنعون بأبسط الأشياء للحفاظ على استمرارية الحياة.
إذن ليس هدف انتكونا، هنا الدفاع عن مبدأ سماوي كما هو موجود لدى(سوفوكل) وإنما للوصول إلى خلاص من حياة روتينية متكررة ليس فيها شيء جديد. فالدافع هنا تبدل لدى (انوي) ولدي سوفوكليس وكوكتو ndash;حيث أن انتكونا آنوي ثارت من أجل أن تخرج عن طور (ذات ) الطفلة التي تقول نعم دائما لرؤساء القصر، لتصح انتكونا المرأة التي تحاول كسر طوق روتينية الحياة وأن تقول رأيها لأول مرة، وبهذا فإنها استطاعت أن تصرخ وبوعي..
إن (انوي) يبدو لنا في هذه المسرحية فنانا واعيا لحقيقة الإنسان والدور المفروض عليه لذلك فالكل لديه مسلوبوا الإرادة وغير قادرون على فعل شيء وإنما كل شيء مفروض من فوق ndash; هذا (الفوق) الذي لا يستطيع أي كان أن يحدد له أبعادا واضحة. فكريون لا يستطيع أن يفعل (شيء) لكي يخلص انتكونا وابنه هيمون كذلك.. لأن انتكونا اختارت وعليها أن تستمر إلى النهاية في اختيارها هذا لأنها كرهت الحياة المزيفة وهي تعلم مسبقا أن الكل يقول (نعم) ولابد أن يقولها، وهي تحاول أن ترفض هذه الحياة لأجل أن تتخلص من هذا الوسط العفن الذي تبقى فيه الأفواه تنطق الموافقة والإرادة المزيفة فقط.
فالشخصيات في هذه المسرحية تتحرك في دائرة وهمية غير معروفة وهذا حال العالم، بل هو منطق الحياة، وعندما يجد الإنسان شيئا يدافع عنه ويموت من أجله يقف عاريا وقلقا وخائفا لأنه سيفقد الحياة.
فالكل هنا يعرف الحقيقة وهي أن انتكونا على حق وحتى كريون نفسه يعرف ذلك، ولكنه لا يستطيع فعل اي شئ لأن الأدوار وزعت ولابد أن تمثل إلى النهاية.. وكريون وانتكونا أحدهما مرآة الأخر وكل منهما يكشف الأخر ndash; فكريون يقول لإنتكونا انك مخدوعة بأن تضحي بحياتك من أجل لا شيء.. وهي تقول لكريون بأنك تفهم جيدا أن الاستمرار في الحياة عبث ولا يفيد شيئا،ولكن الكل يجب أن يستمرحتى النهاية.
إن بحث الإنسان الدائم عن ذاته هو الذي يدفعه بالسير نحو المجهول،ولكن كريون لدى (انوي) يفهم دور الإنسان على عكس ما يفهمه الآخر حيث هو يدين (اوديب) لأنه حاول أن يتحدى الموت. ففي منطق كريون ان الإنسان خلق ليعيش حياته لا أن يقصر الطريق الذي رسم له كما هو الحال مع (انتكونا وأوديب) وعليه أن يعيش هذا الزمن كله , فهو يفهم بان أي فعل عظيم يؤدي بحياة الإنسان الى الموت يصبح تافها أمام معايشة الحياة.
فالبطولة والانتصار حسب كريون هي أكذوبة يخلقها الإنسان لكي يشعر بلحظات انتصار على الموت نفسه فمنطق كريون هو أن الشجاعة ليس في مواجهة الموت وإنما الشجاعة ففي كيفية التخلص منه. ولهذا يحاول أن يثني (انتكونا) عن عزمها لكي لا تذهب ضحية فعل هذه البطولة،وقد حاول أن يخفي فعلتها حتى لا تختار الموت إلا أنها رفضت.. ولكنه في النهاية يامر مجبرا على قتلها حتى لا تعم الفوضى وحتى لا يفقد زمام (قيادة الرجال) التي أعطيت له من قبل مؤلف نظام الكون.
لذلك فإن شخصية كريون آنوي تختلف عن كريون (كوكتو وسوفوكليس) الذي لايمانع أن يساوم على تنفيذ القانون لكي يكسب حياة خالية من المشاكل والمصاعب.
فكريون هنا رجل محنك يفهم الأمور بشكل منطقي وليس ذلك الرجل الذي لا يسمع إلا صوته. وهو يؤمن بان لكل انسان عليه دور يجب ان يؤديه في الحياة.وجميع الأقنعة التي يتقنع بها البشر ما هي إلا سخافات. فهو رجل ثاقب لنفوس الآخرين وكاشف لحقيقتهم وبهذا فهو يتمتع بوعي يختلف عما لدى كريون كوكتو وسوفوكليس.
