كنت قد انتهيت تلك الليلة من إدخال آخر اللمسات على مجموعتي القصصية هاته، بعدما توصلت من صديقي الفنان أحمد أفيلال بلوحة الغلاف. وبعد تنقيح النصوص وترتيبها لم يعد ينقصني غير التقديم.
كنت أشعر بالرضا لدرجة الغرور (الغرور الجميل للمبدعين الكبار!). لكن بما أني ما أزال مبتدئا، لم أتجاوز خطوتي الأولى في عالم النشر، كان علي أن أحذو حذو الكتاب الشباب، و أبحث لنفسي عن شهادة اعتراف من طرف كاتب مرموق في جنس القصة القصيرة. بالطبع، وكما نصحني كل الأصدقاء، سوف لن يتبادر إلى ذهني غير بوزفور... هذا الإسم الكبير الذي نال شهرة جديرة بما راكمه من تجربة فذة، بالإضافة لتواضعه النبيل ودأبه على تشجيع القصاصين الشباب. إلا أنني تذكرت كيف كنت قد استوليت بلا حياء، وفي مجموعتي القصصية هذه بالضبط، على عنوان إحدى قصصه:quot; لحم الحلمquot;، الفعلة التي قد لايغفرها لي. في هذه الحالة علي أن أتحايل، وأبعث له بالمجموعة ناقصة (بدون لحم الحلم).
قلت كنت أشعر بالرضا، لذلك لا مجال لأن أتوجس من أن يضمن كلمته عبارات قدحية يصوغها في قالب إطارئي (تقديم ظاهره المدح وباطنه من قبله القدح) كما يفعل في العادة المبدعون الكبار في تقديمهم للمبتدئين. ومع أني - يجب أن أعترف - لا أجيد كتابة الرسائل، وأجد المشقة في صياغتها! فقد أخذت القلم و شرعت في الكتابة:ا.... الأستاذ المبدع، أحمد بوزفور، إنه لا يشرفني أن أقلل عليك الحياء. ومع ذلك أبعث إليك بمحاولاتي السخيفة هذه مع ما فيها من قلة أدب ووقاحة، أخص منها ذكري لاسمك في سياق لا أخلاقي، لتبدي رأيك فيها، دون مجاملة وبكل صراحة. وأن تتقصد تتبع زلاتها و التقليل من قيمتها الأدبية ما أمكن. ليكن شعارك في ذلك quot;إن الكمال لله وحدهquot;. علما أني قد لا أدرج quot;قراءتكquot; التي قد لا أتوصل بها في مجموعتي، لا كمقدمة ولا حتى ك. . -.
كنت على وشك كتابة كلمة بذيئة ذكرتني بقصة الكاتبة الشابة مع حكيم الوراق (بعثت إليه الكاتبة بمخطوط لها مع رسالة قصيرة تقول فيها: quot;أريد منك المقدمةquot;. فأرسل إليها بدوره ورقة أصغر كتب عليها: وأنا المؤخرة. ). . .
شطبت على العبارة الأخيرة. وتابعت الكتابة quot;. . . لا كتقديم و لا حتى كتختيم. المهم في الأمر أن أستبق الأحداث - في صحوة الضمير هذه - التي فد تدفعني إليها نفسي الخبيثة، وأدع بين يديك اعترافا بدناءتي -
لم أتمم الرسالة. ولأتخلص من كل هذه الأفكار المتناقضة التي أخذ يعج بها رأسي، رفضت من الأساس فكرة المقدمة بقلم بوزفور متعللا بكونه أصبح quot; الكاتب الموضة و أتاتورك القصة القصيرة في المغرب. . . quot;. و شغلت التلفزة.
في القناتين الوطنيتين معا كان الملك يوزع المساعدات الإنسانية في إحدى الدول الإفريقية. لم أكن أريد النوم والليلة في بدايتها. بحثت، دون جدوى، عن فيلم جديد بين أقراص الV. C. D. ولأنني لا أحب مشاهدة نفس الفيلم مرتين فقد نمت.
في المنام رأيتني أقطن، رفقة جيران آخرين، على سطح لإحدى العمارات. . .
كان الليل. وكنت أجلس منعزلا أدخن و أرشف من كأس شاي عندما ظهر الملك على السطح فجأة، و اتجه صوبي مباشرة وسط دهشة الجيران ليصافحني مصافحة الصديق للصديق (كان يرتدي بلوجينز و تي شورت أسود). لم يدم لقاؤنا كثيرا. فقد جاء أثناء مروره - كما قال - فقط، من أجل رؤيتي. وهو يودعني، بعد أن تواعدنا على اللقاء، تحلق حوله بعض الأشخاص. . بعضهم طلب منه شيئا. حاول إدخال يده في جيبه الضيق. لم أشعر، عندئذ، إلا ويدي تمتد نحوه لتربت على كتفه quot; صافي، معي الصرفquot;. عندما أصبح في إطار الباب استدار نحوي ليواجهني بنظرة شبه معتذرة. أومأت إليه أن فيما بعد برأسي وأصبعي السبابة، قبل أن يختفي نازلا الأدراج.
استيقظت.
عند باب العمارة، وجدت في انتظاري قافلة من المتسولين بينهم عدد كبير من ذوي الإحتياجات الخاصة. . بعد الذي حدث على السطح، لم يعد في مستطاعي أن أقول لهم - كما العادة -: اذهبوا عند الملك. احتفظت بخمسين درهما و وزعت عليهم ما تبقى من راتبي. . درهم لكل فرد. وعدت ذوي الإحتياجات الخاصة خيرا، و مضيت. . .
استيقظت.
للعجب، بعد فحص جيوبي لم أجد غير خمسين درهما. . طار راتبي و الشهر ما يزال في بدايته!. ابتعت علبة سجائر وقصدت المقهى، حيث سأجد ثلة من الأصدقاء يتداولون الجرائد فيما بينهم. لفت نظري إعلان حول إصدار جديد لصاحبته quot;الباتول فايدةquot; قدم له أحمد بوزفور. و أنا أقرأ المقال شممت رائحة الغاسول. . ليس في الأمر ما يدعو للريبة. لم يكن مصدر الرائحة غير ذاكرتي. . بعض الأسماء، كما بعض الأشياء الأخرى، تجعلنا نشم روائح معينة ( نيكول كيدمان مثلا، تجعلني أشم رائحة الجنس النفاذة!). . كنت أعرف ولا شك واحدة بهذا الإسم.
تذرعت بأنني سوف أعود توا ولن أتأخر، وغادرت دون أن أودع الأصدقاء. وجدت الكتاب عند بائع المجلات في مدخل العمارة الملاصق لمقهى زاكورة. كانت هنك - كما قدرت - عشر نسخ، خمس منها مرتبة بعضها جوار بعض فوق درج من أدراج المدخل، بطريقة تشي بحس تجاري حاول البائع من خلالها إضفاء قيمة زائدة على الكتاب. بينما كانت النسخ الأخرى بعضها فوق بعض. أخذت نسخة وقرأت العنونان (رسائل إلى من لايهمه الأمر) واسم المؤلفة. كانت رائحة الغاسول نفاذة رغم الغشاء البلاستيكي الواقي. على ظهر الكتاب تعرفت على صورة المؤلفة كما قرأت سعر النسخة (18 درهما). . . في الحقيقة ليكن ليثيرني الكتاب، بالرغم من رائحة الغاسول، لولا ثقتي في شهادة الأستاذ والمبدع الكبير أحمد بوزفور.
في البيت هيأت لنفسي مكانا مريحا و كأس شاي، قبل أن أعمد إلى فض المؤلف و أشرع في قراءته - على عادتي - من آخره. قرأت في الصفحة الأخيرة quot; هذا الكتاب طبع على نفقتي الخاصةquot;. قلبت صفحات سوداء! للمفاجأة كانت كلها سوداء. . . هل هو خطأ مطبعي؟ أم في الأمر خدعة!أين القصص، بل أين التقديم!!
وصلت في النهاية إلى الصفحة الأولى و قرأت quot; فلما بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئةquot;. كانت الآية معزولة عن سياقها تبدو quot;قصة قصيرة جداquot; بالغة التكثيف والإيحاء.
استيقظت. . .