د. فاضل سوداني: لقد اثيرت بعض الطروحات كتأكيد على وجود المسرح السومري او البابلي بدون الاستناد على البراهين والاثار والملحقات الاخرى التي يحتاجها المسرح وتؤكد وجوده، وإنما فقط استنادا الى الحدث التراجيدي والشعر والمناحات والطقوس الدينية في سومر وبابل وهي عادة طقوس تراجيدية في جوهرها لانها تحكي مأساة الهة الخصب.
وهذا ما يجعل من هذه الدعوات ظاهرة دفعت الى بذل الكثير من المحاولات وكتابة البحوث لتاكيد وجود المسرح في التراث القديم او تأكيد اشكال درامية بدائية وغير مسرحية والتعامل معها باعتبارها برهان على وجود المسرح في هذه المجتمعات الشرقية، إنطلاقا من روح التحدي.
وبدأ لابد من التأكيد باننا لا نريد ان ندخل في نقاشات غير ذات دلالة مما يجعلها غير مجدية عندما نفترض عدم وجود الفن الدرامي ـ المسرح ـ في النشاطات الطقوسية والثقافية في المجتمع الرافديني وتحديدا السومري او البابلي على عكس ما جاء به بعض الفنانين او الباحثين او الدارسين للتاكيد على المسرح السومري او البابلي، ولكن عند دراسة هذه الاطروحات تكتشف بانها لا تمتلك البراهين والدلالات على التاكيد العلمي والاكاديني والآثاري، ونكتشف بان الهدف الحقيقي هو اما التعصب القومي او الانفعال الوطني وتاكيد الهوية مما يدفعهم الى التيقن بان مثل هذا كاف لإثبات وجود المسرح.
لكن ما أفترضه انا و في يقين الرأي هو ان الباحثين لاينتبهون الى ان تعدد اصوات القصيدة الدينية وايقاعاتها المختلفة في الشعر السومري والبابلي هي احدى ميزات النواحات الدينية والتراجيدية والطقوسية التي كانت تقام في المعبد، ومن الممكن القيام ببعض التغيرات واعداد القصيدة او مجموعة القصائد ليسهل تهيئتها كنص للمسرح كما هو الحال في التعزية واحداث المأساة الحسينية، ولكن حتى هذا لايثبت وجود اولي للمسرح. إذن الجوهر الذي نبتدأ به هو أن هذه الميزات لا تجعلنا نقتنع بوجود مسرح سبق المسرح الاغريقي إلا إذا أكد ذلك علماء الآثريات.
أن اللغة المتفوقة دلالة وشاعرية والتي من السهولة اكتشفها في الطقوس التراجيدية السومرية والبابلية، توهمنا احيانا بوجود المسرح وتدفع بالباحثين الى التاكيد بان كل هذا يجب ان يكون مسرحا، لكن مافائدة هذا التأكيد الان للمسرح المعاصر مادام غير قادر على تأكيد وجوده في المستقبل.
ونخلص أيضا الى ان مايدهشنا في حقيقة الامر هو أن هنالك طغيان لميزات درامية وتراجيدية شعرية للشعر الطقوسي لهذه الحضارات القديمة يتمثل بإحتواءه على اكثر من صوت واحد او ايقاع مما يقربه من الدراما والتراجيدايا لا كمسرح وانما كتعازي او نواحات معبدية او اغاني دينية حزينة أو منقبة دينية تؤديها جوقة من الكهنة بمصاحبة الجماهير في الاحتفالا ت الطقوصية كما هو الحال في الاناشيد الدينية الكنسية في الديانة المسيحية والتي مازالت تقام حتى اللحظة.