ففي لحظات ضعفه لا يبكي ولا يتألم لموت ابنه وخطيبته، لان المشاعر والعواطف والدموع لا يكون لها دور في حياته، إذ بدلا من هذا نجده يسأل عن العمل الذي ينتظره في المجلس وكأنه كان في مهمة انتهى منها الآن وعليه القيام بمهمة أخرى. وهو ينظر إلى الموت وكأنه نوم بالرغم من انه يخاف من هذا النوم، ومثل هذا الفهم والوعي هو الذي يجعله يقف هذا الموقف بالرغم من أنه يحب ابنه(هيمون) وكذلك انتكونا. وعندما يحاول ابنه أن يثنيه عن عزمه بالغاء امر قتل انتكونا يرفض بقوة حتى يستطيع أن يتم الدور الذي رسم لمصائر هذه الشخصيات من قبل ذلك المؤلف المجهول.
ومهمة الكورس لدى أنوي تختلف عما نعرفه من وظيفة الكورس بشكل عام لدى كوكتو وسوفوكليس بشكل خاص بحيث أن الكورس لا يمثل الشعب كما هو الحال لدى الثاني ولا يمثل قوة خفية كما هو الحال لدى الأول. وإنما هو يمثل هذا الرجل الواعي الذي يلقي الضوء على ما غمض. كأنه رجل يعرف المأساة منذ البداية إلى النهاية ويعرف ما تصير إليه مصائر الشخصيات. ومن خلال الكورس يوضح (انوي) نظرته إلى الحياة حيث يعتبر المسألة ليست مسألة موت رجل وحياة آخر وتحدث المأساة وإنما المسألة هي مسألة التوزيع المأساوي للأدوار من قبل المؤلف (الفوق)، فليس حدوث الفاجعة يرتبط بموت أحد الابطال وإنما هي تحدث أيضا والابطال على قيد الحياة، فالصراع ما يزال دائر ولم ينته.
وفي النهاية فان كل من انتهى دوره اختفى من فضاء المسرح، وحده كريون يعيش الوحدة المطلقة. ولابد ان يأتي زمن ينساه المؤلف ويتنحى من على خشبة الحياة ndash; وتبقى انتكونا في النهاية إنسانا أراد الخلاص فتمردت من أجل إثبات إنسانيتها وذاتها وارادتها.
تبدأ مسرحية (آنوي) عندما ترجع (أنتكونا) إلى البيت مع الفجر وظلام الليل يلف القصر، فتلتقى عند دخولها المرضعة التي كانت تبحث عنها فتأنبها على خروجها في غبشة الفجر وتتهمها بانها تلتقى حبيبا آخر غير خطيبها (هيمون).
وبهذا فان انوي يخلق مستويين من الحوار تفرضه طبيعة الشخصية وكل مستوى له مدلوله و معناه فنرى أن المرضعة تتكلم عن الفضيحة التي ستلحق بالعائلة عندما يعلم الناس أن (أنتكونا) تستيقظ كل صباح لتلقى حبيبا فتؤيدها انتكونا ولا تتوقف عند هذا الحد بل نراها تصف حبيبها الذي التقته هذا الصباح بشكل نشعر من ورائه بأنها مغرمة به إلى درجة كبيرة.. وطبعا فأنتكونا لا تتكلم عن حبيب تعشقه بل عن حبها لأخيها والمرضعة تتكلم عن شيء آخر. فأنتكونا استيقظت لدفن الجثة بعد قرار (كريون) الذي منه ذلك. وتهيم البطلة فرحا لأنها قامت بعملية الدفن الذي سيثبت موجوديتها واستمراريتها، وهذا واضح من حوارها مع المرضعة: -
المرضعة: ولكن خالك كريون سيعرف وأعدك بهذا.
أنتكونا: (متعبة قليلا وفجأة) نعم خالي كريون سيعرف. اتركيني الآن.
ومن هنا تبدأ عظمة وقدرة (آنوي) في إعطاء الحوار أبعادا جديدة وتأويل الكلمات لإبراز معنى بعيدا عن مفهوم الشخصية الأخرى (المرضعة). ولكن القارئ يفهم المعنى المستتر للحوار الدائر بين الشخصيتين وعندما تدخل (ايسمينا) إلى الغرفة... نعلم أنها وانتكونا قد تكاشفتا في دفن أخيهما منذ البارحة (فايسمينا) ترفض دفن أخيها لأنها تعرف أن هذا الفعل سيؤدي بفاعله إلى الموت...
