: آخر تحديث

هارولد بنتر وحرب العراق: استعادة شعرية بالأساس

 

مقدمة وأربعة قصائد
تقديم وترجمة: حكمت الحاج و وليد بن أحمد
 
إبان رحيل "غراهام غرين" في نيسان أبريل 1991، كان من الأهمية بمكان أن يشيد  "هارولد بنتر" بقدرته على تجاوز الخطابة السياسية والنظر إلى الواقع كجسد عار قد تم تعذيبه. ان هاجس بنتر وهوسه بالفجوة ما بين اللغة والواقع، كما يقول دارسهُ "مايكل بيللينغتون"، قد دفعه في آب أغسطس من نفس السنة الى كتابة قصيدة عنونها بـــــــ "كرة قدم أميركية - تأملات في الحرب على العراق". وسرعان ما تم رفض نشرها من قبل صحف الاندبندنت، الابسيرفور والغارديان (على أساس أنها جريدة عائلية!) ونيويورك ريفيو أوف بوكس ولندن رفيو أوف بوكس. هذه الأخيرة خاصة أثارت حنق بنتر لما أرفقت رفضها بالتأكيد على ان القصيدة تمثل عنفا بالغا وانها ستساهم بنشر آراء بنتر حول الولايات المتحدة. 
ما يفعله هارولد بنتر بشكل واضح في "كرة قدم أمريكية.." هو السخرية المتعمدة عبر لغة عنيفة فاحشة جنسية واحتفالية، من الانتصار العسكري الذي أعقب حرب الخليج، وفي الوقت نفسه، الرد على التعبيرات الملطفة التي وصفت هذا النصر المتلفز. تحدث الجنرال شوارزكوف عن "القصف الجراحي" و"الأضرار الجانبية". وقد ادعى بيري سميث، وهو جنرال متقاعد ومحلل شبكة سي أن أن الإخبارية ان حرب الخليج "ستضع معيارا جديدا" لتجنب وقوع خسائر فى صفوف المدنيين. وعندما دُمر مأوى عراقي بغارات جوية، هو ملجأ العامرية، سرعان ما ظهر المسؤولون الأمريكيون على شاشة التلفزيون وادعوا أنها "منشأة للقيادة والتحكم". وهكذا تم تجاهل ذكر الموت عبر استعمال لغة التكنولوجيا والبيروقراطية. ولكن كما ذكرت الـــــ "نيويوركر" في 25 آذار مارس 1991، فإن عملية "عاصفة الصحراء" لم تقتصر على وقوع خسائر بشرية كبيرة فحسب، بل "مذبحة على نطاق واسع وبوتيرة تساوي أشد التدخلات العسكرية رعبا". 
إن قصيدة هارولد بنتر، من خلال نبرة جسورة متطرفة مبالغ فيها، وهوس بالبراز والغائط ومرادفاتهما، تذكرنا بالكلمات التي استخدمت لوصف الحرب على شاشات التلفزيون، وبحقيقة أن الصراع النظيف النقي الذي كانت غالبية الشعب الأمريكي تدعمه في ذلك الوقت هو أمر لم يكن ليوجد إلا في خيالاتهم. 
ان وراء هذه القصيدة يكمن غضب مكتوم خاصة من كونها قد رفضت، حتى من قبل أولئك الذين تعاطفوا مع أهوائها، ويقدم دليلا محزنا على أن النفاق لا يقتصر على الحكومات والسياسيين.
في هذا الملف نقدم ترجمة لقصيدة "كرة قدم أمريكية - تأملات في الحرب على العراق"، التي كتبها هارولد بنتر في العام 1991 إبان الحرب على العراق، مشفوعة بثلاثة قصائد أخرى كتبها خلال غزو العراق وسقوط بغداد عام 2003، وهي: ليبارك الرب أمريكا، الديمقراطية، نشرة الأنواء الجوية.
ولد هارولد بنتر في الــــ 10 من أكتوبر تشرين الأول عام 1930 في شرق لندن، كاتب مسرحي، مدير، ممثل، شاعر وناشط سياسي. حاز على جائزة نوبل للآداب عام 2005 وتوفي في 24 ديسمبر كانون الأول عام 2008.  كَتبَ تسعا وعشرين مسرحيّةَ من ضمنها حفلة عيد الميلادِ، الناظر، وخيانة. وواحدا وعشرين سيناريو سينمائيا من ضمنها الخادمِ، الوسيط، وإمرأة الضابط الفرنسيِ، وأخرج للمسرح سبعاً وعشرين عملا، من ضمنها المنفيون لجيمس جويس، أوليانا لديفيد ماميت، وسبع مسرحيّاتِ لسايمون غراي، والعديد مِنْ مسرحيّاتِه الخاصةِ التي تَتضمّنُ أخيرته، إحتفال، زاوجَ بأوله، والغرفة، في مسرحِ  ألميادا، لندن في ربيع عام 2000. 
لقد كان إهتمام بنتر بالسياسةِ أمرا معروفا على نطاق واسع. فعلى مرِّ السنين تَكلّمَ هارولد بنتر بقوة حول سوءِ إستخدام القوَّةِ الدولية حول العالمِ، ووقف مناهضا لقصف منظمة حلف شمال الأطلسي صربيا، ودافع بشراسة ووقف بالضد من التدخل العسكري في العراق بقصفه وغزوه، دفاعا ظل يلازمه حتى نهاية حياته. 
 
ملاحظة: حاولنا عبر الترجمة وجهد الإمكان تخفيف اللهجة المكشوفة الكاسحة،  والكلمات النابية القوية التي تميزت بها القصائد وكانت السبب وراء منع نشرها في الصحف المعروفة حينها. وفي بعض الأحيان لجأنا الى استعمال صيغ عامية ربما هي الأقرب الى مراد الشاعر هارولد بنتر. علما بأن هذا الملف هو فصل من كتاب سيصدر قريبا عن منشورات مومنت بلندن تحت عنوان "الشعر والحرب: هارولد بنتر وحرب العراق". 