ولهذا ومن ضمن الخصوصية الاجتماعية والثقافية لخلق المسرح يمكن القول بان طبيعة الحياة في الشرق تجعل من المسرح فرجة يومية سواء كان في فضاء المدينة او فرجة تمارس حتى بغياب التقنية المسرحية الغربية. ومما يفرض هذه الممارسة هو فضاء المدينة الشرقية الذي يدفع الانسان للفعل الحياتي الغني بابداع حتى وإن كان بدائيا، إذ ان المسرح هو ممارسة حياتية تحتاج الى العقل والخيال المبدعان والفضاء الذي يحولها الى طقس فرجوي بالرغم من ان المكان في فضاء المدينة الشرقية يبدو وكانه هندسة زخرفية خارجية الا انه يمتلك ايضا طابعا هندسيا روحيا، داخليا يؤشر على ميتافيزيقا وتصوف روحي عميق.
فالمسجد والمعبد والسوق والساحة العامة والخيمة وفضاء المدينة العربية ذاتها وغيرها هي اماكن جاهزة لذلك الطقس المسرحي البصري الديناميكي المبني لا على هندسة البناء الدرامي الاسطوطاليسي الذي ياخذ طابعا هرميا مبنيا على التمهيد للحدث والعقدة (الازمة) وبعد ذلك الحل او الانفراج، وانما نرة بان هذا الطقس مبني على مستويات وطفرات بنائية للحدث والحكاية او بدونهما ما دام يعتبر المكان وهندسته ومكوناته والفضاء المملوء بالرموز والاشارات والدلالات والاحالات وغيرها جزءا من الفرجة. وهذا متوفر بالتاكيد في طبيعة الحكاية والاسطورة الشرقية وكذلك في طبيعة هندسة المكان المبني على الحلقة او الدائرة كشكل هندسي ابداعي.
وبالتاكيد فان هذا لا يلاحظ في المكان فقط، وانما في هندسة الحكاية والبناء الدرامي لمثل هذا المسرح الشرقي عموما.
ومن الطبيعي القول بان المسرح والتراث في الشرق يرفض التكنيك الواحدي الذي فرضته التعاليم المسرحية الارسطوطاليسية والاغريقية والرومانية عموما وكذلك الكثير من التطورات المسرحية التي بنيت عليها مما اغلقت دائرة التواصل والإكتشاف حتى يومنا المعاصر، أي انها وضعت المسرح باطإر الماضي وجعلته في حالة من السكونية والاغتراب، وهذا بالتأكيد يفرض على المسرح أن يكون غير متعدد وانما ثابت الجذور التي تمتد الى ارسطو مما يعزل المسرح عن الحياة ويختصره على المسرح الاسطوطاليسي ومسرح العلبة الايطالية فقط، وعندما بدا الكثير من المنظرين في محاولة لتطوير المسرح الاوربي فانهم إلتجاوا الى التراث واساطير الحضارات والشعرب الشرقية كأنتونين آرتو،غروتوفسكي،برشت وبيتر بروك.
ومن هنا يمكن القول بان الشكل الارسطوطاليسي في المسرح المعاصر الذي تفرضه الثقافة الغربية والذي يفرض هيمنة المركز ولا تعترف بامكانيات و طقوس الثقافات الاقل مركزية وخاصة في اوربا والغرب والذي يلغي كل هذا التنوع الثقافي والفني في هذه الثقافات، هو ليس الشكل الوحيد وانما ياخذ اشكالا ثقافية غنية اخرى لها طابع وجذور البيئة والمجتمع او الحضارة التي تنشا فيها كما هو الحال في الشرق الا انها في بعض الاحيان مرفوضة من المركزية الاوربية من خلال الشعور بالهيمنة الحضارية.
