عبد الله كرمون من باريس: إذا كان هذا الكتيب اللطيف quot;سيرة لا أحدquot; قد صدر منذ سنة 1912 بإيطاليا فإنه لم يترجم إلى الفرنسية من قبل إلا عندما انتبهت إليه مؤخرا هيلين فرابا. لا يخفى اسم صاحبه دجيوفاني بابيني (1881_1956) على المهتمين، ذلك أنه عرف بمقالاته وكتبه المتسمة بنبرة لاذعة.
يتوجه في مفتتح كتابه هذا إلى صديقه فانيكولا؛ صاحب فضل سالف عليه. مؤكدا له أنه لا ينوي بتاتا أن يهدي له هذا الكتاب، فهو، كما يغمز بذلك، كتاب غير استثنائي. ولأنه لم يهد قط كتبه السابقة إلى أحد، ولم يشعر من قبل بالرغبة في إهداء كتبه الآتية؛ التي سوف تنبثق من رأسه. quot;فأنت تدرك أن اللياقة ليست هي شأوي وأن التأدب ليس تحديدا من سماتي. فإن أنت جهلت بذلك فسوف ينبهك الجميع إلى ذلك...quot;.
صرح بمقته لروائع جيوفاني ديلا كاسا مثلما أبدى كرهه لكتاب quot;سجونيquot; لهذا السيلفيو، إن لم يبغضه أكثر بكثير من الأخرى. يقول:
quot;لا أريد أن أمنح أي شيء لأي أحد. لا أرغب أن أضحي بشيء ولا أن أعطي أي شيء لأي رجل كان. أنا حيوان غير متدين بامتياز، أنا ملحدُ كل الأديان...quot;
quot;ونظرا لهذه الصفات كلها سوف تفهم جيدا بأنني لست من يوقع إهداءات لأحد.quot; لكن صاحبه قد سبق أن أهدى له من جهته كراسا مثل كتابه أو فقط شديد الشبه به. لذلك شعر أنه مدفوع بإرغام إلى رد التحية بمثلها، لكنه أخبره عن انكفائه بهذه الكلمات: quot;لا يا عزيزي فانيكولا. اسمح لي وارأف بي بقلبك السخي المحمل بالبركات الكحولية، لأن هذا ليس ممكنا، إنه يفوق قدراتي؛ الهائلة مع ذلك...quot;
ينبهه أنه يعلم بلا شك بالمحبة التي يخلصها له الوقح الذي يخاطبه (يعني به نفسه) وذلك منذ سنوات خلت، إذ ليست وليدة اليوم فحسب. فهو يتذكر بأي نهم اطلع على كتاب صاحبه، وتناول الخمرة العتيقة على مائدته، وكذا كمانه الشجي، وشايه الزكي الذي يُحتسى مرفقا بالحلويات. يخاطبه: quot;وأنت رجل فكر وعقيدة، وأنت قادر بالتالي على لقيا الرب في الكاتدرائية وفي البار، في بيتهوفن وفي الجعة، ولن تزعجك يقينا هذه التقابلاتquot;.
أفشى له بأنه هو الشخص الوحيد الذي يتراءى له في عمق أعماق ذكرياته وفي النقطة المركزية المنيرة من ذاكرته. هو لوحده فقط بكمانه الرومانسي المسند إلى رقبته.
باح له أيضا، أنه لم يشهد قط في حياته تغيرا كاملا وفجائيا لتقاسيم رجل. لم ير أبدا محيا مشعا ومشدوها، محبا في سمو وألم مثل وجهه.
واصل قوله: quot;عزيزي فانيكولا، لستُ امرأة ولا لوطيا، ويمكنك أن تتقبل كلماتي بلا خجل: فقد كنتَ في تلك اللحظات جميلا جدا، ذا حمرة ومهتاجا جراء احمرار شعلة الضوء (...) أصدقك القول، لقد كنتَ جميلا جدا. غير أنني أفضل أن أبدو لك ناكرا للجميل ولا أهدي لك هذا الكتاب. فأنا لا أريد أن تظهر على كتبي أسماء وكنيات أخرى سوى دجيوفاني بابيني!quot;
بعد رسالته المسهبة، التي يحذر فيها صاحبه من أن يعتبرها نوعا من الإهداء، يصل إلى موضوع كتابه أي quot;سيرة لا أحدquot; يقول: quot;من يستطيع أن يقول سواي أن حياتي لا تستحق أن نكتب قصتها؟ لقد سبق أن كتب الدوق سان سيمون في القرن السابع عشرة الكلمات الملائمة لنعتها: quot;مجرد ريح وفراغ تامquot;. أما إذا قلت لكم أنني لم أولد أبدا فإنكم لن تصدقوني، لذلك سوف أقي نفسي شر هذا العار ومثيله الذي يمكنني أن أصادفه. فقصة حياته، كما يقول، هي قصة كائن بلا كينونة، قد حُبل به في لحظة دناءة.
quot;لكن ماذا يمكن قوله عن حياة يبدو مع ذلك أن القول عنها سهل حد استحالته، لا يمكن قول شيء عمن ليس موجودا، وألا نقول شيئا _أي الصمت_ يلوح لعامة الناس بأنه سهل جدا.
لكن الصمت، في نظره، صعب، حتى أنه بادر بالقول: من يستطيع أن يعارضني ويفلح في طرح برهان حاسم، لو صرحت بأن الصمت يتطلب دراية ومجهودا كبيرين أكثر مما يستدعيه فعل الكلام. فنحن نتحدث، يواصل، بواسطة الفم أو بدونه، نتحدث مع أنفسنا، مع أفكارنا، مع الحيوانات التي تتبعنا، مع الأشياء المحيطة بنا، نتحدث بواسطة الحركات، بواسطة العلامات، بواسطة الذهن.