ايسمينا: - سيحكم علينا بالموت
انتكونا:- لكل دوره فهو يجب أن يحكم علينا بالموت.. ونحن يجب أن ندفن أخانا.. هكذا وزعت الأدوار. ماذا تريدين أن نفعل.؟
من هذا نفهم أن هناك قوة مفروضة على الإنسان تسيره وتقوده نحو مصيره حتى النهاية. ولكنا نحس أن (انتكونا) لها وعيها الخاص وأنها تفهم جيدا ما تقوم به وبالذات دورها الذي خلقت من اجله. فماذا يفعل الإنسان حيال ما فرض عليه من قوانين لا تقبل النقاش من قبل البشر، فترد اختها.
ايسمينا: لا أريد أن أموت.
انتكونا: ولا أنا أيضا، وددت لو أني لا أموت..
إن (آنوي) كأي مبدع يمتلك رؤيته للعالم فإنه لابد ان يعالج اي موضوع من خلال هذه الرؤيا فهو ينظر للعالم على أنه مسرح كبير والكل يمثل فيه وله دوره الخاص به وعليه بالتالي أن يتقن تمثيل هذا الدور بالشكل الذي رسم له.
فالحدث كله وكأنه مسرحية تمثل، وهنالك مخرج يفرض الأشياء والعلاقات والأبعاد ولذلك نرى (آنوي) في بداية المسرحية يعلن لنا ذلك بحيث يضع كل الممثلين المشتركين ndash; على المسرح ndash; وكل يراجع دوره الذي سيؤديه. مما يجعلنا هذا ان نشعر أن هنالك قوة كبيرة تفرض نفسها وأن الإنسان أداة لتأدية أوامر هذه القوة. وأنوي يطرح هذه القضية بوعي كامل فلذلك نرى الشخوص كلها تقوم بأدوارها بشكل منتظم. و(انوي) قادر على رسم شخصية بطلته بحيث يضفي عليها الكثير من العمق ووعيا كاملا بما يحيطها.
وإن شخصية مثل انتكونا تحمل في نفسها (قدرة على التمرد الكامل) لابد أن تختلف اختلافا جوهريا عن الشخصيات الأخرى. فنرى الاختلاف كبيرا بين (انتكونا) وبين المرضعة في الوعي والإدراك، ونفهم هذا من خلال تاويل الحوار حيث يضفي (أنوي) على حوار انتكونا أبعادا ومعاني عميقة، ومما بدفهنا هذا الى ان نعرف بان انوي يعبر بشكل غير مباشر عن مهمة انتكونا الشاقة، مازجا ماساتها بجو من الشاعرية حيث تحلم بالفجر الذي يحدد عندها ولادة جديدة لها لأنها تؤمن لأول مرة بشخصيتها وقوتها عندما قامت بفعل لا يستطيع الآخرون القيام به.
بالإضافة إلى ذلك أن هناك منطقا خاصا بالحياة يسيرها دائما ويفرض عليها مسارا معينا يجب ان تتخذه حتى النهاية، وهذا المنطق يجعل الحياة قابلة للعيش بالنسبة للناس الذين لا يحملون أي وعي لأنهم يمارسون هذه الحياة بتخدير كامل فيقبلوها على أنها شيء مفروض عليهم ولا يمكن تغيره لأنهم يؤمنون بأن هذا هو منطق الحياة ويحاولون أن يفرضوا هذه الحقيقة(كما يسمونها) على الآخرين وبالتالي فإن أي تمرد من الآخرين يعتبر غير منطقي وغير مشروع حسل منطقهم كما هو الحال بالنسبة الى تمرد(دانتون) ndash; رجل الثورة الفرنسية الذي ثار على نفسه أولا ndash; بعد أن أحس بعبثية الحياة ndash; والتزم جانب السلب في الحياة.
لقد ثارت (انتكونا) أو تمردت ونطقت كلمة (لا) لكي تستطيع أن تثور على منطق الحياة هذا (الذي يحاول أن يقتل ذات الإنسان وسط قوانين غير منطقية) والثورة يجب أن تأخذ مكانها في داخل الإنسان كفرد أولا ومن ثم ينطلق بها إلى الخارج فانتكونا إنما ثارت لنفسها قبل أن تثور لغيرها.. والثورة هذه هي احتجاج على كل المعاملة التي عوملت بها منذ طفولتها- أو على السلوك الذي رسم لها من قبل أشخاص في القصر باعتبارها ابنة ملك ndash; لأنها عاشت حياة مقننة ومنتظمة مما ادى الى فقدانها ذاتها. ولكونها ابنة ملك فلابد أن تفرض عليها الأشياء بدون أن تحصل على أي تبرير، وحتى وان سألت لايمكن ان تحصل على أية إجابة.