وكجزء من الانكفاء نحو الماضي والتأكيد الانفعالي على الهوية الذاتية كرد فعل ضد الهيمنة المركزية للفكر الغربي ادى هذا الى الكثير من المغالطات التاريخية والاكاديمية والعلمية، وخاصة في المسرح حيث اعتبر كل راوية او حكاية اوسرد متعدد الاصوات هو مسرح. ودفع هذا ايضا ببعض الباحثين الى ان يؤكدوا بدون شواهد تاريخية بان هنالك مسرح سومري وبابلي قبل المسرح الاغريقي،انطلاقا من بناء القصيدة الشعرية الرافدينية وطبيعة مواضيعها التراجيدية و اصواتها المختلفة، لكنهم لم ينتبهوا الى أن هذا الشعر في طبيعته يمتلك ميزة متفرة هي تعدد اصوات القصيدة وايقاعها.(سنقوم بتفصيل هذا الامر في مكان آخر)
اذن هل يمكن ان تؤكد القصائد التراجيدية ذات الطابع الطقوسي ـ والدرامي المكتوبة لتمجيد آلهة بلاد الرافدين على وجود المسرح في الحضارة العراقية ـ الرافدينية القديمة حتى وان كانت طقوس غير موثقة دراميا؟. أم ان هذا كله اوهام يفرضها الحماس لتاكيد الهوية.
واستنادا الى الوقائع والاكتشافات الاثرية فاننا نفترض بدءا عدم وجود الفن الدرامي ـ المسرحي ـ في النشاطات الطقوسية والثقافية في المجتمع الرافديني القديم وتحديدا السومري و البابلي كما يذهب بعض الفنانين او الباحثين او الدارسين لدرجة كتابة الدراسات المطولة والاطروحات الاكاديمية أحيانا، من خلال افتراضهم بان المحاكاة بدأت مع الفعاليات الاولى للإنسان، اومن خلال طبيعة القصيدة السومرية والبابلية مما يدفعهم الى التيقن بان هذا يثبت وجود المسرح والدراما والتراجيديا بدون ان يتم هنالك تمحيص دقيق لطبيعة الشعر الرافديني الذي يتميز بغناه التعددي في مجال الايقاع واصوات القصيدة.
وحقيقة القول انه بدون ان تكشف لنا الحفريات الاثرية الجديدة عن أسرار اخرى وتتوضح آثار الوجود المادي للمسرح او الدراما او النص الدرامي السومري او البابلي، فان الامر يبقى ضمن الافتراضات او التأملات والتمنيات اوالعجالة في البحث غير الدقيق. لذا فاننا نبقى ملتزمين بواقع الحال وبالاكتشافات الحالية التي لم تثبت هذا الامر.. لان وجود الدراما حتى وان كانت في شكلها البدائي او الديني، لا يقتصر فقط على وجود قصائد شعرية ومناحات مطولة او لوتورغيات او حتى حوارات تعزية دينية، وانما يتطلب وجود نصوص ومكان للتمثيل والاداء ونصوص درامية وكتاب دراما(حتى وان كانت بدائية ومختلفة عن القانون الارسطوطاليسي في المسرح) وملحقات اخرى خاصة بالعرض او اللعب الدرامي كما هو الحال في الاكتشافات الاولى للدراما والمسرح الاغريقي القديم قبل زمن شاعر المسرح الاول أسخيلوس، أي منذ ان بدأت الرجفة الاولى للجسد في طقوس احتفالات ديونيسيس، او كما هو الحال بالنسبة الى نصوص المسرح الهندي القديم اومسرح النو والكابوكي الياباني الذي نشأ ماقبل الميلاد بتكامل نصوصه وكتابها واماكن اقامته وملحقاته الاخرى التي لها تواجدها المعاصر.
لكن الحقيقة هي ان هنالك ميزة تكمن في طبيعة الحياة الرافدينية الغنية الاوجه والمجالات وتعدد التراجيديات ـ المناحات الخاصة بالالهة مما ينعكس هذا على الثقافة عموما والشعر خصوصا فتمنحهما الغنى في التعدد، أي ان هذه القصائد الدينية والتراجيدية تفرض تعدد اصوات القصيدة الطقوسية وايقاعاتها المختلفة في الشعر السومري والبابلي(كما أشرنا) والتي تعتبر نواحات دينية وتراجيدية ـ طقوسية كانت تقام في المعبد من اجل مشاركة الالهة احزانها ومناقبها وافراحها كجزء من اللوترغيات النواحية لتمجيد الالهة وتقديم الشكر لها لزيادة إهتمامها بالانسان ومساعدته على تجاوز غضب الطبيعة وقساوتها وخاصة في مجال الخصب، وكذلك في حالة نشوب الحروب بين دويلات المدن العامرة التي كانت تغزوها مدن الجوار مما يسبب كثرة الحزن والندب على الخراب الذي يلحق بها. وكانت هذه الغزوات تفرضها طبيعة المجتمعات التي تعاقبت على وادي الرافدين انذاك.
