أنا إبنة مخائيل أبن جدتي سلمى يعقوب العبد جعجع، وجيل عماتي الكبار الأقوياء ماريا وجنات وادال ونور وتريز ووداد وثريا اللواتي كن يبتسمن لنا دائما ويستقبلنن في بيوتهم بحب، جدي حبيب إبراهيم جعجع الذي حزن على أبي كثيراً ومات بعده بقليل وأمي فكتوريا نصر التي لم تحتج لأحد يوما. وأنا إبنة المياه الصافية التي تسقسق في سواقي منطقة الجسر في بشري فوق حصى من نوطات موسيقية كانت تطربني. أود أن أدافع عن طبيعة ضيعتي بشري وعن جلافة صخورها التي تشوّه إسمها خلال الحرب الأهلية اللبنانية، بأن أكتب قصصي فيها من وجهة نظر طفلة سمحت لهل الظروف أن تتأمل الأرض حولها لأنها صارت خارج العلاقات البشرية.
كان ذاهباً الى عمله في حقول بشري مع عمال آخرين، وعاد من الحقل لكي يذهب الى المحفل في حصرون. برأي أمي أن الشيطان أوعز له بالعودة. وبرأي جدتي كان صاحب واجب وهذا أدى الى موته. يا ليت جدتي ما تزال على قيد الحياة لأقرأ لها ما أكتب وأسمع رأيها
اخبرته جدتي وهو يحلق ذقنه قبل أن يذهب الى الدفن عن رؤية منامها quot;احدهم قال لي أنه يريد أن يزوجكquot; وقال أبي quot;الله يكفينا شر هذا المنامquot; كانت جدتي تريد أن تذهب معهم الى حصرون، ضيعة الميت، التالية لبشري ولكن أحد أصحاب ابي طلب أن يذهب معهم ولم يعد هنالك مكان لجدتي.
.مشلوح بلزق الحيط مغطآ بشرشف غطوه بيت جعجعquot; وجدته جدتي. وإنهارت قربهquot;
عطاني عمك فرد وقلي روحي إقتلي أيا عسكري بتشوفيه بالمغفرquot; قالت جدتي سلمى يعقوب العبد بلهجتها البشراوية، ذهبت يومها الى المغفر وكان في مكان ثانوية بشري الرسمية حينها، كان الشرطة قد تبخروا خوفا من الإنتقام وبقي الحارس لوحده، لم تقتله جدتي لأن لا ذنب له وليس هو القاتل.
اخبرتني جدتي هذه القصة في شقتي في ملبورن وسجلتها على الفيديو وسجلت قصة من حياتها الطويلة حين باعت حليب ثدييها لتعطي جدي ليرات الذهب ليعمر مع أبي البيت الذي تربينا فيه، كنت أريد أن أحتفظ بصورة لها بعد أن تموت، كنت أريد لقصة حياتها أن تبقى كما روتها هي، وبالرغم من أنني أحفظها ولكني لا أستطيع أن أحكيها بنفس الفواصل الكلامية والخبرة في الروي التي كسبتها جدتي عبر السنين والتكرار اليومي لقصتها وهي تخدرنا من الضجر، لننام ونحن أطفال. لم نكن نترك فراش جدتي بالرغم من أننا نعرف الحكاية بكل تفاصيلها. كان هنالك متعة في إعادة الإستماع. ربما لأني كنت أريد أن اقلد جدتي.
توقع الزمن الذي تتوقف فيه عن الكلام بين الجمل وتردد quot;إي يا ستي إي أنا مقضاييquot; وكنا نهز رؤوسنا بالموافقة من الضجر أو من التطويل. مع الوقت صرنا نتسابق معها في القص ونسألها عن بعض التفاصيل ونصحح لها بعض التغييرات الطفيفة. كنا نريد أن نقول لها أننا حفظنا القصة دون أن نقلل من تهذيبنا معها وإلا طردتنا من فراشها السحري.
القص كان دائما يجري في الصيف لأننا في الصيف نستطيع أن ننعزل بجدتي بين شجر التفاح بعيداً عن تعليقات زوجة عمي التي تسب جدتي دائما وتقول عنها كذابة، لم تكن زوجة عمي موجودة حين باعت جدتي حليبها ولا حين عمّر جدي البيت. زارتني جدتي في ملبورن حين كان عمرها مئة سنة وسجلت لي بعض حكاياتها عاشت في بيتي لمدة ثلاثة شهور كانت تقول quot;هيدي بنتي أنا ربيتها هذه إبنة مخائيل والباقيين غربيةquot; فرحت حين زرتها في بيت عمتي جنات في سيدني بكت غمرتني وأبكتني تكلمت معي وكأنها عادت بلحظتها الى بشري، أصبَحت قوية فجأة، وصرت أنا بمنتهى العطف، كانت بيتي، وإنتمائي، وإمتدادي ولغتي، رأيتها منكسرة في غربة لا تليق بها. خفت عليها من مشاعر الهجرة الى ثقافة جديدة لا تفقه منها شيئاً ضممت جدتي بيدي وقلت لها سآخذك معي الى بيتي في ملبورن وسأهتم بك. كان كل أحفادها وبناتها في سيدني يهتمون بها ولم يعوضوا لها بشري. لا شيء كان بإمكانه أن يخفف من غربتها كانت حزينة وبعيدة جدا عن كل حياتها لكنها ما زالت تتذكر حكاية حليبها.
ملبورن ٢٠١١
- آخر تحديث :








التعليقات