فالكل كان يعاملها بمنطق التعليمية باعتبارها ابنة ملك، مما يؤدي بها الى عدم ممارسة حقها بطرح آرائها وانما عليها ان تقبل الأشياء باعتبارها مفروضة وقوانين موضوعة لنظام كامل لقصريدير دولة، وهذا يفرض عليها أن تقول دائما (نعم) مما جعلها ذات مسطحة.
وعندما قررت أن تثور فإنها في الحقيقة ثارت على منطق نظام الحياة الذي يفرض على الإنسان أن يقبله، وثورتها هي فرض رأيها الذي كان دائما لا يسمع. ومثل هذه الثورة قد تحمل طابع العناد الكامل لا لشيء إلا لكسر طوق المنطق والتقنين ndash; والهدف من هذا الوعي الجديد بالتمرد هو الحصول على بعض من السعادة وإلا فإنها تفضل الموت.
انتكونا: انتم تثيرون اشمئزازي جميعا بسعادتكم وحياتكم التي يتعين أن
يحبها المرء مهما كان طعمها،ككلاب تلعق كل ما تجد أمامها،
إنني أريد كل شيء، أنا وعلى الفور، كل شيء كاملا أو أرفض. أريد أن أكون واثقة من كل شيء اليوم. وأن يكون كل شيء جميلا أو أموت.
فإذن ليس هناك بديل آخر لتبرير وجودها، ولكنها قد تحصل على راحة ما عدا السعادة الكاملة وبالرغم من هذا فإن الآخرين يقتنعون بأبسط الأشياء للحفاظ على استمرارية الحياة.
إذن ليس هدف انتكونا، هنا الدفاع عن مبدأ سماوي كما هو موجود لدى(سوفوكل) وإنما للوصول إلى خلاص من حياة روتينية متكررة ليس فيها شيء جديد. فالدافع هنا تبدل لدى (انوي) ولدي سوفوكليس وكوكتو ndash;حيث أن انتكونا آنوي ثارت من أجل أن تخرج عن طور (ذات ) الطفلة التي تقول نعم دائما لرؤساء القصر، لتصح انتكونا المرأة التي تحاول كسر طوق روتينية الحياة وأن تقول رأيها لأول مرة، وبهذا فإنها استطاعت أن تصرخ وبوعي..
إن (انوي) يبدو لنا في هذه المسرحية فنانا واعيا لحقيقة الإنسان والدور المفروض عليه لذلك فالكل لديه مسلوبوا الإرادة وغير قادرون على فعل شيء وإنما كل شيء مفروض من فوق ndash; هذا (الفوق) الذي لا يستطيع أي كان أن يحدد له أبعادا واضحة. فكريون لا يستطيع أن يفعل (شيء) لكي يخلص انتكونا وابنه هيمون كذلك.. لأن انتكونا اختارت وعليها أن تستمر إلى النهاية في اختيارها هذا لأنها كرهت الحياة المزيفة وهي تعلم مسبقا أن الكل يقول (نعم) ولابد أن يقولها، وهي تحاول أن ترفض هذه الحياة لأجل أن تتخلص من هذا الوسط العفن الذي تبقى فيه الأفواه تنطق الموافقة والإرادة المزيفة فقط.
فالشخصيات في هذه المسرحية تتحرك في دائرة وهمية غير معروفة وهذا حال العالم، بل هو منطق الحياة، وعندما يجد الإنسان شيئا يدافع عنه ويموت من أجله يقف عاريا وقلقا وخائفا لأنه سيفقد الحياة.
فالكل هنا يعرف الحقيقة وهي أن انتكونا على حق وحتى كريون نفسه يعرف ذلك، ولكنه لا يستطيع فعل اي شئ لأن الأدوار وزعت ولابد أن تمثل إلى النهاية.. وكريون وانتكونا أحدهما مرآة الأخر وكل منهما يكشف الأخر ndash; فكريون يقول لإنتكونا انك مخدوعة بأن تضحي بحياتك من أجل لا شيء.. وهي تقول لكريون بأنك تفهم جيدا أن الاستمرار في الحياة عبث ولا يفيد شيئا،ولكن الكل يجب أن يستمرحتى النهاية.