ومما يؤكد رأينا في عدم وجود المظاهر المسرحية وشروطها الآنفة الذكر(بالرغم من ان الشرق يمتلك تراثا تراجيديا ودراميا في حياة شعويه التراجيدية والتي تبعده عن اسس الدراما الغربية)، هو ان تعدد اصوات القصيدة واختلاف ايقاعها يفرض سهولة القيام ببعض التغيرات عليها وبالتالي يسهل القيام بإعداد درامي لقصيدة واحدة او مجموعة القصائد لتهيئتها كنص للمسرح كما هو الحال في نواحات وقصائد الحزن على الاله دمزوي ـ تموز، أو الرثاء على المدن وأهم هذه النواحات هو الرثاء على مدينة اور مثلا، أو نواحات التعزية التي فرضتها احداث المأساة الحسينية، إضافة الى أن المثال الحي على هذا هو جميع النصوص الرافدينية والبابلية الدينية او الملحمية كملحمة جلجامش.
إذن لغة الاساطير والمناحات والملاحم هي لغة شعرية مكثفة يرسمها خيال يفوق الزمن تفرض ميزات متفردة فمثلا يستطيع الشاعر العراقي القديم ان يجعل من حلم دموزي ـ تموز تأويلا يعبر بشكل كبير عن غنى النفس الانسانية ويعبر ايضا على دور الحلم ـ الرؤيا التي تعبر عن مأساوية النهاية الحتمية لمصير الاله إضافة الى انها لغة ايقاعية تصويرية فيها الدفق الدرامي والتراجيدي و الدفق الشعري أيضا كما هو التعبير عن حلم دموزي ـ تموز:
(استيقظ،
كان حلما
اضطرب، كان رؤيا،
فرك عينيه،
انتابه دوار)
هذه هي الاسلبة والتكثيف لكل رؤيا وحلم شعري والذي يفوق كل ثرثرة شعرية معاصرة.
واذا اعتبرنا كل ماموجود من القصائد الشعرية والنواحات على انها مسرحا، او عندما نفرض حقيقة غير مقرة تاريخيا كما هو الحال بالقول بوجود المسرح في سومر او بابل، فان هذا لابد أن يخلق خللا تاريخيا واكاديميا. ولكن هذا لا يمنعنا من القول بان لغة الشعر هذه هي لغة دالة وشاعرية وغنية بالرموز وتعدد للمعاني والاحالات والتناصوالروح الدرامية اذا اقتضى الامر.
إذن الجوهر البحثي الأكاديمي يفرض علينا الان أن نؤكد بان ميزات الاساطير والملاحم والشعر السومري والبابلي لا تبرهن على وجود مسرح في هذه الحضارة سبق المسرح الاغريقي (بدون تأكيد الحقيقة التاريخية والاكاديمية والعلمية) إلا إذا أكد ذلك علماء الآثريات من خلال الحفريات في المستقبل واكتشاف تلك الضرورات التي ستؤكد وجود الدراما، النص والمسرح وملحقاته والشروط الاخرى لوجوده.
وبما ان الامر على هذه الشاكلة اذن لماذا هذا الاصرار من قبل بعض الباحثين على شئ غير مثبت وليس له جذوره ومن ثم مافائدة إثباته للمسرح المعاصر، سوى أن يكون ارشيفا في أفئدة باردة.
والشئ المهم الان هو هل يمكن ان تؤكد هذه القصائد التراجيدية ذات الطابع الديني ـ الدرامي والطقوسي على وجود المسرح في الحضارة الرافدينية ـ العرأقية القديمة أم أن هذه أوهام غير موثقة لباحثين متحمسين؟
لقد وردت الكثير من القصائد المتعددة الاصوات والايقاع يشترك فيها اكثر من صوت مما توحي وكانها حوارات لشخصيات تتحدث. لكن الامر لا يعدو كما قلنا اكثر من ان طبيعة الشعر في الحضارات الرافدينية القديمة هو شعر ومناحات حوارية للأسباب التي ذكرناها.ففي القصائد التي كتبت عن قلق اينانا (عشتار) في اختيار حبيبها وقلقها في المفاضلة بين الراعي دموزي ـ تموز والفلاح فانها لم تقتصر على صوت انانا والفلاح والراعي وصوت الشاعر فحسب، بل تعدته الى اصوات اخرى كصوت اللأم الالهة او شقيقها الاله أوتو وغيرها.
لذلك فان المهم لنا والاجدى هو تشخيص درامية وتراجيدية السرد والنصوص والقصائد السومرية والبابلية كشعر ومناحات ومناجات حوارية مع الالهة، والتأكيد على ان الملاحم والاساطير التي وصلتنا متداخلة مع طقوس وفعاليات فيها الكثير من الملامح الدرامية اضافة الى تشخيص السرد الاسطوري والتعدد الصوتي والايقاعي في القصيدة الواحدة مما يسهل إلقائها وتجويدها والنواح بها امام جمهور المعبد المتدين او في الشارع، و يثير هذا بالتأكيد الرغبة في المشاهدة والمشاركة مما يؤثر على روح وذاكرة الانسان الذي يستجدي بركة الالهة وعطفها خوفا من غضب و انفلات الظواهر الطبيعية. ويعتبر هذا من اهم أهداف الشعر الديني و درامية القصيدة الطقوسية واسباب تراجيديتها في بلاد الرافدين اصحاب الرؤس السوداء.
و انطلاقا من هذا حاولنا التاكيد هنا على لازورد اللغة ودراميتها من خلال تحليل فضاءآت بعض الفعاليات الطقوسية وما صاحبها من اساطير وملاحم وتراتيل ومناحات وليتورغيات وغيرها.
فمثلا نرى بان هذه الغنائية (التي تشبه كثيرا لغة نشيد الانشاد) والتي تتغنى بها انانا بعد ان فضلت الراعي الاله دموزي، والتي كتبت برقة ورومانسية متناهية تدلل على غنى الشعر القديم الملئ بكثافة الصورة وباسلبة الحدث، وتميزت باختزل اللغة احيانا الى كلمة يمكن تاويلها بمعاني كثيرة وكذلك تدلل على تعدد الاصوات والحوارات والايقاعات:
(في الليلة الماضية فيما كنت انا، الملكة، أشع ضياء،
في الليلة الماضية فيما كنت انا، ملكة السماء، اشع ضياء،
كنت أشع ضياء، كنت ارقص طربا،
كنت اترنم بانشودة على اقتراب الضوء الساطع،
التقى بي، التقى بي،الرب التقى بي،
الرب وضع يده في يدي،
اوشوم جال انا ضمني الى صدره)
وبما ان اانانا خدعت امها من اجل ان تلتقي بحبيبها الاله تحزن امامه و ترتبك في نهاية لقائهما:
(خلصني يجب ان اذهب الى البيت،
ماذا عساي ان اقول لكي اخادع امي، ننجال)
فيخبرها حبيبها:
(فالاخبرنك، لآخبرنك
أي إنانا يااكثر النساء خداعا، فلاخبرنك
قولي ان صديقتي اصطحبتني معها الى الساحة العامة
حيث سلتني بالموسيقى والرقص
وغنت لي اغنياتها الحلوة)
وتنتهي القصيدة بانانا يغمرها فرح عارم وحلمها بمستقبلها مع حبيبها اثناء عودتها الى البيت:
(اتيت الى بوابة امنا
أنا، جذلانة امشي،
اتيت الى بوابة ننجال
أنا، جذلانة امشي،
الى امي سوف يقول الكلمة)

لنتناول الان بعض من هبوط الالهة عشتار الى العالم الاسفل للبحث عن حبيبها تموز بعد ان اقتيد الى العالم الاسفل:
(أسأل التلال والوديان:
quot;أين زوجي؟quot;
أقول لها:
quot; ما عاد بإمكاني أن أجلب له الطعام.
