: آخر تحديث

خوارزميات اللغة الأولى

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تُعتبر اللغة، أي تلك التي نستخدم فيها المفردات والدوال والجمل، الوسيلة المثلى والأنجع للتواصل ما بين البشر،غير متجاهلين طبعاً دورها في الخطاب الذاتي والتواصل ما بين الإنسان ونفسه.

ولقد ساعد اختراع اللغة واستثمارنا لهذا الاختراع، على مرّ الزمن، في نقل وتخزين التجربة والمعرفة الإنسانيتين.

ومما ساهم في توسّع اللغة أيضاً محاولات الإنسان الدائمة لتجنّب "الاشتراك في المعنى" في كل مفردة، فاخترع مفردات أكثر.

لكن هذه اللغة ليست هي اللغة الوحيدة لدى الإنسان في تواصله الذاتي مع نفسه، بل إنها حديثة العهد نسبياً، إذا ما قورنت بلغتنا الأمّ؛ أي تلك التي تنتمي إلى الجزء البدائي من المخ. حيث إن لهذه اللغة مفرداتها الخاصة بها والتي تختلف عن الكلمات.

غير أن الأهمية في هذه اللغة تكمن في طريقة الربط وفي خلق العلاقة ما بين شيئين اثنين أو بين أشياء عدَّة.

فلنأخذ هذا المثال التوضيحيّ:

طفل صغير، في مرحلة ما قبل تعلُّم المشي، يحبو على سرير والديه و"يُدبدب" في شتّى الاتجاهات وقاطعاً السرير طولاً وعرضاً، لكنه لا ينسى أن يتوقف ويعود أدراجه كلما وصل إلى حافة السرير مدركاً الخطر الذي ينتظره!

السؤال: كيف يفهم الطفل مثل هذا الأمر وهو لم يُكوِّنْ، بعدُ، لغةً خطابيةً ذاتية؟ كما أن خبرته في الحياة متواضعة وعمرها بضعة أسابيع؟

الجواب ببساطة: إن هذا الطفل يتّبع في عقله خوارزميةً معينةً إن صح التعبير، تقوده إلى برّ الأمان.

حيث إن حافة السرير تساوي في عقله المستجدّ النقطة 1، وعملية سقوطه في الهواء تساوي النقطة 2، وشعوره بألم الرضّ تساوي النقطة ج. وإذا ما انتقلت الشحنة الكهربائية في دماغ الصغير من النقطة 1 إلى النقطة 3 فإنه سيتكوّن لديه تصوّر لما سوف يشعر به من ألم على إثر سقوطه. لذلك هو يتوقف بالفطرة لحظة وصوله الحافة. فالنتيجة الأبدية التي سيراها دائماً أمامه هي أن حافة السرير تساوي الشعور بالألم.

إن هذه المتتالية التي استخدمها الطفل بالفطرة لتجنُّب الوقوع في الخطر هي ذاتها التي كان يستخدمها الإنسان الأول قبل أن يُكوّن اللغة ويستخدم المفردة والجملة الكاملة التي تحمل معنى، وهي أيضاً لغة الحيوان مع ذاته.

وهذه اللغة لم تنقرض، بل ما تزال ناشطةً في الكثير من عملياتنا العقلية غير الواعية التي نُجريها بصمت، والأنا ما زالت تغرف من كنوزها.

وبالإمكان تشبيه الأنا الشعورية - الواعية بطاحونة الماء التي تتوسَّط بحيرة العقل الباطني، ومن خلال تدوير ذاتيّ بفعل عمليات الربط، فهي تنضح من ماء هذه اللغة الفريدة.

باحث وكاتب سوري


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. مقال رائع
عبد الكريم البصري - GMT الجمعة 25 يناير 2019 05:05
شكرا للكاتب الذي تناول موضوع جديد لم نتعود مطالعته في صحفنا العربية. لأول مرة اقرأ مقالة للأخير بلا تململ.


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.