إن بحث الإنسان الدائم عن ذاته هو الذي يدفعه بالسير نحو المجهول،ولكن كريون لدى (انوي) يفهم دور الإنسان على عكس ما يفهمه الآخر حيث هو يدين (اوديب) لأنه حاول أن يتحدى الموت. ففي منطق كريون ان الإنسان خلق ليعيش حياته لا أن يقصر الطريق الذي رسم له كما هو الحال مع (انتكونا وأوديب) وعليه أن يعيش هذا الزمن كله , فهو يفهم بان أي فعل عظيم يؤدي بحياة الإنسان الى الموت يصبح تافها أمام معايشة الحياة.
فالبطولة والانتصار حسب كريون هي أكذوبة يخلقها الإنسان لكي يشعر بلحظات انتصار على الموت نفسه فمنطق كريون هو أن الشجاعة ليس في مواجهة الموت وإنما الشجاعة ففي كيفية التخلص منه. ولهذا يحاول أن يثني (انتكونا) عن عزمها لكي لا تذهب ضحية فعل هذه البطولة،وقد حاول أن يخفي فعلتها حتى لا تختار الموت إلا أنها رفضت.. ولكنه في النهاية يامر مجبرا على قتلها حتى لا تعم الفوضى وحتى لا يفقد زمام (قيادة الرجال) التي أعطيت له من قبل مؤلف نظام الكون.
لذلك فإن شخصية كريون آنوي تختلف عن كريون (كوكتو وسوفوكليس) الذي لايمانع أن يساوم على تنفيذ القانون لكي يكسب حياة خالية من المشاكل والمصاعب.
فكريون هنا رجل محنك يفهم الأمور بشكل منطقي وليس ذلك الرجل الذي لا يسمع إلا صوته. وهو يؤمن بان لكل انسان عليه دور يجب ان يؤديه في الحياة.وجميع الأقنعة التي يتقنع بها البشر ما هي إلا سخافات. فهو رجل ثاقب لنفوس الآخرين وكاشف لحقيقتهم وبهذا فهو يتمتع بوعي يختلف عما لدى كريون كوكتو وسوفوكليس.
ففي لحظات ضعفه لا يبكي ولا يتألم لموت ابنه وخطيبته، لان المشاعر والعواطف والدموع لا يكون لها دور في حياته، إذ بدلا من هذا نجده يسأل عن العمل الذي ينتظره في المجلس وكأنه كان في مهمة انتهى منها الآن وعليه القيام بمهمة أخرى. وهو ينظر إلى الموت وكأنه نوم بالرغم من انه يخاف من هذا النوم، ومثل هذا الفهم والوعي هو الذي يجعله يقف هذا الموقف بالرغم من أنه يحب ابنه(هيمون) وكذلك انتكونا. وعندما يحاول ابنه أن يثنيه عن عزمه بالغاء امر قتل انتكونا يرفض بقوة حتى يستطيع أن يتم الدور الذي رسم لمصائر هذه الشخصيات من قبل ذلك المؤلف المجهول.
ومهمة الكورس لدى أنوي تختلف عما نعرفه من وظيفة الكورس بشكل عام لدى كوكتو وسوفوكليس بشكل خاص بحيث أن الكورس لا يمثل الشعب كما هو الحال لدى الثاني ولا يمثل قوة خفية كما هو الحال لدى الأول. وإنما هو يمثل هذا الرجل الواعي الذي يلقي الضوء على ما غمض. كأنه رجل يعرف المأساة منذ البداية إلى النهاية ويعرف ما تصير إليه مصائر الشخصيات. ومن خلال الكورس يوضح (انوي) نظرته إلى الحياة حيث يعتبر المسألة ليست مسألة موت رجل وحياة آخر وتحدث المأساة وإنما المسألة هي مسألة التوزيع المأساوي للأدوار من قبل المؤلف (الفوق)، فليس حدوث الفاجعة يرتبط بموت أحد الابطال وإنما هي تحدث أيضا والابطال على قيد الحياة، فالصراع ما يزال دائر ولم ينته.
وفي النهاية فان كل من انتهى دوره اختفى من فضاء المسرح، وحده كريون يعيش الوحدة المطلقة. ولابد ان يأتي زمن ينساه المؤلف ويتنحى من على خشبة الحياة ndash; وتبقى انتكونا في النهاية إنسانا أراد الخلاص فتمردت من أجل إثبات إنسانيتها وذاتها وارادتها.









التعليقات