ما عاد بإمكاني أن أقدم له الشراب.quot;
أبن آوى ينام في فراشه.
الغراب يقيم في حظيرته.
تسألونني عن نايه القصب؟
لا بد ان الريح تعزفه له.
تسألونني عن أغانيه الجميلة؟
لا بد ان الريح تغنيها له.quot;)
او كما في توصيات إنانا الى ننشوبر قبل النزول الى العالم الاسفل للبجث عن الاله:
(اذا لم يقف إنليل الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أور،
وفي أور عند دخولك البيت، الذي هو بيت الرهبة في البلاد،
بيت الاله نانا، إنتحبي امام نانا،
أبت لاتدع معدنك الثمين يعلوه غبار العالم الاسفل.
وإذا لم يقف نانا الى جانبك في هذا الامر، فاذهبي الى أريدو
في اريدو عند دخولك بيت أنكي،
أبتي أنكي لاتدع لازوردك الثمين يتكسر كحجر،
لاتدع العذراء انانا تموت في العالم الاسفل
الاب أنكي رب الحكمة
الذي يعلم quot; طعام الحياة quot; ويعلم quot; ماء الحياة quot;
لابد ان يعيدني الى الحياة ثانية).

وبالتاكيد فان هذه القصائد تؤكد ماذهبنا اليه في تعدد الايقاع والاصوات والادوار في الشعر السومري والبابلي. فمن خلالها نلاحظ بان هنالك ثلاثة اصوات هي صوت الشاعر والالهة عشتار وصوت اخر يؤكد النبوءة وقد يكون هو صوت رجل الشارع او الكاهن.
ومن خلال المقاطع الشعرية التي اوردناها من اسطورة نزول إنانا ndash; عشتار الى العالم الاسفل يتضح لنا التعدد الصوتي والايقاعي في القصيدة الواحدة والمبني على التكرار المفاجئ سواء كان في الكلمة ام في الجملة، كأنه الموتيف الموسيقي. فهنالك ثلاث أصوات تحدد لنا ثلاث إيقاعات صوتية هي: الشاعر، إنانا، والبواب، و في المحاورة الاخرى نسمع صوت الشاعر و ننشوبر و الاله أنكي.
وبالتأكيد فان المتحاوران (إنانا والبواب) يشكلان إيقاعا حواريا في الحاضر (الان) أما الشاعر فانه يعبر عن الماضي لانه يصف ما حدث في الماضي قبل ان يبدأ المتحاوران حوارهما. لذا فان تعدد الاصوات هنا يأخذ شكل حوارات ثنائية او الديالوج، وهذا ما يقربها من الحوار الدرامي ويسهل معاصرتها وإعدادها كدراما. بالتاكيد فان انتزاع الحلي والملابس من الالهة عشتار وهي تدخل بوابات العالم السفلي وتعريتها لتهيئتها للموت هو صورة درامية وتراجيدية عن علاقة الانسان بالموت، اضافة الى كونها صورة فنية لها دلالاتها الطقوسية في فضاء الطقس سواء كان في الحلم ام الحياة ام العرض المسرحي
قد عبر الشاعر عن موت إنانا التراجيدي باسلوب فيه الكثير من العنف والغضب والرمز:
(ضربتها
أحالتها جثة هامدة
الجثة علقت بمسمار)

وبالنسبة الى دموزي ـ تموز الذي يهرب من عفاريت العالم الاسفل، يلتجأ الى الاله اتو ليغير صورته حتى لا يعرفونه، فيعتبر تحوله الى افعى عند مطاردته تحولا مسرحيا وفية الكثير من التغريب وهذا يحتاج الى دراسة اخرى.