 ليبارك الربّ أمريكا
ها هم من جديد
أولئك الأمريكان في موكبهم المدرّع
ينشدون أغاني الفرح
ويركضون عبر العالم الشاسع 
يمجّدون إله أمريكا.

سُدّت المجاري بالموتى
أولئك الذين لم يقدروا على الانضمام
والآخرين الرافضين الغناء
أولئك الذين يضيعون أصواتهم 
وأولئك الذين ضيعوا اللحن. 

يملك الرّكب سياطا قاطعة 
رأسك يتدحرج على الرمل
رأسك بركة وسط القذارة
رأسك وصمة عار في الغبار.

عيناك تتدلى 
وأنفك لا يشم سوى رائحة الجيف
وكل الهواء النافق يحيا 
برائحة إله أمريكا.

 كرة قدم أمريكية -  تأملات في الحرب على العراق
هلليلويا!
لقد نجح الأمر
ونسفناهم.
دمرنا قذاراتهم في مؤخراتهم 
وآذانهم اللعينة.
لقد تم الأمر
واختنقوا بخرائهم!
هلليلويا.
اشكروا الرب على النعم.
لقد فجرناهم وحولناهم إلى براز مقرف يلتقمونه.
حمدا للرب على الطيبات.
جعلنا خصياتهم شظايا من الغبار،
شظايا من الغبار المقرف.
لقد فعلناها.
هيا اقترب الآن
وقبّل شفتيّ.
 


 الديمقراطية
لا مَهْربَ، 
أيورهم الغليظة تتدلى
سينيكون كُلّ مَنْ  في مَرماهم.
ديروا بالكم على طيازكم.
 


 

 نشرة الأنواء الجوية
يبدأ اليوم غائما
ويكون باردا نسبيا
مع تقدم النهار
ستبزغ الشمس
وتكون الظهيرة جافة ودافئة 

سيشرق القمر في المساء 
وسيبدو لامعا جدا
ستكون هنالك كما قيل
رياح سريعة
لكنها ستخمد بحلول منتصف الليل
لا شيء أبعد سَيَحْدثُ.

هذه آخر نشرة للأنواء الجوية.
 


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. تعليق
ن ف - GMT الإثنين 10 أبريل 2017 00:07
أقترح استخدام مفردة ((هلّلوا لله)) أو ((حمداً لله)) في قصيدة كرة قدم أمريكية بدلاً من مفردة ((هلليلويا)) التي لا أحد يقدر على لفظها ولا حتى فهم معناها. إن كلمة Hallelullah أو Hallelujah عبرية الأصل وتحمل المعنى الذي ذكرته. الكلمة ما زالت تستخدم في الكنائس بهذا اللفظ: هَلَلويا. والكلمة تتألف من مقطعين: (هَلا) (لويا). أمّا ترجمة البيت الخامس فلم تكن موفقة أيضاً. إذ وردت في النّص / وآذانهم اللعينة/ غير أن المعنى المُراد هو: فأخرجناها (أي القذارة) من آذانهم الّلعينة. الأمر الآخر الذي أخفق فيه المترجم هو ترجمة it works التي وردت في القصيدة مرّتين. لقد فاته أن الضمير it يُشير إلى القصف الوحشي أو الحرب. لقد جاءت ترجمة البيت: / لقد نجح الأمر/. أي أمر؟ القصف الوحشي ليس أمراً والحرب ليست أمراً. أقترج كلمة ((فَعّال)) بدلاً من نجح. الهجومُ فعّالٌ أو القصف فَعّالٌ. الأمر الذي لاحظته هو أنّ القصيدة الإنجليزية تتألف من 17 بيتاً، أمّا الترجمة فتتألف من 16 بيتاً. // لست مع الإستخدام العامّي الذي ورد في قصيدة الديموقراطية، وذلك لتباين اللهجات العامّية في البلاد العربية. هذه القصيدة، تحديداً، تتألف من أربعة أبيات. البيت الأول هو البيت الوحيد الذي يمكن اعتباره ((فصحى)) أمّا الأبيات الأخرى فهي دارجة انجليزية. ولو أنّنا ترجمنا هذه القصيدة إلى الدّارجة العربية فالمصرية هي الأكثر شيوعاً. هذه ترجمتي إلى الدراجة المصرية للبيت الأول: مفيش فايده أو حتروحوا فين! أما ترجمة البيت الثالث فستكون على هذه الشاكلة: هُمّه حينيكوا أي حد في طريقهم. وترجمة البيت الرّابع ستكون: خلّوا بالكم من طيزكم. أمّا إذا أردنا ترجمتها إلى الفصحى فتلك مصيبة، وهذا نموذج: لا مهرب// أيورهم الكبيرة منتصبة// سينكحون كلّ مَن يرونه// حافظوا على مؤخراتكم. // أمّا عنوان القصيدة الأخيرة فيبعث على الإكتئاب. لا أعرف تحديداً ما معنى (( أنواء))؟ ولكن تبدو لي جمعاً. الله وحده يعلم مفردها. أقترح العنوان التالي: النّشرة الجوية، أو نشرة الأحوال الجوية ويا دار ما دخلك أنواء! بقي أن أقول إنّ الشمس تشرق والقمر يبزغ أو يظهر أو يطلع.. ونحنا والقمر جيران/ بيتو خلف تلالنا/ بيطلع من قبالنا / يسمع الألحان/ نحنا والقمر جيران/ عارف مواعيدنا/ وتارك بقرميدنا / أجمل الألون.


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات