أفراح خضر راضي: ضمن احتفالاتها الدورية التي تقيمها جمعية الأطباء العراقيين على نحوٍ منتظم في ألمانيا فقد تمَّ ترشيح الفنانة العراقية إيمان محمّد لتقديم صورة مشرقة للفن العراقي الجميل، ولقد كان هذا الاختيار موفقاً من زوايا ثقافيّة عديدة على صعيد فنِّ الإبداع التشكيلي، فقد عكس َفي زاويته الأولى قدرة الإنسان العراقي الذي عاش تحت وطأة الحروب والموت أن ينبعث حياً، ويُثبت للعالم قدرته على العطاء، كما أنّه (في زاويته الثانية) قد صحّحَ الفكرة المشوهة التي وصلت أذهان الغرب عن هامشية الإنسان العراقي خلف أحداثٍ لا تخفى على أحد.
فالفنانة إيمان واحدة من الجيل الذي أسس لفكرة المواجهة والتحرر من التسميات الضيقة التي تختزل الفكرة وتهمش قضايا مصيرية... لذا سعت متسلّحةً بثقافتها العصرية، ورؤيتها الفنيّة في موقفها من الإنسان والوجود إلى اختراق الآخر... لتشكل حضورا ملفتاً في خارطة الفن العراقي في ألمانيا تحديداً.
وتحت شعار (لقاء الشرق والغرب)، وعلاقة الطب بالفنون المختلفة.. قدم الدكتور زهير الدهان( المسؤول عن المنهاج الثقافي في جمعية الأطباء العراقيين في ألمانيا) شرحا وافياً عن الفنون المتنوعة لحضارة وادي الرافدين التي كانت الأساس الذي بنت عليه حضارات العالم نتاجها الفني والفكري فيما بعد...، وتخلل العرض الفني عزفٌ موسيقيٌّ على آلة القانون التي أثبتت عراقة انتمائها لوادي الرافدين الزاخر بشتى أنواع الجمال والدهشة.
في لوحات إيمان محمّد تناغمٌ هارمونيّ بين ألوانها المثيرة المدهشة،وروح الشاعرة التي تسكنها، فقد تحرّكت المساحات الضوئيّة في لوحاتها على وفق ما وظّفته من تجارب المدارس الفنيّة المتنوّعة في الفن التشكيلي الذي تمثّلته، وصهرت في وعائهِ المختلفِ الأبعادِ رؤاها، وأفكارَها المستنيرة.... حتى أن السطح الواحد للّوحة لم يكن ليستوعب هذا التدفق للأفكار فتظهر لنا سطوح اللوحات مجسمة، تلخص الشيء وضده في اللحظةِ ذاتها..... عالمها ليس حرائق وحروباً وكوارث ودماءً بالمطلق كما في السطح الأول، فثمة أمل في السطح الثاني وهو ما تجسد في أكثر من لوحة لهذه الفنانة التي كانت روحها العذبة منسجمة وهذا الأمل. أفكارها لامست ألواناً شتى ووطأت مناطق كثيرة ليست سهلة على المرأة اقتحام المحظور فيها...ولم يكن ذلك إسفافاً أو انتقاصاً، بل كان توظيفاً سليماً لأدواتِها ومحرّكاً إيجابيّاً للأفكار، وصولاً لتحقيقِ هدفٍ إنسانيٍّ منشود، ناهيك عن الكم المعرفي لهذه الفنانة التي قدمت في كتاباتها شكلاً مغايراً أيضا...رغم ابتعادها عن الصحافة ومحاولة المرور الهادئ في خضم الضجيج الفارغ للآخرين، لتكون بذلك مثلاً طيبا لما نتمناه للفنان العراقي وللفن الرصين.
وقد اشتركت الفنانة الألمانية شيلد جريسبك في هذا المعرض، حيث أعربت عن سعادتها بهذه المناسبة التي أتاحت لها فرصة اكتشاف عوالم جديدة في فنون الآخر وتدعيم فكرة الاندماج، فضلاً عن سعادتها بمشاركة فنانة عراقية متميزة استطاعت أن توصل أفكارها وتطرح قضايا المرأة العراقيّة الشائكة التي عايشت كوارثَ، وحروباً مرَّ بها بلدها، فأصيبت من جرائها بالكثير من الضير والعنت والاضطهاد.
الفنانة جريسبك تنتهج المدرسة التجريدية في مجمل أعمالها، وقد اعتمدت ثلاثة ألوان في لوحاتها لتجسد فيها مراحل تعيشها الأنثى بين الولادة والموت، فالأبيض يشكل البداية النقية الخالية من العبث والتعقيد، في حين يمثل اللون الأحمر الذي كان طاغياً على نحوٍ ملفت في لوحاتها مرحلة الفوران والتدفق والانطلاق والقوة، بينما يُعبّر اللون الأسود في لوحاتها عن مرحلة الوقار والسكينة وصولاً للحقيقة الوحيدة الحتمية في هذا الكون وهي الموت... هذا وقد شكرت في كلمتها جمعية الأطباء العراقيين الذي سعى لإنجاح هذا المعرض وشكرت الصحافة العراقية والألمانية متمنية تكرار مثل هذه التجربة في مكان آخر.