يرى أن حديثنا مع أناس آخرين يتأتى عادة بواسطة الكلمات غير أن تلك الطريقة لا تشكل في الواقع سوى حالة خاصة، لأن المنولوج الداخلي هو الأهم في نظره، لأنه يستعمل لغة جوانية، والتي يعتبرها أكثر فصاحة ورِقة؛ تلك التي تقنعنا أكثر، لأنه ليس لها مستمعون من دوننا.
quot;أستطيع بالتالي أن أشاكسكم كي تعترفوا بأن الصمت أكثر ندرة من الذهب الذي يُرمز به إليه. أندر كثيرا من اللؤلؤ الذي يتلألأ من تعجرف على إصبع أية سيدة. أكثر ندرة بكثير من السعادة في قلب الذي ينقب عنهquot;.
لابد أن يكون إنجاز سيرة الذي لم يعش قط، دون ورود مجال لمقارنتها مع سيرة الذي عاش أو الذي يتظاهر بذلك_ أصعب بكثير منها. لكنه يحاول مع ذلك أن يصور مشهد الذي لم يكن أبدا وذلك عبر مقاطع حياتية يومية متأتية من صخب الحي. أحيانا تحط فوق شفتيه، أكثر من مرة، كلمات أحد الشعراء حوالي منتصف الليل، غير أن الشبح يمضي دون أن يبين عن وجوده بلا نأمة وبلا وداع. لكن quot;ما شأن المثال لو أمكن نيله؟ وما روعة غير الموجود متى اتخذ له شبها بكافة الموجودات؟quot;
من ضمن أقوال الملك الفرنسي لويس الرابع عشرة هناك قولة لم ينقل لنا المؤرخون أعظم منها وهي التي لفظها خلال مرضه الأخير والذي عصف به، عندما قال: quot;عندما كنت ملكا...quot; إذ صار الملك فجأة، حسب بابيني، بطلا ميتافيزيقيا. لأن لويس في اللحظة التي مازال فيها هو لويس الرابع عشرة، سيد مصائر الناس إن لم يكن فقط سيد مصيره الشخصي، قد التجأ إلى صيغة ماضية. أولم يعترف بنفسه ويرضخ للموت قبل الأوان؟ فهو يعتبر نفسه لحظتها متجاوَزا، نائيا، ومادة للتاريخ والذاكرة. quot;فهو يتحدث عن نفسه وكأنه شخص لم يعد موجودا!quot;
كل الدلائل العلمية والميتافيزيقية تؤكد بقاءه على ظهر البسيطة، فهو ما يزال يحيا، فهو ما يزال شيئا، خرقة أدمية، رجلا خُنْزُبًا، منخورا ومنتهيا، غير أن وجوده بالنسبة لرعيته لم ينسدل حينذاك بعد. وبسبب تلك الكلمات التي ذكرناها صار لويس كبيرا وعظيما ما لم يكنه من قبل في أيامه الباذخة. فعندما نفى وجوده بان لنا لأول مرة مثل كائن حقيقي ذي روح سامية عكس الشخص المظفر الثري الذي عانى الناس من شرّه.
شهد بعد ذلك رؤى أخرى متفاوتة في هلوساتها، قبل أن يجيء الصباح ويشرق وجه الحقيقة اليومية المألوفة، يغسل وجهه ويحلق ذقنه ما يراه كفيلا بدَرِّ البهجة والانشراح، بعد أن يتلو صلاته اليومية كالتالي: quot;أيها النهار الذي يطلع لا تمنحني أمانيَّ، لأنني أفضّل ما تعطيه لي حقيقة. لكن، اعمل كل ما بوسعك كي لا تشبه الأمس كثيرا!quot;
يقول بأن التذكر هو كل شيء في الحياة فهو الشعر والتاريخ والسعادة وتحديدا السعادة. ثم يرى أن للإنسان ثلاث ولادات: ولادته في العلاقة مع أمه، ولادته في العلاقة مع الناس ثم ولادته في العلاقة مع نفسه. لكن المسافة الزمنية الفاصلة بين الولادة الأولى والأخيرة لا نتذكر عنها شيئا. لقد وُجدنا، كما يقول، دون أن نعرف شيئا عن تلك المرحلة من الوجود. لقد عشنا دون أن ندرك كيف ذلك. لقد كنا أحدا أو شخصا معينا لكننا لم نكن شيئا بالنسبة لتفكيرنا. هكذا إذن تبدأ حياة لا أحد.
هناك رجل يحيا بين الناس وحيدا ولا يحتاج إلى ذكريات الآخرين ليدرك بأنه قد ولد، هذا الرجل هو لا أحد. ثم ينصب بابيني نفسه مؤرخا لحياته معتبرا نفسه كاتبه المؤقت.
وبعد أن عدّد كل المراحل التي استغرقتها أطوار تكوينه، وكل ما صاحبها من أحاسيس والآم، وصل إلى خروجه من ظلمة الرحم إذ تهلل أهله بقدومه باعتباره واحدا منهم. أما هو فله رأي آخر: quot;عودوا إلى صوابكم. فأنا لست منكم. فأنتم quot;أشخاص مهمونquot; وأنا لست أحدا. بدأت حياتي وانتهت بالدموع التي رافقت اكتشافي للعالم. وما تبقى منها ليس ملك أحد بل هو ملك الجميعquot;!