أما شخصيات الطقس في (اسطورة هبوط إنانا ndash; عشتار) فانها رسمت بشكل فيه الكثير من الكمال من قبل الشاعر السومري الذي مازال يقلقنا من خلال انعكاس المشكلة التي عالجها وانعكاسها على مشكلتنا المعاصرة. وبالرغم من ان معظم الشخصيانت من الالهة، ألا ان شاعرنا السومري استطاع ان يعالج المشاعر الانسانية المتمثلة بالخوف والقلق والجشع والصفات البشرية الاخرى وهذه احدى ميزات مثيولوجيا وادي الرافدين كون الالهة هم بشر غير متعال على الانسان بالرغم من عليائها بسكنها السماء.
فنرى بان شخصية الالهة إنانا وطموحها في الاستيلاء على عالم الاموات اضافة الى عالم ما فوق الارض،يدلل على انها شخصية ماكرة تعتمد الحيلة والخديعة للوصول الى مآربها، وهذا واضح بشكل جلي من خلال الالاعيب والحيل والتزلف والخداع الذي اعتمدته. وكذلك اعتماد ذلك الاسلوب بغية منع عفاريت العالم الاسفل الذين رافقوها من القبض على معارفها واعتقالهم كبديل عنها. لكنها تظهر كل وحشيتها وقساوتها وحقدها وغضبها في وجه الاله دموزي ـ تموز لانه لم يتظاهر بالحزن والتزلف الكاذب عند عودتها من العالم الاسفل لكنها ستحزن عليه لانقاذه فبدونه لاتستمر الحياة.. ان هذه المميزات والصفات التي أسبغها الشاعر السومر ي على شخصية انانا تترك لدينا إنطباعا بتكامل شخصيتها. ويمكن القول بان الفضاء الذي تتحرك فيه الشخصيات والاحداث هو فضاء سحري ودرامي وتراجيدي فيه الكثير من الطقوسية والجاذبية.
لقد منحنا تصورنا الثقافي والفكري المعاصر نظرة شمولية للتاريخ الروحي للا نسان مما دفعنا الى التفكير بان التاريخ هو حلقات حضارية مترابطة.إضافة الى أن تطور التاريخ المسرحي فرض اشكالا وامكانيات جديدة وأماكن عرض متعددة بحيث يمكن الآن اعتبار أي مكان يمكن ان يكون صالحا للعرض، ومن هنا يمكن القول بان الشكل المعاصر للدراما هو ليس الوحيد وانما ياخذ اشكالا اخرى يدفع الانسان للفعل الحياتي الغني حتى وان كان بابداع بدائي.
وبما ان المسرح هو ممارسة حياتية تحتاج الى العقل والخيال المبدعان والفضاء الذي يحولها الى طقس فرجوي، ولكن هل يمكن كتابة مسرحية معاصرة من هذه النصوص الشعرية السومرية او البابلية او المناحات واللوترغيات واستغلال الامكانيات الدرامية والتراجيدية المتظمنة في ملحمة جلجامش كمقاربة درامية جديدة؟. بالتاكيد فان ماذكرناه يؤكد على وجود خزين من الاحلام والرؤى التي يجب ان تهئ بمسرح يمتلك ذبذيته الحلمية والشعرية والشرقية المتفردة وهذا ما نخاول تاكيده في كتابنا الذي سيصدر قريبا واعني (ترانيل الملاك واستنطاق الصمت. في الاسطورة والدراما)
ِطنحة 2008
[email protected]